رحلة في عالم الأستاذ جعفر الخليلي

د. محمد سعيد الطريحي

لقد أثبتت (رحلة التعلم) بشخص عميدها الأخ الدكتور قيس العبيدي والأساتذة من مؤازريه الأفاضل وجودها ومصداقيتها في خدمة العلم والأدب والفكر والثقافة والفن بسعيها ومثابرتها المستمرة باستضافة الندوات في مختلف الاختصاصات بحضور جمهرة من الأعلام من خلفيات فكرية وازنة تمثل قطاعات مختلفة من شعبنا العراقي، وهذا ما يمثل في نظري مشروع كبير يعوِّض عن بعض ما افتقده الوطن من السكينة التي هو بحاجة اليها بعدما تكاثرت عليه المعاناة والأزمات وخاصة في الفترة الراهنة.

ويسعدني المساهمة الليلة بالحديث عن شخصية عراقية مرموقة تميزت بنبوغها وتألقها الفكري الذي ترك أبلغ الأثر في جيله والأجيال التي تلته من شداة العلم وغواة الأدب العراقي والعربي من بعده. ذلكم هو الأستاذ جعفر الخليلي (1904-1985) رحمه الله والذي يحار المرء في أي جانب هو الأبرز في تناوله من مواهبه المتمايزة مع تعدد قابلياته فهو الكاتب الصحافي والأديب الشاعر والمؤرخ المتتبع والقاص الرائد والسياسي والمترجم والمعلّق والمذيع والمعلم والناشر والباحث الاجتماعي والفلكلوري والمصلح المتنور والخطيب المصقع وفوق هذا وذاك هو رب اسرة كريمة.

استطاع بكفاحه الدؤوب وبمزيد من العلم والثقافة، والحكمة والكياسة والخبرة والكفاءة أن يمدّ المكتبة العربية بعشرات الكتب وبنحو ثلاثة آلاف من المقالات والأبحاث، وبهذا كتب لاسمه الخلود. وفي تقديري أن الخليلي وبالرغم من خدماته الفكرية الكبيرة، لم يحظَ بما يستحقه من التكريم بما يُناسب دوره في النهوض بالحركة الثقافية التي عمّت العراق وامتد أثرها الى العالم العربي.، وهو ما شعر به أديب العربية الكبير الأستاذ ميخائيل نعيمة حيث قال: ((ان جعفر الخليلي الكاتب والصحفي يستحق أوسع دراسة ولكن ككل الكتاب العراقيين على شاكلته، لم يتطلع أحد بمثل تلك الدراسات عنه، رغم أنه أحد أساطين كتاب القصة في العراق)).

وفي رسالة من الدكتور أحمد مطلوب استهلها بقوله مخاطباً الخليلي: ((يا من خدمتَ الفكر حقبة طويلة وقدّمتَ من الجهد العظيم في ميادين الصحافة والأدب والبحث الشئ الكثير لتظل علماً من أعلام الفكر العربي ومناراً للأجيال القادمة)). ومثل هذه الشهادات كثيرة وكثيرة جداً نشرتها موثقة في المجلد الأول من الاعمال الكاملة للخليلي. والعبرة من ذكر هذه الشهادات التي أدلى بها كبار العلماء والأدباء هو أن الخليلي كما هو حال معظم مفكري العراق وعباقرته في تاريخه الحديث لم يُقدّروا حق قدرهم لا في حياتهم ولا بعد رحيلهم بل ولم يُحتفى بهم وبنتاجهم القيّم من قبل الحكومات المتعاقبة، وفي حالة الخليلي بلغ عدم الانصاف ذروته بعدما اضطُر الى مغادرة بلده ليعيش خارج العراق وانه لمن العار أن يحيا الخليلي كما يحيا المجهولون، ان يموت موتة الغرباء في دبي ويُدفن فيها ولم يحضر دفنه الا عدد قليل كان متواجداً فيها من أهله.

