د.محمد الكاظم
هناك نكتة تبعث على البكاء أكثر من الابتسام، انتشرت في العالم العربي منتصف القرن الماضي، تقول إن أول فكرة يفكر فيها خريجو الكليات العسكرية بعد حصولهم على اول نجمة يضعونها على اكتافهم هي التخطيط لانقلاب عسكري. وان أي جنرال يصحو من النوم قبل غيره يذهب الى القصر الجمهوري ليحكم.
القاسم المشترك بين كل الانقلابات التي شهدتها منطقتنا هو التآمر المسبق، الانقلابات ليست مجرد لحظات عابرة في سجل السياسة، ولا مجرد انتقالات عنيفة بين حكومات متعاقبة؛ انها تعبير عن مرض سياسي عميق يتفشى في المجتمعات. مرضٌ يجعل الوصول إلى السلطة أهم من السلطة نفسها، والاستيلاء على الدولة أسبق من بناء الدولة، وإقصاء الخصم أكثر أهمية من إقناع الناس وكسب ودهم.
وفي قلب هذا المرض ظهر (الانقلابي)، ذلك الرجل الذي يرى في الطريق الديمقراطي والاعتماد على المهارة والكفاءة الشخصية طريقاً طويلاً، ومملاً، ولا يستحق الصبر والانتظار، كما يرى الانقلابي في إرادة المجتمع عقبة، وفي رأي الناس ومشاعرهم إضاعة للوقت. هنا يظهر دور البندقية التي تختصر كل شيء، لذلك ففيها اختصار لكل شيء!
الانقلاب لا يبدأ عادةً من القصر نفسه ولا من طوابقه العليا؛ انه يبدأ من الغرفة المغلقة. من اجتماع لا يعرف به أحد، ومن همسة تُقال بعيداً عن الآذان، ومن قائمة أسماء تُكتب على ورقتين، قائمة للضحايا، وقائمة للبدلاء.
ويبدأ من حسابات دقيقة حول مَن يقف مع مَن، ومن سيتخلى عن مَن. ومَن يملك السلاح والقوة والنفوذ والتأثير والقدرة على التآمر والانشقاق واقصاء الآخر، ومن يستطيع أن يفتح الباب في اللحظة المناسبة. هناك، في الظلام، تولد المؤامرة قبل أن تولد السلطة.
يأتي الانقلابي بمحاسيبه ومن يثق بهم اولاً، يغرسهم في زوايا القصر، ليراقبوا، يتلصصوا، يسجلوا، يتجسسوا، يرسموا السيناريوهات، يقيسون فعالية المنظومة، يختبرون الولاءات، يحاولون كسب الأنصار، يفتتون التحالفات السابقة ويرسمون تحالفات جديدة، بانتظار ساعة الصفر.
المؤامرة في العراق أشبه بنبات سامٍّ يجد في الخوف تربةً خصبة. تكبر في الغرف المغلقة، وتتغذى على الشكوك، وتنتشر عبر الهمس، ثم تخرج إلى العلن في صورة انقلاب أو إقصاء أو تصفية أو اعتقال او ازاحة. وما إن تنجح حتى تبدأ مؤامرة جديدة؛ لأن من يصل إلى الحكم بهذه الطريقة يعرف أن الطريقة نفسها يمكن أن تُستخدم ضده.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر قسوة.
الانقلابي لا يثق بأحد، ولا يستطيع ان يقيم علاقة إنسانية بأحد، لأنه يعرف أن الآخرين يشبهونه.
يعرف أن الرجل الذي ساعده على إسقاط خصمه يمكن أن يساعد خصمه القادم على إسقاطه. ويعرف أن الرفيق الذي حمل السلاح معه قد يحمل السلاح ضده. ولذلك يصبح القصر محاطاً بالحراس والوشاة، لكن الخوف الحقيقي يكون في الداخل. فتصبح الصداقة موضع شك، والولاء امتحاناً يومياً، والاختلاف علامة خطر، والصمت نفسه قابلاً للتفسير بوصفه مؤامرة.
ومن هنا ينشأ التاريخ المرضي للانقلابيين، لان كل انقلاب يحتاج إلى انقلاب مضاد، وكل تطهير يحتاج إلى تطهير جديد، وكل دائرة من الثقة تضيق شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى فيها إلا الحاكم. ثم تبدأ ماكنة الشك في ابتلاع الجميع. رفيق الأمس يصبح متآمراً، والمتآمر يصبح ضحية، والضحية قد يتحول إلى متآمر جديد إذا نجا. فللضحايا اسنان واظافر ايضاً، وإذا تمكنوا من النجاة قد يتطرفون ويقبلون التعامل مع الشيطان ثأراً لكرامتهم فيعملون على الإطاحة بالمعبد كله ونواميسه وتقاليده، وهكذا تدور الدائرة السوداء حول نفسها، فيما يدفع المجتمع ثمنها من أمنه وكرامته ومستقبله.
