د. حمدي سنجاري
كان بإمكان العراق، بعد عام 2003، أن يفتح صفحة تاريخية جديدة تعيد إليه موقعه الطبيعي في الشرق الأوسط؛ لا بوصفه دولة تبحث عن نفوذ عابر، بل بوصفه بلداً يمتلك من الجغرافيا والتاريخ والثروة والخبرة البشرية ما يؤهله ليكون مركزاً للحوار وصناعة التوازنات الإقليمية.
فالعراق ليس دولة هامشية في المنطقة. يقع في قلب الشرق الأوسط، ويرتبط بجوار عربي وإيراني وتركي، ويمتلك ثروة نفطية هائلة وموارد بشرية واسعة وتجربة سياسية وثقافية عميقة، إلى جانب موقع جغرافي يجعله همزة وصل بين الخليج العربي وبلاد الشام وتركيا وإيران. كان من المفترض أن يكون هذا البلد محركاً للمفاوضات، وصوتاً مسموعاً، وساحة تجتمع فيها الأطراف المتنازعة كلما تعقدت أزمات المنطقة؛ أن تكون بغداد إحدى العواصم التي يقصدها العالم لا التي تراقب الأحداث من الخارج. لكن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الإمكانات، بل في غياب الإدارة الحقيقية لهذه الإمكانات.
العراق الذي كان يمكن أن يكون
يمتلك العراق مقومات استثنائية تؤهله لدور يتجاوز حجمه السياسي الراهن: حدود مع دول ذات ثقل إقليمي، وامتداد عربي وإسلامي عميق، وثروة نفطية وغازية، وإطلالة على الخليج العربي، وموانئ وممرات استراتيجية، وقاعدة بشرية واسعة من الكفاءات. غير أن الثروة وحدها لا تصنع الدور؛ الدور تصنعه الدولة التي تُحسن إدارة ثروتها وموقعها وخبراتها. كان بمقدور العراق أن يتحول إلى مساحة للحوار بين القوى المتنافسة، مستفيداً من علاقاته المتعددة مع واشنطن وطهران وأنقرة والعواصم العربية والأوروبية، ليقدّم نفسه طرفاً فاعلاً في صناعة الحلول لا منتظراً لنتائجها. غير أن بلوغ هذا المستوى يستلزم دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة في قرارها، تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
حين تولى الجيش مهمة لا يقوى عليها وحده
تمثّل الإخفاق الأبرز في مشروع إعادة بناء العراق بعد عام 2003 في اعتماد واشنطن على الجيش الأمريكي كأداة رئيسية لتنفيذ ما عُرف بشعار «بناء الأمم»، وهو مفهوم أُدير بمنطق عسكري وأمني أخفق في بناء دولة ومجتمع. فبينما نجحت القوات العسكرية في إسقاط النظام وفرض السيطرة الميدانية، عجزت عن تأسيس مؤسسات سياسية شرعية أو صياغة عقد اجتماعي يعالج الانقسامات التاريخية. وجاء القرار الأمريكي بحل الجيش العراقي ليصنع تناقضاً استراتيجياً قاتلاً؛ إذ تسبب في تسريح مئات الآلاف من العسكريين، ما فجر معدلات البطالة، ووَلّد سخطاً شعبياً عارماً ضد الاحتلال. هذا الفراغ المؤسسي والاقتصادي شكل بيئة خصبة استغلتها قوى التطرف، التي نجحت في استقطاب كفاءات عسكرية مسرحة وشباب محبط عبر توظيف المال والهوية لملء غياب الدولة.
مشروع المواطنة الذي لم يكتمل
لم تكن أزمة العراق بعد 2003 أزمة مؤسسات فحسب، بل أزمة إنسان أيضاً. كان البلد بحاجة إلى مشروع وطني يعيد بناء مفهوم المواطنة، ويجعل من الانتماء إلى العراق إطاراً جامعاً يحتضن التنوع الديني والقومي والمذهبي والمناطقي. غير أن هذا المشروع لم يكتمل، وأخذت الانقسامات الطائفية والقومية مساحة واسعة من الحياة السياسية بدلاً منه. والحقيقة التي ينبغي أن ترسخ في الوعي الوطني هي أن نجاح أي إقليم أو محافظة، من كوردستان إلى البصرة وسائر المدن العراقية، هو نجاح للدولة بأسرها؛ فالعراق ليس مجموع مناطق متنافسة، بل كيان واحد يمكن أن تتحول فيه النجاحات المحلية إلى دوافع للنجاح الوطني.