لهذا فإنَّ اجتماعنا اليوم هو إحياء لذكرى الأستاذ الخليلي ولو بعد أربعين عاماً من التغييب والنسيان، وكأنه يعود حيَّاً اليوم ليذكرنا بمزاياه التي كانت تزخر بها حياته حين كان يجتمع اليه الناس في منتداه بمقر جريدة الهاتف في النجف أو في مقر مكتبه (دار التعارف) ببغداد حين كان يقصده آنذاك الناس من المحبين والمثقفين من كافة الأعراق والديانات مع نخبة من رموز العراق فيكرمهم ويؤرخ لحياتهم.

الخليلي يوحّدنا على هذه الشاشة، فما أشبه اجتماعنا الآن بالاجتماع الذي جمع صحب الخليلي منذ ما يزيد على نصف قرن حين اجتمع ثلة منهم على ترجمة اطروحة الدكتوراه التي كتبها المستشرق الأمريكي الأب جون توماس هامل عن دور الخليلي في القصة العراقية الحديثة، التي ترجمها الى العربية: الأستاذ وديع فلسطين والدكتور صفاء خلوصي وقدم لها شاعر الأهرام محمد عبد الغني حسن وما أروع ما أثبته في ختامها، حيث قال:(لا شك ان اجتماعنا هنا ما بين مسلمٍ ومسيحي، وشرقي وغربي، ومصري وعراقي، وسنيٍ وشيعي، وعربي وأعجمي، هو اجتماع أو اجماعٌ على المكانة الأدبية المرموقة التي يتمتع بها صديقنا الأستاذ جعفر الخليلي).

فيما يخص محاضرة اليوم، صحيح أنا مَن اقترحت المواضيع التي أردت التطرق لها، في أربعة محاور، وتتناول الخليلي: صحفياً وقاصاً ومؤرخاً وشاعراً، وقبيل ساعات من وجودي بينكم أيقنت أن إيفاء كل هذه المباحث حقها دوننها خرق القتاد كما يقال فكل فقرة منها تستدعي ساعات من الحديث والمناقشات، لكنني على كلّ حال سأختصر وأختصر جداً وأُحيل التفاصيل الدقيقة عنها الى موسوعة الأعمال الكاملة للأستاذ الخليلي والتي قمتُ تحريرها في ثلاثين مجلداً حتى الآن ومن المؤمل أن يزيد عددها أكثر، كما قمتُ في الوقت نفسه بنشر كتب الخليلي محققة ومطبوعة بشكل مستقل، لمن يرغب بمراجعتها على هذا النحو، وعنايتي بأعمال الخليلي، قديمة ترجع الى السبعينيات من القرن الماضي، وكنت قد نشرت منذ أكثر من عشرين عاماً كتاب (هكذا عرفوا الخليلي) كما حاضرت وشاركت في تقديم اضاءات عن سيرته في عدد من المنتديات، واكتسبت معرفة بكثير من القضايا التي تتصل بشخصيته وأفكاره من خلال اهتمامي المبكر به وصلاتي بأُسرته الكريمة، ومعرفتي بعدد غير قليل من الأعلام الأفذاذ من معاصريه ومن أصدقائه وصحبه المقرَّبين ومنهم على سبيل المثال: الشيخ عبد المولى الطريحي صاحب مجلة الحيرة التي أطلَّ منها الأستاذ الخليلي بأول عمل صحفي مستقل في حقل القسم المدرسي من المجلة عام 1927م، ومنهم: الأستاذ وديع فلسطين والدكتور محمد عبد المنعم خفاجي (من مصر) والأستاذ روكس بن زايد العزيزي (من الأردن)، والأساتذة: شاعر العرب الأكبر الأستاذ الجواهري، الشيخ جلال الحنفي، الأستاذ سالم الآلوسي، الأستاذ مير بصري، الأستاذ حسين مروة، الأستاذ سليمان كتاني، الأستاذ عبد الغني الخليلي، السيد جواد شبّر، الشيخ محمد جواد السهلاني، الدكتور السيد محمد بحر العلوم، الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، الأستاذ نعمان ماهر الكنعاني، الشاعر الأستاذ ابراهيم العريّض، وغيرهم. رحمهم الله جميعاً وهؤلاء الأعلام ومئات غيرهم كانوا أيضاً موضع عناية مني فترجمت لهم وكتبت عنهم وعن غيرهم في مجلتي (الموسم) وفي غيرها من كتبي.

