حين تصبح الحقوق الإنسانية وقوداً للازدهار

الاستاذ الدكتور علاء شيال

في عالم يلهث خلف مؤشرات النمو والأرقام القياسية، يغفل الكثيرون عن حقيقة جوهرية مفادها أن الاقتصاد ليس مجرد معادلات رقمية باردة، ولا أرقاماً تتصاعد في البورصات، بل هو في جوهره قصة إنسانية، تحكي كيف يعيش الناس، وكيف يعملون، وكيف يستهلكون وينتجون، وكيف تتوزع بينهم ثروات الأرض وفرص الحياة، وهنا بالضبط تلتقي حقوق الإنسان بالاقتصاد في علاقة عضوية لا انفصام لها، علاقة تجعل من الكرامة الإنسانية ركيزة أساسية لأي ازدهار حقيقي، ومن العدالة الاجتماعية شرطاً لا غنى عنه لأي نمو مستدام، لأن الاقتصاد الذي يُبنى على أنقاض الحقوق، ويُغذى باستغلال الضعفاء، ويكافئ الفاسدين، هو اقتصاد واهن الأساس، مصيره الانهيار مهما ارتفعت أسهمه اليوم، بينما الاقتصاد الذي يضع الكرامة الإنسانية في صميم معادلاته، هو وحده القادر على الصمود والنماء الحقيقيين .

العلاقة بين حقوق الإنسان والاقتصاد ليست علاقة سطحية، بل هي علاقة تكاملية عميقة، تبدأ من حقيقة بسيطة: أن الإنسان ليس مجرد وسيلة للإنتاج، بل هو غاية الإنتاج ذاتها، فحقوق الإنسان تمنح الفرد القدرة على المشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية، فحين يضمن القانون حق الفرد في العمل، وحين يكفل له أجراً عادلاً وظروفاً آمنة، يتحول هذا الفرد من مجرد قوة عاملة إلى شريك منتج، يبذل جهده بإخلاص وإتقان، لأنه يشعر بأن كرامته محفوظة، وأن جهده لا يضيع هباءً، وهذا الشعور بالكرامة يرفع الإنتاجية ويحسن جودة العمل، ويقلل من التغيب والإهمال، ويدفع العمال إلى الإبداع والابتكار، وكل هذه العوامل تنعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني، فتزيد من تنافسيته وقدرته على مواكبة التطورات العالمية .

بل إن احترام حقوق الإنسان يخلق بيئة جاذبة للاستثمارات، فالشركات العالمية والمستثمرون لم يعودوا يبحثون فقط عن الأيدي العاملة الرخيصة أو الموارد الطبيعية الوفيرة، بل أصبحوا يبحثون عن بيئة مستقرة تحترم العقود، وتحمي الملكية الفكرية، وتضمن سيادة القانون، وتكافح الفساد، فالمستثمر الذي يخشى أن تُنتهك حقوقه، أو أن تُصادر أمواله دون محاكمة، أو أن تُزور العقود لمصلحة من هم أقرب إلى السلطة، سيفضل وضع أمواله في دولة أخرى توفر له الضمانات القانونية اللازمة، وكثير من دول العالم الثالث التي تعاني من ضعف الاستثمارات، لا تعاني لأنها فقيرة بالموارد، بل لأنها غنية بالفساد وفقيرة بحقوق الإنسان، ولو أن هذه الدول استثمرت في بناء مؤسسات عادلة ونزيهة، لتدفقت إليها الاستثمارات التي كانت ستنهض باقتصاداتها وتوفر فرص العمل لشبابها .

أما الفساد، فهو العدو اللدود لكل من الاقتصاد وحقوق الإنسان، فالفساد يسرق أموال الضرائب التي يفترض أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق، ويحرم الفقراء من فرصهم في حياة كريمة، ويحول المشاريع التنموية إلى واجهات فارغة، ويخلق بيئة لا تتساوى فيها الفرص بين الناس، بل يحصل فيها من هو أقرب إلى السلطة على ما لا يستحق، بينما يظل المبدع والمجتهد بعيداً عن حقه، وهنا يتجلى الارتباط العضوي بين مكافحة الفساد واحترام حقوق الإنسان، فكل دينارا يُمنع من السرقة هو دينارا يعود إلى مواطن يستحقه، وكل فاسد يُحاسب هو رسالة بأن الحقوق ليست مجرد شعارات، وأن العدالة الاجتماعية ليست حلماً بعيداً، وهذا النوع من الشفافية يحسن من مناخ الأعمال، ويزيد من ثقة المواطنين والمستثمرين في مؤسسات الدولة، مما ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي .

وفي الجانب الآخر، لا يمكن أن نغفل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بحد ذاتها، فهي جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، فالحق في العمل، والحق في الأجر العادل، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في السكن اللائق، كلها حقوق رسمتها المواثيق الدولية وأكدتها الأديان والقيم الإنسانية، والمجتمع الذي يضمن هذه الحقوق لمواطنيه، يكون قد أرسى دعائم الاستقرار الاجتماعي، وقلل من التوترات التي تنتج عن التفاوت الصارخ في الثروات، وهذا الاستقرار هو البيئة الأكثر خصوبة للنمو الاقتصادي، لأن المواطن المطمئن على مستقبله، والمتأكد من أن له شبكة أمان تحميه في حالات المرض أو البطالة، يصبح أكثر قدرة على الادخار والاستثمار والمخاطرة الإيجابية، وهي كلها عوامل تغذي عجلات الاقتصاد وتدفعها إلى الأمام، بينما المجتمعات التي تهمل هذه الحقوق، تدفع ثمناً باهظاً في صورة اضطرابات اجتماعية، وإضرابات عمالية، وهجرة للكفاءات، وكلها عوامل تستنزف الاقتصاد وتعرقل تقدمه

قد يعجبك ايضا