أ. عبدالكريم مراد
– قرأتُ مقالاً لأحد الأصدقاء عن ذاكرة القامشلي، فتوقفتُ طويلاً عند عبارةٍ قال فيها: «كم أساءت السياسة إلى القامشلي، وإلى تفاصيلها الجميلة».
لعلّ هذه العبارة تختصر جانباً كبيراً من حكاية مدينةٍ لم تكن يوماً مجرّد جغرافيا، بل كانت ذاكرةً مشتركةً لناسٍ من مختلف الطوائف الدينية والقومية تعايشوا فيها، واختلفوا واتفقوا، وبنوا معاً تفاصيل حياتهم اليومية، قبل أن تتوالى عليها السياسات والصراعات، فتأخذ من ملامحها شيئاً فشيئاً.
ومن هنا، أجد نفسي مضطرّاً إلى طرح سؤالٍ أكثر إيلاماً: ماذا يحدث حين تتحوَّل السياسة من وسيلةٍ لحماية الإنسان ومصالحه إلى أداةٍ لتوظيفه في صراعاتٍ تتجاوز حاجاته وأحلامه؟
لعلّ أخطر ما يمكن أن تعانيه الشعوب ليس اختلافها في الرأي، بل حين تتحول البنادق إلى أدواتٍ للسياسة، فيتحول أبناؤها إلى أدواتٍ في صراعاتٍ تجعلهم يرفعون السلاح في وجه بعضهم بعضاً، بينما تبقى الأهداف الحقيقية بعيدةً عن متناولهم.
عندها لا تعود البندقية وسيلةً للدفاع عن الإنسان، بل تصبح جزءاً من معادلةٍ أكبر، تتداخل فيها المصالح والأجندات، ويصبح الإنسان نفسه وقوداً لصراعاتٍ لا يعرف دائماً أين تبدأ ولا أين تنتهي.
وهذه البنادق، حين تدخل المدن، لا تغيّر المشهد السياسي وحده؛ بل تغيّر وجه المكان بكل ما فيه: الحجر والشجر والبشر.
تحرق الشجرَ، وتدفع الناس إلى الرحيل، وتترك خلفها بيوتاً فارغة، وأحياءً فقدت شيئاً من روحها، وأجيالاً تحمل في ذاكرتها صوراً لا تشبه تلك التي كانت تتمنّى أن تحملها عن مدينتها.
والأخطر من ذلك أن تُغطّى هذه الصراعات أحياناً بشعاراتٍ قوميّةٍ أو وطنيّةٍ برّاقة، فيما تكون نتائجها على الأرض أبعد ما تكون عن حماية الإنسان أو صون كرامته ومستقبله.
أجل …..!
لقد ساهمت السياسةُ في تحويل القوميّة إلى وقودٍ للصراعات، فقد عرفت المنطقة، وخلال عقودٍ طويلة، تجارب مؤلمة…جرى فيها استثمار المشاعر القوميّة لدى الشباب، ودفعهم إلى خياراتٍ قاسية، تحت عناوين كبرى وأحلامٍ مشروعة في ظاهرها، بينما كانت النتائج في كثير من الأحيان أثقل من أن يتحمّلها جيلٌ واحد.
ففي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، دُفِعَ كثير من شبابنا إلى ترك دراساتهم وحياتهم الطبيعية، تحت تأثير شعاراتٍ قوميةٍ وأحلامٍ وطنيّة، ظنّاً منهم أنَّهم يقتربون من صناعة مستقبلٍ أفضل لشعبهم.
لكنّ كثيراً من تلك الأحلام انتهت إلى السجون والملاحقات والموت والغياب، فيما بقيت العائلات تواجه وحدها قسوة الفقد، وتستقبل أبناءها في صورٍ معلقة على جدران العزاء يصفقون لها بعبارات جوفاء لتخليد استشهادهم، بعد أن كانت تنتظر منهم أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة وإلى الحياة.
ولم يكن من السهل آنذاك أن يسأل المرء كثيراً أو يعترض كثيراً؛ فمجرّد التساؤل كان يمكن أن يُفسَّر على أنه خيانةٌ وخروجٌ عن الصف، في ظل أنظمةٍ أمنيّةٍ وسياسيّةٍ لم تكن تتسامح مع الاختلاف.