النجف الأشرف (بيئة الخليلي)

بلغت مدينة النجف الأشرف الاوج في مكانتها وسلطتها المعنوية في أواخر العصر العثماني وأواسط القرن العشرين، تلك الفترة التي ولد بها ونشأ جعفر الخليلي وفي الجانب الأدبي خصوصاً الذي بلغ قمة الازدهار والتفوُّق اذ كان باستطاعة من يسيح بين محلاتها الأربع وما تكتنزه أزقتها الملتوية الضيّقة وسراديبها السنية العميقة ((“سرداب السِن هو نوع من السراديب التاريخية العميقة في مدينة النجف بالعراق، ويبلغ معدل عمقه حوالي أربعة عشر متراً أو أكثر ليصل إلى الطبقة الرابعة (سن القرص وهو نتوء من الصخر من هضبة النجف. تُستخدم هذه السراديب للعيش وحفظ الأطعمة صيفاً لشدة برودتها”)) بما تضطم عليه من المدارس وبيوت العلماء والأُدباء بالإضافة الى الصحن الحيدري الشريف، مناجم تفيض بالأدب والشعر وتزهو بالعلم والمعرفة، وفي كل ركن منها مصباح يتوهج بنور العبقرية فكان الفتى الخليلي وهو في بواكير صباه فضلاً عن نشأته في بيت رفيع القدر حافل بالفقهاء والأطباء (ومنهم جده المباشر آية الله الشيخ ملا علي الخليلي وأخو جدّه مرجع الشيعة في عصره ميرزا حسين الخليلي بعد وفاة الامام المجدد الشيرازي والمناهض الأبرز للحكم الاستبدادي في ايران والداعين للثورة الدستورية) يميل الى زيارة جميع تلك الأمكنة فيجلس عند هذا الأستاذ أو ذاك ويستفيد من العالم الفلاني أو غيره ويتردد الى مجالس العلم والفقاهة ومناشدة الشعر التي تعقد في معظم الأيام والليالي، والناشئ في بيت نجفي علمي له بالأدب صلات قديمة يشب على حبّ الأدب واستقصاء تاريخه فهو يرى مكتبة يرجع اليها جده وأبيه واخوته ثم يسمع ما يدور في تلك البيوت من أحاديث ومناقشات وتتردد على مسمعه أقوال الخطباء الذين يستعرضون مقتل الامام الحسين عليه السلام فيستعرضون في هذا الضمن تاريخ العرب وتاريخ العرب وما يحتوي عليه من نكات وروائع، وينشأ بفضل ذلك أجيال وأجيال تعشق الأدب وتنظم الشعر ولا يقتصر الغرام باللغة والأدب على طلبة العلم بل يمتد الى عوام الناس.

الجو العلمي في النجف وتأثيره على عوام الناس

يُروى أن الأستاذ طه الراوي (1890-1946) طرح سؤالاً على أحد طلبته في دار المعلمين العالية عن المستثنى بإلا ” الاسم الذي يُخرَج من حكم ما قبله بأداة استثناء،” فلم يُحسن الجواب فسأله من أي مدينة أنت؟ قال من النجف! فأنكر عليه انتسابه للنجف قائلاً: لو سألت بقالا نجفياً عن تلك المسألة لأجاب عليها”، وهناك حادثة ظريفة أيضاً تشير الى معرفة عوام النجفيين بالعربية فقد روى الدكتور صاحب ذهب (حفظه الله) أنه كان يدرس في جامعة بغداد وكان مع عدد من زملائه الطلبة يقضون العطل ووقت الفراغ في مقهى لأحد النجفيين من آل فخر الدين ببغداد وكان أيضاً محلاً لوصول وارسال الرسائل بينهم وبين أهاليهم وفي صباح أحد الأيام ذهب الى المقهى، فرأيت الوجوم مستولياً على وجوه زملائي وكأنهم يخفون شيئاً عني، ثم عرفت بأنّ برقية وصلت من أهلي في النجف كتب فيها (أبَلَّ والدك) والجماعة يظنون أن معنى أبَلّ أي مات وقد كان المرحوم والده في حالة مرض شديد، قال: فارتبكت للموقف وعندها تداركنا صاحب المقهى وأخذ البرقية مستفهماً فقرأها وضحك قائلاً: أسفاً عليكم وانتم طلاب في الجامعة ولا تعرفون معنى أبلَّ التي تعني أنه شفي وتعافى وحسن حاله.

