من يعرف بغداد؟

آراس جواد

سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة أكثر تعقيداً مما نتصور. فبغداد التي نراها في نشرات الأخبار تختلف عن بغداد التي نعرفها عن قرب، كما أن بغداد التي تظهر في الاجتماعات السياسية ليست بالضرورة هي نفسها بغداد الأسواق والجامعات والمقاهي والمجالس العشائرية ومؤسسات الدولة.

ولهذا فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نرتكبه هو التعامل مع بغداد باعتبارها مجرد ساحة سياسية. فبغداد مجتمع واسع ومعقد ومتعدد، ومن يريد أن يفهمها أو ينجح في العمل فيها، عليه أن يعرف كيف يفكر الناس، وما الذي يقلقهم، وما الذي ينتظرونه، قبل أن يسألهم عن مواقفهم السياسية.

وعندما نتحدث عن الكورد في العراق، فإن الخريطة السياسية ترسم نفسها بسرعة؛ إقليم كوردستان، محافظاته، قواه السياسية، وعلاقته ببغداد. لكن هناك خريطة أخرى أقل وضوحاً، وربما أقل اهتماماً وهي خريطة الكورد الذين يعيشون خارج الإقليم، في بغداد ومناطق الوسط والجنوب.

وهنا لا أتحدث عن حضور سياسي عابر، بل عن مجتمعات وعائلات وجذور تاريخية تمتد من بغداد وديالى وواسط إلى مناطق أخرى من العراق. والسؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس هل يوجد كورد خارج الإقليم؟ بل، هل نعرف فعلاً حجمهم، وتحولاتهم، وما الذي يريدونه؟

بعد تعداد ۲٠۲٤، الذي سجل أكثر من ٤٦ مليون نسمة في العراق، ما زالت إحدى الملاحظات المهمة هي غياب صورة إحصائية واضحة ومتداولة عن التوزيع القومي للكورد خارج إقليم كوردستان. نعرف عدد السكان، ونعرف الكثير عن أعمارهم ومناطق سكنهم، لكننا لا نمتلك خريطة دقيقة يمكن أن تجيب عن سؤال بسيط و هو كم يبلغ سكان الكورد اليوم في بغداد ومناطق الوسط والجنوب، وأين يتمركزون؟

وهذا ليس تفصيلاً إحصائياً. فالمشكلة التي لا تقاس، يصعب أن تتحول إلى سياسة.

ربما ينبغي، قبل كل شيء، أن نراجع الطريقة التي ننظر بها إلى الكورد في بغداد وواسط والبصرة. فكثير منهم ليسوا مجرد سكان انتقلوا إلى هذه المدن، بل هم جزء أصيل من نسيجها السكاني والاجتماعي منذ أجيال طويلة. كثير من هذه العائلات موجودة منذ أجيال طويلة، وبعضها جزء من تاريخ المدن التي يعيش فيها بقدر ما هو جزء من التاريخ الكوردي.

وتظهر تجربة الكورد الفيليين بوضوح في هذا السياق.

ففي بدايات القرن العشرين، كان للفيليين حضور كبير في بغداد، وارتبط جانب مهم من نشاطهم بالحركة التجارية بين بغداد والمناطق الشرقية. وتشير تقديرات تاريخية إلى وجود عشرات الآلاف من الفيليين في بغداد منذ تلك المرحلة، مع انتشارهم أيضاً في مناطق الوسط والجنوب. لكن القضية الأهم ليست في الماضي وحده. فالسؤال الحقيقي هو ماذا حدث لهذه المجتمعات خلال العقود الماضية؟

التهجير، والهجرة، التعريب و الجينوسايد الثقافي، والاندماج في المدن الكبرى، وتراجع استخدام لغة الأم لدى بعض الأجيال، والزواج المختلط والإنضمام الى العشائر العربية، كلها عوامل أعادت تشكيل مفهوم الهوية لدى الفرد الكوردي خارج الإقليم. وهذا يعني أن المشكلة اليوم ليست فقط الحفاظ على الوجود، بل فهم شكل هذا الوجود الجديد.