ثم دارت دورة الزمن، وتبدّلت العناوين والشعارات والميادين، وظهرت مفاهيم جديدة وذرائع جديدة، لكنّ السؤال بقي واحداً:
– هل كان الكورد، في كل هذه التحوّلات، هم المستفيدون الحقيقيّون من كلّ ما جرى؟
أم أنّ الإنسان الكوردي ظلّ يدفع ثمناً باهظاً من دمه وهجرته وسجنه وفقدانه، بينما كانت الأرض تتغيّر، والناس تتبدل، والذاكرة تتآكل؟
آهٍ…… فالقامشلي قد تغيّر وجهها
نعم القامشلي اليوم لا تحتاج إلى من يصف لها ما حدث؛ فالمدينة نفسها تقول الكثير.
إنّها موجودة بمبانيها وشوارعها وأحيائها، لكنَّ الذاكرة تقول إنَّ شيئاً من روحها القديمة قد غاب.
فالمكان قد يبقى، لكن الوجوه تتغير.
والحجر قد يبقى واقفاً، لكنّ الحكايات التي كانت تسكنه قد تتراجع.
والشجرة قد تبقى في مكانها مالم تُحترَق أو تُخلَع، بينما الذين كانوا يجلسون تحت ظلها ربما غادروا أو رحلوا أو غيّبتهم السنوات.
وهكذا تتحول المدينة شيئاً فشيئاً من مكانٍ حيّ إلى ذاكرةٍ تبحث عن أصحابها.
وما يؤلم أكثر أنَّ المشهد الاجتماعيّ والاقتصاديّ بات يحمل تناقضاتٍ قاسية:
غنىً فاحش في جانب، وفقرٌ مدقع في جانب آخر، فيما تتراجع الخدمات، وتُهمّش الرموز الثقافية، ويجد الفن نفسه أحياناً محاصراً بين الإهمال والتوظيف السياسيّ.
أما الجوع، فلا يحتاج إلى خطابٍ سياسي كي يثبت وجوده؛ يكفي أن ننظر إلى وجوه الناس.
وحين يصبح تأمين أبسط مقومات الحياة حلماً، يصبح الحديث عن الشعارات الكبرى أقلَّ أهميّةً من سؤالٍ بسيط: ماذا قدّمنا للإنسان؟
القامشلي ليست حجراً وشوارع فقط؛ إنها أيضاً فنٌ وذاكرة، أغنية، ومسرح، وشعر، ودبكة، وحكايات أمّهات وآباء، ووجوهٌ عاشت معاً زمناً طويلاً.
وحين يُهمّش الفنُّ أو يتحوَّل إلى أداةٍ لخدمة أجندةٍ سياسيّةٍ، فإنّه يفقد جزءاً من وظيفته الأساسيّة: بأن يكون مساحةً للإنسان، وأن يحفظ الذاكرة بعيداً عن الاستقطاب.
فالمدينة التي تفقد فنها، تفقد شيئاً من قدرتها على سرد قصتها بنفسها.
والمدينة التي تُكتب ذاكرتها من الخارج، قد تستيقظ يوماً فلا تجد نفسها في تلك الذاكرة.
فهل بقيت ذاكرة للقامشلي؟
ربما لم تضِع ذاكرة القامشلي بالكامل بعد.
فهي ما زالت في ذاكرة الذين عاشوا فيها، وفي حكايات الذين غادروها، وفي صور البيوت القديمة، وفي الأغاني التي لم تستطع السنوات إسكاتها، وفي أسماء الشوارع والأحياء، وفي وجوهٍ ما زالت تبحث عن مدينتها الأولى.
لكنّ الذاكرة وحدها لا تكفي إذا لم نحسن حمايتها.
إنّ القامشلي لا تحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى استعادة الإنسان لمكانته، وإلى مدينةٍ يشعر فيها الجميع أنّهم شركاء في المكان والكرامة والمستقبل.
فالسياسة التي لا تحمي الإنسان، مهما رفعت من شعارات، تتحول في النهاية إلى عبءٍ عليه.
والقوميّة التي لا تصون كرامة أبنائها ومستقبلهم تتحوّل إلى شعارٍ فارغ.
والوطن الذي لا يتّسع لأبنائه جميعاً يبقى ناقصاً مهما اكتملت حدوده على الخريطة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: مَن غيّر وجه القامشلي؟
بل:
مَن يستطيع أن يعيد إليها وجهها؟
وهل نستطيع أن نُنقذ ما تبقى من ذاكرتها قبل أن يتحوّل النسيان إلى واقعٍ نهائي؟
فالقامشلي لا تحتاج إلى أن نبكي على ذاكرتها فقط، بل تحتاج إلى أن نحمي ما تبقى منها، وأن نترك للأجيال القادمة مدينةً تستطيع أن تقول عنها ذات يوم:
هنا عشنا معاً… وهنا حفظنا ذاكرتنا، ولم نسمح للسياسة أن تقتلها…!