وللدكتور زكي مبارك كلام يشيد به في عناية النجف باللغة العربية وآدابها وهو الذي زار النجف أكثر من مرّة واعتبر حوزتها العلمية والأزهر الشريف اهم الحواضر العربية التي حافظت على نقاء ودراسة العربية وآدابها. وكان للشعر في النجف سوق رائجة، وقد خصَّ الخليلي مدينته بكثير من الوصف وفي شتى مؤلفاته ومقلاته ومن ذلك مقالة عنوانها «البلد الذي يعتاض الشعر عن السينما والملاهي» وبها يقول: «والنجف لا تعرف الملاهي ولا تعرف السينما ولكنها تعرف الأدب وقد اتخذت منه منذ القديم سلوة ولهواً تعتاضه عن السينما والملاهي فهو الوسيلة الوحيدة التي تلجأ إليها النجف في الأعراس لتؤلف منه فلماً (كوميدياً) وهو الوسيلة الوحيدة التي تلجأ إليه في المراثي والنكبات لتؤلف منه فلماً (تراجيدياً) وهو بعد ذلك يدخل في ثنايا العلوم وطيات الفنون لينظمها قصائد ألفيات ومئويات لجميع العلوم حتى الفلسفة منها..». وقد انحصرت وسيلة تسلية النجفيين في الشعر والأدب، خصوصاً وأن الأدب لا بد منه لمن يريد أن يتفقه في الدين ويدرس العلوم، ومعظم سكان النجف والبيوت التي لها صلة قديمة بالعلم ثم إن النجف وهي البلد الصحراوي المجدب الذي قضى نحو ألف سنة وهو يشكو من العطش وقلة المؤن حتى سمي بوادي طوى، وحتى قال فيه الصافي النجفي:

صدق الذي سماك في وادي طوى
يا دار، بل وادي طوى وعراء

جلست على الأنهار بلدان الورى
فعلام أنت جلست في الصحراء

وعن نجفيته يقول الخليلي: ((أنا نجفي عريق في نجفيتي فإن جدّ أبي لأمه هو السيد محمد الرحباوي شقيق السيد محمود الرحباوي الذي قُتل، وبسبب قتله قامت المعركة التي سميت بمعركة «الزكرت والشمرت» والتي ظلت قائمة أكثر من قرن، والعراقة في النجفية لها معنى خاص ذلك لأن البيئة النجفية وبيئة العلم والأدب بيئة مستقلة تكاد تنفرد بين جميع البيئات العربية)).

تأثر الخليلي بأخيه الثائر الأستاذ عباس الخليلي

وهكذا بنى الخليلي شخصيته الأدبية متأثراً بتلك الأجواء العلمية ومشحوناً بالفكرة الثورية التي كانت تملأ النجف بعد ثورتها الشهيرة سنة 1918ضد الاحتلال البريطاني والتي كان فيه أخوه الأكبر عباس الخليلي (1896-1972م) أحد أبرز أعضائها وكاتب السرّ فيها وهو الوحيد الذي نجا من بين ثوارها الاثنا عشر والذين حكم عليهم الانجليز بالشنق ونفذ الأمر في الكوفة، واستطاع عباس الخليلي أن يفر الى أرياف الكوفة عند أصهار الخليليين من قبيلة بني حسن ملتحقاً فيما بعد بقافلة أوصلته الى ايران، وكان له في ايران مكانة سياسية وفكرية كبيرة، اختتم فيها مناصبه أن كان سفيراً لإيران في الحبشة (اثيوبيا) أيام الامبراطور هيلاسيلاسي (1892-1975م) وفي المملكة المتوكلية اليمنية أيام الملك يحيى (1869-1948م). والخليلي جعفر شديد التأثر بأخيه الثائر عباس تأثيراً بقي يلازمه الى آخر أيامه، وكان له مثلاً من الجرأة والإقدام وفي التمسك بالاستقلال ومحاربة الاحتلال بالإضافة الى الثورة على ما كان يراه من التقاليد البالية التي وقف منها موقفاً حاسماً بمقالاته وقصصه التي كلّفته الكثير من التضحيات حتى أنه تعرض الى الاغتيال غير مرّة، واضطره لغلق صحفه والمحاربة في رزقه في مرات أخرى..