الخروج من أسر الهويات الفرعية
لا يمكن للعراق أن يستعيد دوره الإقليمي ما دامت سياسته الداخلية رهينة الحساسيات الدينية والطائفية والقومية. وهذا لا يعني إلغاء التنوع، بل حمايته من أن يتحول إلى أداة للصراع السياسي؛ فالدين جزء من المجتمع، والقومية جزء من الهوية، والمذهب جزء من التكوين الاجتماعي، لكن الدولة يجب أن تبقى الإطار الذي يحمي الجميع بالتساوي. وحين تتحول الهوية إلى وسيلة للوصول إلى المنصب أو المال أو النفوذ، تفقد قيمتها الوطنية وتغدو أداة انقسام. يحتاج العراق إلى الانتقال من سؤال «من أي قومية أو طائفة أنت؟» إلى سؤال «ماذا تستطيع أن تقدّم للعراق؟»، وهذه النقلة وحدها كفيلة بتغيير طبيعة الدولة.
اقتصاد ريعي يستهلك الثروة ولا يبني المستقبل
رغم موارده النفطية الضخمة، ظل الاقتصاد العراقي شديد الاعتماد على النفط، ولم يتحول هذا المورد بالقدر الكافي إلى قاعدة لتنويع الإنتاج. كان ينبغي أن تُستثمر عائدات النفط في بناء اقتصاد ما بعد النفط، لا في إطالة عمر الاقتصاد الريعي؛ في مصانع وطرق وموانئ ومشاريع زراعية ومراكز بحثية وجامعات وشركات وطنية قادرة على المنافسة. لكن استمرار الإنفاق دون بناء قاعدة إنتاجية واسعة جعل الاقتصاد هشاً أمام أي صدمة خارجية.
كما لم يُطوَّر قطاع الطاقة بما يتناسب مع حجم هذه الثروة وأهميتها الاستراتيجية؛ فتنمية القطاع النفطي لا تعني الاستخراج والتصدير فحسب، بل تشمل شبكات الأنابيب والخزانات الاستراتيجية والمصافي وموانئ التصدير وأسطول النقل ومنشآت معالجة الغاز والبنية التقنية الوطنية وأنظمة الطوارئ. والدولة التي تعتمد على مورد استراتيجي واحد ينبغي أن تكون الأكثر استعداداً للاضطرابات التي قد تعطّل هذا المورد، وهو ما يتضح جلياً في التصعيد الأمريكي – الإيراني الذي أوقف الملاحة عبر مضيق هرمز؛ فالتوقف في حركة الصادرات انعكس مباشرة على الموازنة والرواتب والاستيراد وسعر الصرف، ما يستدعي خطط طوارئ وطنية دائمة للطاقة، لا تفكيراً بالبدائل بعد وقوع الأزمة.
من متفرج على الأزمات إلى صانع للحلول
من المؤسف أن تكون دولة بحجم العراق وموقعه وثرواته مجرد متفرج على صراعات المنطقة بدلاً من أن تكون جزءاً من صناعة حلولها. فبسياسة خارجية متوازنة، يمكن للعراق أن يتحول إلى منصة تفاوض بين أطراف متخاصمة لا تستطيع بعضها التواصل المباشر، مستثمراً شبكة علاقاته المتعددة. فالقوة ليست دائماً في حجم الجيش أو الاقتصاد؛ أحياناً تكمن في أن تكون الدولة الطرف الذي يستطيع الجميع الحديث معه، وهذا هو الدور الذي كان يمكن لبغداد أن تضطلع به في الشرق الأوسط.
حين يحل «الترند» محل القرار
من مظاهر الخلل في إدارة الدولة الحديثة أن تتحول صناعة القرار إلى رد فعل على ما يتصدر منصات التواصل الاجتماعي. هذه الوسائل يمكن أن تكون أداة تواصل مع المجتمع، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة، فالملفات الأمنية والاقتصادية والنفطية والدبلوماسية لا تُدار بمنطق الشعبية الرقمية اللحظية. الدولة تحتاج إلى خبراء ومراكز أبحاث وأجهزة معلومات ودبلوماسيين ومتخصصين في الطاقة أصحاب خبرة راسخة، وإلى سياسيين ينظرون إلى مصلحة البلد على مدى عقد أو عقدين لا إلى الاستحقاقات الانتخابية الآنية. المشكلة ليست في وسائل التواصل بذاتها، بل في أن تحل الشعبية الرقمية محل الخبرة والكفاءة.
