57 نبيًا ومقولة توم باراك

فارس نەورۆڵی

على مرّ التاريخ البشري، كانت منطقة الشرق الأوسط مهدًا للأديان السماوية، ومنها انطلقت رسالات الأنبياء والكتب المقدسة بهدف إصلاح الإنسان وتهذيب سلوكه وتقويم مساره. ومع ذلك، شهدت المنطقة، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، حروبًا وصراعات دامية، سواء بين أتباع الديانات المختلفة، ولا سيما المسيحية واليهودية والإسلام، أو نتيجة الاختلافات والتفسيرات المتباينة داخل الدين الواحد، الأمر الذي أفضى إلى ظهور عشرات التيارات المتصارعة، وأسهم في اندلاع مجازر وحروب واسعة النطاق.

ولم تتوقف هذه الخلافات عند حدود التاريخ، بل ما زالت تداعياتها حاضرة حتى اليوم، سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا، الأمر الذي جعل الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، وأبعدها عن الاستقرار والسلام الدائم.

وفي عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومع استمرار تدخل الولايات المتحدة والدول الأوروبية في شؤون المنطقة، بدوافع ومصالح متعددة، ومحاولاتها طرح نماذج سياسية وديمقراطية يُفترض أن تسهم في تحقيق الاستقرار، يبدو أن الغرب ينطلق من تجربة تاريخية مختلفة؛ فقد بنى جانبًا كبيرًا من تطوره الحديث على الفلسفة والعقلانية والمؤسسات السياسية، في حين ظلت مجتمعات الشرق الأوسط أكثر ارتباطًا بالدين والتقاليد الدينية.

لكن المفارقة تكمن في أن هذا التدين لم يمنع، في كثير من الأحيان، عجز المجتمعات عن تقبّل الآخر، حتى عندما يكون شريكًا لها في الدين، فضلًا عن استمرار خطاب الإقصاء والتكفير على أساس المذهب أو القومية أو الانتماء السياسي. ومن هنا، فإن أي محاولة لمعالجة أزمات المنطقة من دون إصلاح فكري وثقافي عميق ستظل محدودة النتائج.

ومن هذا المنطلق، جاءت مقولة توم باراك: «أُرسل 57 نبيًا لإصلاح الشرق الأوسط، ولم يتمكنوا من إصلاحه».

إن مقولة السيد توم باراك ليست مجرد تصريح سياسي أو إعلامي عابر، بل يمكن قراءتها بوصفها تعبيرًا عن رؤية سياسية ونفسية وسوسيولوجية يحاول من خلالها قراءة الواقع الراهن للشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن هذا التعبير ينطوي على إشكالية فكرية عميقة، لأنه يستبدل قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة بإحالة أزماتها إلى النصوص الدينية والأساطير والمقولات الرمزية.

فعندما يعمد سياسي غربي بارز، مثل توم باراك، إلى وضع أزمات البنية السياسية للسلطة، والبنية الفكرية والثقافية، والتقسيمات الاستعمارية، والصراعات الجيوسياسية، في إطار ديني، فإنه يبدو وكأنه يقول لنا إن هذه المنطقة محكومة بأزمات أبدية، إلى درجة أن إرادة السماء ورسل الله، الذين يرمز إليهم بالـ57 نبيًا، لم يتمكنوا من إصلاحها؛ فكيف يستطيع مبعوث واحد من الرئيس ترامب أن يفعل ذلك؟

إن هذا النوع من التفكير قد يتحول إلى شكل من أشكال الهروب من المسؤولية التاريخية والأخلاقية عن الكوارث والدمار اللذين أسهمت فيهما القوى الغربية، سواء من خلال ترتيبات استعمارية، وفي مقدمتها اتفاقية «سايكس–بيكو»، أو عبر التدخلات العسكرية والسياسية المتعاقبة في المنطقة.