التعليم العصري في النجف برعاية المرجعية

بالعودة الى أوائل شباب الخليلي، فإنه كان يتطلع لاختيار مهنته، لم يعجبه أن يكون طبيباً مثل سائر أعلام اسرته وكأبيه الشيخ أسد الله الخليلي فدخل المدرسة العلوية الأهلية التي أسسها مراجع النجف سنة 1908م وهم من شجّعوا الشيخ شكر الله البغدادي (1855-1928م) على تأسيس المدرسة الجعفرية ببغداد في نفس السنة المذكورة، وقد أجاز السيد كاظم اليزدي (مرجع الشيعة في عصره) صرف الحقوق الشرعية لهاتين المدرستين. وكانت المدرسة العلوية في النجف مدرسة عصرية اسماً ومعنى في مناهجها وأنظمتها وذكاء أساتذتها، كما كانت تهتم بالتدريب العسكري لطلبتها وكان علماء الدين ينفقون عليها وتغذية طلابها بالثقافة والعلوم الحديثة.

وقد تسنى للخليلي أن يدرس فيها العلوم الدينية واللغة العربية واللغات الفرنسية والإنكليزية والفارسية والتركية وكان من أساتذتها: مدرس الفرنسية السيد كاظم العصَّار خريج السوربون، ومدرس الإنكليزية الشيخ مصباح الأطباء والد مصباح زاده صاحب جريدة كيهان بطهران، والشيخ علي الرشتي، والشيخ محمد رضا الحساني، والسيد علوان السيد سلمان، والسيد علي السيد سلمان، ومن زملائه في المدرسة السيد حسن ابن المرجع الشهير الامام أبو الحسن الاصفهاني الذي ذبحه علي القمي وهو يصلي الجماعة وراء ابيه، (في المجلد 20 من موسوعتنا عن الخليلي تفاصيل الحادثة كاملة) ومن الشباب المتابعين للدراسة في تلك المدرسة: الشيخ هادي والشيخ مهدي الجزائريان. والسيد علي حسام الدين وعبد الرزاق الشيخ راضي والسيد محمود الحبوبي وضياء الدين بحر العلوم وغيرهم. وفي الصحن العلوي القريب للمدرسة كانت المباحثات تجري مع حلقة من أصحابه وفيهم: الشيخ محمد مهدي الجواهري، الشيخ محمد رضا المظفر، السيد أحمد جمال الدين، السيد علي الجصاني، السيد محمود الحبوبي.

توجهات الخليلي التجارية والوظيفية

وبعد أن شدا جعفر من العلم والدراسة التي تؤهله للوظيفة جرّب حظه في التجارة والكسب فعمل مع زميله عبود شلاش نجل التاجر النجفي الكبير والوزير في العهد الملكي الحاج محسن شلاش وكانت الفكرة تأسيس مصنع لاستخراج زلال تمر الزهدي بديلاً طبيعياً للسكر، وكان هو مديراً للمشروع الذي لم يستمر طويلاً، (الخليلي من عشاق النخيل وبقي على هواه حتى أخرج كتاباً عن التمور فيما بعد) وتحّول العمل لتأسيس معمل لليشاميغ، وكل ذلك بإشراف الحاج محسن شلاش. و حوالي عام 1919 أُسست مدرسة النجف الأميرية وهي أول مدرسة رسمية فعين معلماً فيها، ثم أغلقت بعد ثورة العشرين وأُعيد نشاطها بعد ذلك، وبقي في مهنة التعليم مدة تزيد على عشرة سنوات تنقل فيها بين عدد من مدن العراق ومدارسه الابتدائية والثانوية معلماً ومديراً ومنها: الكوفة، الحلة، الرميثة، سوق الشيوخ. واستقال من وظيفته في السنة التي توفي فيها والده.. وكان مدرساً للتاريخ والجغرافيا في ثانوية النجف لمدة ثلاث سنوات.