لقد كان البعث بارعاً في تحويل هذه الثقافة إلى نظام حكم. لم تكن المؤامرة بالنسبة إليه حادثة استثنائية، بل جزءاً من اللغة السياسية التي تحرك بها. السلطة لا تُدار فقط من خلال المؤسسات، وإنما من خلال الولاءات السرية، وشبكات الأمن، ومراقبة الرفاق، وإقصاء المنافسين، وتوقع الخيانة قبل وقوعها. كان النظام ينظر إلى المجتمع لا باعتباره شريكاً في صناعة الدولة، بل باعتباره مساحة ينبغي السيطرة عليها ومراقبتها.
والانقلابي، في جوهره، لا يحتمل المجتمع الحر؛ لأن المجتمع الحر لا يمنحه ما يريده بسرعة. فالمجتمع الحر يقول له، انتظر الانتخابات، أقنع الناس، احترم القانون، اعرض مهاراتك وقدراتك، اقبل بالخسارة، واترك السلطة حين تنتهي مدتك. أما الانقلابي فيرى في كل ذلك ترفاً لا يليق بطموحه. يريد السلطة الآن، ويريد القرار الآن -الآن وليس غدا- ويريد أن يصبح الآخرون تابعين لمشروعه قبل أن يسألهم إن كانوا يريدونه أصلاً.
ولهذا كان الانقلاب أكثر من عملية عسكرية؛ كان اعتداءً على فكرة المجتمع نفسه. حين تستولي مجموعة صغيرة على الدولة بالقوة، فإنها لا تنتزع السلطة من الحكومة وحدها، بل تنتزع من الناس حقهم في تقرير من يحكمهم. يصبح المواطن خارج المعادلة، ويصبح التاريخ رهينة لمن يملك السلاح والمفاتيح.
والأشد مرارة أن بعض الانقلابيين لا يرون أنفسهم مجرمين؛ بل يكتبون لأنفسهم لغةً بطولية، ويمنحون أفعالهم أسماء براقة، ثورة، إنقاذ، تصحيح، تطهير. تطوير، لكن الكلمات لا تغير حقيقة الفعل. حين يُنتزع الحكم بالقوة، وحين تُكمم الأفواه، وحين تُلاحق الخصوم، وحين تصبح الدولة ملكاً لجماعة، فإن تغيير الاسم لا يغير طبيعة الجريمة السياسية.
إن أخطر ما تركته هذه الثقافة ليس فقط ما يحدث يوم الانقلاب، بل ما تزرعه في العقل السياسي والاجتماعي والإداري من اعتقاد بأن السلطة يمكن اختصار طريقها بالقوة. فالانقلابيون لا يكتفون بتغيير الحاكم، إنهم يغيّرون قواعد اللعبة. يعلمون الأجيال أن الطريق إلى القصر قد يكون أقصر من الطريق إلى صناديق الاقتراع، وأن السلاح قد يكون أكثر فعالية من الحوار، وأن الخصم يمكن إزالته بدلاً من مواجهته. وان الاستعراض اللفظي اهم من الكفاءة.
ومن هنا يصبح تشريح التاريخ المرضي للانقلابيين ضرورة، للانتقام من الماضي، وإنما لفهمه. فالأوطان لا تتعافى من أمراضها إذا اكتفت بتذكر أسماء المرضى، عليها أن تفهم كيف انتشر المرض، ومن أين دخل، وكيف تحول من سلوك أفراد إلى ثقافة سياسية والى سلوك اداري يشيع في مؤسساتنا المليئة بالضغائن والمشاعر الانقلابية وتكتيكات سحب البساط من تحت اقدام المسؤول، او تسيير الماء من تحت قدميه كما يقول التعبير الدارج في أوساط الممسكين بالقرار.
لقد كان البعث واحداً من أكثر التعبيرات قسوة عن هذا المرض. فقد جعل العراق يعيش زمناً طويلاً تحت ظل سلطة تخاف من المؤامرة لأنها تعرف منطقها، وتعرف مفاتيحها، وتطارد المتآمرين لأنها تعرف أنهم قد يكونون في داخلها، وتراقب رفاقها لأنها تعرف أن الرفاق أنفسهم يمكن أن يتحولوا إلى خصوم. في النهاية تحول التآمر الى سلوك اجتماعي يتجلى في الإدارة والسياسة والتعامل اليومي في المجال العام. كما تبين انه سلوك له القابلية على التوريث والانتقال عبر الزمن من الإباء الى الأبناء والاحفاد، فالتآمر ثقافة يمكن ان تنتقل وتمارس حتى في أشد الأنظمة ديمقراطية، وليس بالضرورة ان يكون سلاحها البندقية، فهناك الف وسيلة معاصرة تتيح للانقلابي ان يمارس دوره في التآمر.