لا شك أن جريمة التهجير وسحب الجنسية التي تعرض لها الكورد الفيليون تمثل واحدة من أخطر الصفحات في تاريخهم الحديث. لكن بعد أكثر من أربعة عقود، ربما ينبغي أن ننتقل من سؤال المظلومية وحده إلى سؤال آخر، ما هو المشروع المستقبلي للكورد الفيليين؟ هل يكفي أن تبقى قضيتهم مرتبطة بالتعويضات والحقوق القانونية وإحياء الذكرى؟

هذه الملفات ضرورية، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل مجتمع كامل. المطلوب أيضاً التفكير في اللغة، والهوية، والتعليم، والتمثيل الثقافي، ودور الشباب، والعلاقة مع كوردستان.

وهنا توجد نقطة تستحق اهتمام القيادات، مجتمع كبير لا يمكن أن يدار بمنطق الملف الواحد. فالفيليون ليسوا ملفاً قانونياً، ولا كتلة انتخابية، ولا مجرد امتداد اجتماعي. إنهم جزء من التنوع الكوردي نفسه، وتجربتهم المختلفة يمكن أن تضيف إلى المشروع الكوردي، لا أن تبقى على هامشه. وهذا يقودنا إلى الجيل الجديد.

العراق اليوم بلد شاب جداً. فوفق نتائج وتحليلات مرتبطة بتعداد ۲٠۲٤، تمثل الفئة العمرية من ۱۲ إلى ۲۹ عاماً نحو ۳٦% من السكان، بينما يشكل من هم دون الخامسة والعشرين أكثر من نصف المجتمع العراقي. وهذه الأرقام مهمة بالنسبة إلى الكورد خارج الإقليم. لأن الجيل الجديد لا يحمل بالضرورة ذاكرة التهجير أو الصراع التي حملها آباؤه. هويته تتشكل اليوم عبر المدرسة والجامعة والمدينة والإنترنت والأصدقاء أكثر مما تتشكل عبر التجارب التي عاشها الجيل السابق.

وهنا يجب طرح سؤال صريح، ماذا قدمنا لهذا الجيل لكي يبقى مرتبطاً بلغته وثقافته وتاريخه الكوردي؟ إذا كانت الإجابة هي المناسبات والخطابات والانتخابات فقط، فذلك لا يكفي. فالهوية في القرن الحادي والعشرين لا تحفظ بالتذكير الدائم بالماضي فقط، بل بإنتاج مساحة ثقافية وتعليمية واجتماعية تجعل الانتماء جزءاً حياً من الحاضر. وربما تكون البداية في ثلاثة أمور واضحة.

أولاً، خريطة معرفة. نحتاج إلى دراسات ميدانية حقيقية حول الكورد في بغداد والوسط والجنوب: أماكن وجودهم، أعمارهم، لغاتهم، أوضاعهم الاجتماعية، وتحولات هويتهم. لا يمكن بناء سياسة على تقديرات متناقضة.

ثانياً، مؤسسات للجيل الجديد. ليس المقصود مؤسسات سياسية فقط، بل برامج ثقافية وتعليمية وشبابية تربط الأجيال الجديدة بكوردستان وهويتها وتاريخها، من دون أن تعزلهم عن المجتمعات التي يعيشون فيها.

ثالثاً، رؤية مختلفة للعلاقة. يجب ألا تكون العلاقة مع الكورد خارج الإقليم علاقة موسمية تظهر في الانتخابات أو الأزمات. هؤلاء ليسوا جمهوراً ينتظر من يتذكره، بل جزء من الحضور الكوردي.

ربما اعتدنا طويلاً على سؤال، من يعرف بغداد؟ لكن السؤال الأوسع هو من يعرف بغداد والوسط والجنوب من الداخل؟ ومن يعرف الكورد الذين يعيشون فيها؟ فبعد عقود من الحديث عن العلاقة بين بغداد وكوردستان، ما زالت هناك مساحات كاملة من المجتمع الكوردي خارج الإقليم لم تدرس كما ينبغي، ولم تتحول إلى جزء واضح من التفكير الاستراتيجي.

وقد يكون هذا هو الوقت المناسب للانتقال من إدارة الحضور الكوردي خارج الإقليم إلى فهمه وتطويره. لأن ما لا نعرفه جيداً، لا نستطيع أن نحافظ عليه. وما لا نخطط لمستقبله، قد نستيقظ يوماً لنكتشف أن تغيره سبقنا جميعاً.

قد يعجبك ايضا