النجف: مركزاً لأخبار العراق والعالَم بفضل الجنائز

كان الخليلي ملازماً للأدب والصحافة وما اليها خلال فترة عمله في التعليم، زاول الكتابة وهو في السادسة عشرة مراسلاً نشطاً لجريدة العراق وجريدة الاستقلال ينقل اليها أخبار العراق أولاً بأول (وقد يستغرب البعض من مقولتي أولاً بأول) وقد يقول القائل وكيف تصل الأخبار للنجف قبل غيرها من الأمصار العراقية بل من البلدان النائية أيضاً؟ ويذهب الاستغراب حين تعلمون أيها السادة بأن وكالة الجنَّازة العالمية هي أول وكالة إعلامية محلية ودولية كان محلّها النجف (ولعلي أول من يشير الى هذا)، فمدينة النجف ومنذ ألف وثلاثمئة سنة تستقبل الآلاف المؤلفة من جنائز المسلمين الذين يوصون بدفن جثامينهم في ثرى النجف بجوار مرقد الامام أمير المؤمنين عليه السلام، وقول الشاعر الصافي النجفي لم يكن من فراغ حين وصف مدينته النجف بقوله:

ان الغري بلدة أحرى بأن تسكنها الشيخ والعجائز
فصادرات بلدتي عمائم وواردات بلدتي جنائز

وكانت الجنائز تأتي من كافة أنحاء العراق وبلاد فارس وشبه القارة الهندية وآسيا الوسطى وأطراف الصين، وغيرها، ولهذا يعتبر وادي السلام اليوم أكبر مقبرة في العالم. وهناك من يوصي بالدفن في ثراها ملوك ووزراء وعلماء لهم شهرة طائلة يكفي أن أذكر منهم قديماً ملوك الحمدانيين (سيف الدولة مثلاً) وملوك بني بويه الديالمة وملوك وامراء من أكراد الجبال ومهاباد منهم (ملك الجبل بدر بن حسنويه) وملوك وامراء من الهند، والوزير المغربي والقائمة تطول.. وبين هؤلاء من مختلف المذاهب الإسلامية بل أعرف أن عدداً من أبناء القبائل السنية العربية يدفنون في النجف. ومحل الشاهد أن الميت الذي يُنقل الى النجف عادة يأتي معه أهله وأقرباءه ومن ذوي الصلة القريبة به، وهؤلاء يقيمون أياماً أو أسابيع في النجف وينقلون معهم أخبار مدنهم وبلدانهم وما يجري فيها من الوقائع والحوادث.

الخليلي صحفياً:

أول عمل صحفي مستقل للخليلي في الصحافة، هو المراسلة مع عدد من الصحف البغدادية ومن بعدها تحريره القسم المدرسي لمجلة (الحيرة) النجفية لصاحبها الشيخ عبد المولى الطريحي عام 1927م، ثم تفرع لعمله الخاص في ميدان الصحافة حيث أخرج للناس ثلاث صحف هي: الفجر الصادق في سنة 1929 الذي استمر عاماً كاملاً في الصدور حتى شاءت إرادة السلطة باحتجابه فاحتجبت في سنة 1930م ثم أصدر في ذات العام (1930م) «الراعي» والتي أغلقتها الحكومة أيضاً بعد مرور ثلاثة أعوام على صدورها.. وختم جهاده الصحفي بـ «الهاتف» التي أنشأها عام 1935 في النجف، ثم انتقل بها عام 1948 إلى بغداد.. ودامت نحواً من عشرين عاماً إذ توقفت عن الصدور في سنة 1954م وكانت هذه الصحف مدرسة أدبية كبرى تخرج فيها جيل من الأدباء في العالم العربي، حيث كانت تذيع على صفحاتها ألواناً من الأدب العربي الذي كانت تدبجه صفوة طيبة من أدباء العروبة في شتى بقاعها.. والمختار من الأدب الغربي المترجم إلى الضاد…