ولعل القضية الكردية تمثل أحد أبرز الأمثلة على التداعيات الكارثية للترتيبات التي أعادت رسم خريطة المنطقة؛ فقد تركت هذه التحولات آثارًا عميقة على الشعب الكردي، وما زالت القضية الكردية حتى اليوم واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في الشرق الأوسط.

وإذا قرأنا تصريح توم باراك من منظور فلسفي، نجد أنه يخلط بين مفهومين مختلفين: المفهوم الروحي والمفهوم السياسي. فالأنبياء، وفقًا للعقيدة الدينية، بعثوا لإرساء القيم الأخلاقية وإصلاح الإنسان والمجتمع، وليس لتأسيس الدول الحديثة أو بناء المؤسسات السياسية بمفهومها المعاصر.

ومن ثم، فإن الجمع بين هذين المفهومين قد يؤدي إلى قراءة مضللة لواقع الشرق الأوسط المعاصر، ولا سيما بالنسبة إلى شعب مظلوم، كالشعب الكردي، يعقد آمالًا على القيم الأخلاقية والسياسية الدولية، ومنها القيم المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، في سبيل الخلاص من الظلم وتحقيق العدالة في هذا القرن.

ومن المؤكد أن توم باراك يدرك أن جانبًا أساسيًا من مشكلات الشرق الأوسط لا يكمن في الدين وحده، بل في غياب المؤسسات الديمقراطية الفاعلة، وضعف ثقافة حقوق الإنسان، وغياب العدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن ضعف سيادة القانون. لذلك، فإن اختزال أزمات المنطقة في بعدها الديني قد يسهم، عن قصد أو غير قصد، في تبرئة القوى الخارجية من مسؤولياتها التاريخية، وفي تقديم الشرق الأوسط باعتباره منطقة محكومة بأزمات أبدية أو «ملعونة» لا يمكن إصلاحها.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ألا يمكن أن يُقرأ هذا الفشل المتكرر للسياسة الخارجية الأمريكية باعتباره محاولة للقول إن هذه المنطقة تعاني خللًا بنيويًا عميقًا، وإنها عاجزة عن قبول الآخر، وإن عليها أن تحل مشكلاتها بنفسها؟

ربما لا أملك إجابة حاسمة عن هذا السؤال.

لكن، في المقابل، تحمل مقولة توم باراك جانبًا من الحقيقة لا يمكن تجاهله.
فقد مرت أوروبا والولايات المتحدة نفسها بمراحل مظلمة من الحروب والصراعات الداخلية، وعانت الانقسامات الدينية والقومية والسياسية، قبل أن تتمكن تدريجيًا من تجاوز جانب كبير منها من خلال بناء المؤسسات، وتطوير الفكر السياسي، وترسيخ مفهوم الدولة، والاحتكام إلى القانون، وتعزيز العقلانية السياسية.

ومن هنا، فإن مشكلات الشرق الأوسط العميقة لن تُحل بالقصص الأسطورية، ولا بانتظار معجزات القوى الخارجية، ولا بمجرد تغيير الحكومات أو الحدود. إن الحل الحقيقي يبدأ من داخل المجتمعات نفسها، عبر سلوك طريق العقلانية السياسية، وتجاوز التعصب الديني والقومي، واحترام التنوع، وترسيخ ثقافة قبول الآخر، وبناء مؤسسات قائمة على العدالة والمساواة وسيادة القانون، وإنشاء مراكز تفكير قادرة على إنتاج رؤى واقعية لمستقبل المنطقة.

وبخلاف ذلك، لن تتمكن لا الـ57 نبيًا الذين ترمز إليهم المقولة، ولا المبعوث الأمريكي الواحد، من حل أزمات الشرق الأوسط، ما لم تخضع القوى السياسية والدينية والاجتماعية في المنطقة لمنطق العقل، وتدرك أن بناء السلام والاستقرار ليس مهمة السماء وحدها، ولا مسؤولية القوى الخارجية وحدها، بل هو قبل كل شيء مسؤولية شعوب المنطقة نفسها.

قد يعجبك ايضا