ومن أخطر العوامل التي أضعفت الدولة العراقية تغليب المصلحة الشخصية والحزبية على المصلحة الوطنية. فحين يتحول المنصب العام إلى وسيلة لتحقيق الثروة أو النفوذ، تفقد المؤسسات معناها تدريجياً، وهنا تبرز الحاجة إلى نظام صارم للمساءلة والشفافية يمنع تحويل الشأن العام إلى مشروع خاص؛ فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الخطاب الوطني بقدر حاجته إلى مؤسسات فاعلة تطبّقه.
الحذر من عودة الاستبداد
كما أن العراق مطالب بمواجهة التطرف والإرهاب، فهو مطالب أيضاً باليقظة تجاه أي محاولة لإحياء الفكر الاستبدادي الذي عانى منه المجتمع لعقود، أو تسلل عناصر من المنظومة السابقة إلى مواقع مؤثرة بهدف إعادة إنتاج ثقافة السلطة الفردية وإلغاء الآخر. لكن هذا التحذير لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي لكل من عاش في ظل النظام السابق، فالمجتمع العراقي أوسع من ذلك بكثير. خطر الفكر الاستبدادي لا يقل أهمية عن خطر التطرف حين يتحول إلى مشروع سياسي يستهدف الدولة المدنية والمواطنة، ولذلك يجب أن تكون المواجهة عبر القانون والمؤسسات والوعي الوطني، لا عبر الانتقام أو الإقصاء الجماعي.
كل هذه الملفات تلتقي عند مشكلة واحدة جوهرية: غياب الإدارة الاستراتيجية. فالعراق لا يفتقر إلى الموارد بقدر ما يفتقر إلى حسن إدارتها، ولا يفتقر إلى الخبراء بقدر ما يفتقر إلى نظام يضع كل خبير في موقعه الصحيح، ولا يفتقر إلى التنوع بقدر ما يفتقر إلى سياسة تجعل منه مصدر قوة لا وسيلة انقسام.
العراق الذي نريده
العراق الذي نحتاج إلى بنائه ليس عراق الطائفة أو القومية أو الحزب أو «المؤثر» على وسائل التواصل، بل عراق المواطن؛ عراق تكون فيه كل محافظة قوية لأن قوتها جزء من قوة الدولة كلها، ولا يُنظر فيه إلى نجاح منطقة على أنه خسارة لأخرى. عراق يقول لكل أبنائه: نجاحك نجاح للوطن، وإخفاقك مسؤولية جماعية لا مسؤوليتك وحدك.
وفي السياسة الخارجية، حان الوقت لأن ينتقل العراق من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المؤثر فيها، ولأن تصبح بغداد عاصمة للحوار وجسراً بين المتخاصمين وصوتاً محترماً في المنطقة. فالعراق يملك من التاريخ والجغرافيا والثروة والخبرة ما يكفي ليكون لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، لكن كل ذلك بلا قيمة من دون إدارة رشيدة. المشكلة ليست أن العراق فقير بالإمكانات، بل أنه فقير بالإدارة الاستراتيجية القادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى قوة فعلية: فهو يملك النفط دون صناعة نفطية متكاملة، ويملك الموقع دون أن يستثمره سياسياً، ويملك الخبرات دون أن يمنحها موقع القرار، ويملك التنوع دون أن يحوّله إلى قوة.
المعركة الحقيقية في العراق، إذن، ليست بين طائفة وأخرى، ولا بين قومية وأخرى، بل بين منطق الدولة ومنطق المصلحة الخاصة، بين الإدارة المهنية والإدارة العشوائية، بين المواطنة والطائفية، بين المستقبل والماضي. العراق لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى رؤية ومؤسسات ومعلومات صادقة وكفاءة ومحاسبة وشجاعة سياسية. وحين تتوافر هذه العناصر، يستطيع العراق أن يستعيد مكانه الطبيعي: دولة قوية في الداخل، متوازنة في الخارج، منتجة اقتصادياً، عادلة مع مواطنيها، وقادرة على أن تكون صوتاً مسموعاً ومحركاً للحوار والسلام في الشرق الأوسط.