ولجريدة الهاتف ولمجلس الهاتف الفضل كل الفضل في تصوير الحياة الأدبية في النجف أولاً وفي بغداد بعد ذلك. ومن أراد من الباحثين أن يكتب شيئاً عن النقد والقصة والأدب العراقي والعربي في الفترة ما بين 1935 ــ 1955 فإنه يخطئ كثيراً إذا لم يرجع إلى هذه الجريدة الأدبية الهامة التي أسهمت في رعاية القصة العراقية، فدعت إلى التوسع في ترجمة القصة الأجنبية، وحملت طائفة كبيرة من كتاب القصة الحديثة في الأقطار العربية على المساهمة بنشر إنتاجهم القصصي فيها.. وكان بينهم من مصر كبار رواد القصة وفي مقدمتهم، محمود تيمور، ويوسف السباعي، وسعيد عبده.. وغيرهم.

ومن يمعن في قراءة الهاتف يلحظ أثرها البيِّن في مختلف ليس في الأدب وحده بل يتعداه الى النواحي الاجتماعية فللهاتف شأن في توجيه كثير من الجهات نحو الإصلاح والتبديل والتغيير والإنشاء والتعبير؛ ومَن يتتبع سنواتها الا يعدم وجود كثير من الآراء والأفكار والمشاريع التي انفردت بالدعوة إليها الهاتف وحده ثم أخرجت إلى حيز العمل بعد ذلك فكانت من الأعمال المفيدة لعموم الناس.

أهمية صحف الخليلي وما لاقاه من المتاعب

قامت جرائد الخليلي باكتشاف مواهب كثيرة لكثير من الأدباء الذين عرفهم القراء على صفحات الهاتف ولولا ذلك لظلت هذه المواهب مكبوتة مغمورة مجهولة حتى عند أصحابهم أنفسهم ولقد أصبح للهاتف من الأدباء المعروفين قبلاً والذين عرفوا فيما بعد ومن القراء الذين يعنون بقراءة الهاتف وتتبع أعداده اتباع وأنصار تهمهم خدمة الأدب الصحيح من طريق جريدة الهاتف التي برهنت على صدق دعوتها فيما أنتجت من أدب وبثت من روح ودعت إلى فضيلة، يقول الدكتور إبراهيم الوائلي:

“اذا كنتُ أنسى فإني لا أنسى الهاتف التي تلقيتُ فيها أول دروس الحياة الاجتماعية والأدبية وكانت أول منبر بنيت عليه آمالي في الحياة وآمال النفس) وإذا كان هنالك شيء يأسف الخليلي له فهو ليس للشظف والعسر والتعب الذي لاقاه طوال هذه السنين ــ وإن لم يكن ذلك قليلاً ــ وإنما المؤسف أن لا تكون له اليد (الطويلة) في الحصول على الورق اللازم لجعل الهاتف ميداناً أوسع وحقلاً أخصب للإنماء والإنتاج، كما كان يؤسفه ما لاقاه من حساده وخصومه ما نكَّد له عيشه وضاعف أتعابه رغم صموده وثباته وعزمه، وظل دائباً على العمل تاركاً لقرائه الذين يقرؤن بعيونهم وقلوبهم ــ لا بآذانهم وأحقادهم ــ هذه المبادئ السامية التي ذبَّ عنها، وناضل دونها، ودعا إليها، في جريدته الهاتف وكتبه وقصصه ومقالاته.

مراسلات الخليلي مع العلماء والادباء

على الرغم من توسُّع الحقول الأدبية وتنوع الأبواب الأدبية فإن أدب التراسل بين الأدباء لا يزال من أكثر أنواع الأدب صدقاً ودفئاً وعاطفة لأنه يكتب عادة بين أديبين.. ولأنه يضم أرق وأدق العواطف الإنسانية مما يدور في خلد الأدباء، وفي قرارة نفوسهم وهم كثيراً ما يكتبون أرفع آيات أدبهم لخاصتهم من الأصدقاء، من ذلك هذه الرسائل المتبادلة بين الخليلي وصفوة أصحابه.

وعن هيامه بالرسائل يقول الخليلي في مقدمة الهاتف (8 أيار 1936م): (أذكر موزع البريد الذي يصبحني كل يوم برزمة من الجرائد والرسائل في وقت معين لا يتقدم ولا يتأخر فأجد في تسلم البريد لذة لا أجدها في غيرها وألهو بقراءة البريد ساعة أو ساعتين حسب أهميته، وأول ما يعنيني من البريد الرسائل ففي هذه الرسائل أرى مرآة روحي وأعرف أثر جريدتي على القراء، ومن هذه الرسائل وحدها أستمد التشجيع، وبها وحدها أستعين في إنجاز العمل، وعليها أعول في زنة الشعور، وقياس الحس، وإن انتظاري لموعد وصول البريد من كل يوم بهذه اللهفة لدليل كاف على ما أجد في البريد من لذة وسلوى وعبرة، وإذا تأخرت في الصباح عن الحضور في المكتب فلست متأخراً عن موعد وصول البريد فأنا يجب أن أكون في الساعة العاشرة صباحاً في مكتب الجريدة لأجل البريد، وليس شيء يعكر صفوي بقدر ما تعكره مزاحمة الزائرين في هذه الساعة التي أحب أن أخلو بها إلى قراءة الرسائل والمكاتيب).

من بين أهم ما أُزيل عنه الستار في (الاعمال الكاملة للخليلي) هو مراسلاته مع الادباء وقد قمنا بتحقيقها والتقديم لها ونشرها ضمن أجزاء الموسوعة وتضم أكثر من ألف رسالة مع شخصيات أدبية وفكرية من العراق والعالم العربي. وتعتبر وثائق ثمينة تتضمن أسرار الادباء ومباحثاتهم وتلقي الأضواء على حياتهم ومن هؤلاء الأعلام: (الشيخ جواد الشبيبي، ميخائيل نعيمه، محمد علي الطاهر، أحمد الصافي النجفي، رشيد سليم الخوري الشاعر القروي، جورج صيدح، الياس فرحات، الدكتور عيسى الناعوري، روكس بن زايد العزيزي، ووديع فلسطين، عجاج نويهض، الدكتور أحمد مطلوب، سالم الآلوسي، فيصل حسون، الدكتور عبد اللطيف حمزة، الشيخ علي الشرقي، الدكتور مصطفى جواد، الدكتور عبد الحق فاضل، الأستاذ ذو النون أيوب، يونس بحري، اسكندر حريق، الدكتور رشيد معتوق، ووديع فلسطين، ووديع رشيد الخوري، ورشاد دارغوث، ومحمد عبد الغني حسن، عبد القادر القط، وعبد السلام العجيلي، الشيخ جلال الحنفي، الدكتور صفاء خلوصي، الياس قنصل، الدكتور مصطفى الشكعة، الدكتور محمد عبد الغني حسن، الشيخ حسين الخطيب، السيد حسين الحسيني، السيد جواد شبر، عبد الفتاح عبد المقصود، السيد محمد الحسن (آل مكي العاملي)، محمد حامد آل عباس، فيصل حسُّون، الأستاذ كعدي فرهود كعدي، الدكتور احسان حقّي، الأستاذ عبدالله يوركي حلَّاق، صبيح الغافقي، علي نصوح الطاهر، الدكتور العوضي الوكيل، قاسم الخطاط، عبد اللطيف يونس، عبد السلام العجيلي، عبود الشالجي، ناجي جواد الساعاتي، يوسف أسعد داغر، الدكتور بدوي طبانة وغيرهم. (وللحديث بقية).
_____________________________________________________________________________________________________________________________________

نصوص من محاضرة قدّمها مع عرض شرائح مصورة، مدوّن سيرة الخليلي ومحقق أعماله الموسوعي محمد سعيد الطريحي بدعوة من قناة رحلة التعلم في لندن بتاريخ 15-8-2026م. بمساهمة كريمة المحتفى بذكراه الأستاذة امتثال جعفر الخليلي تحدثت فيها لأول مرة بحديث شيّق ضمنته جميل ذكرياتها مع المرحوم والدها وخاصة في الجانب الإنساني، وشارك بإثرائها عدد من الأساتذة الأكاديميين والمثقفين، منهم الدكتور: سعد ناجي جواد، والدكتور عبد الهادي الخليلي، الدكتور تحسين الشيخلي، الدكتور خير الله سعيد، الدكتور شاكر المخزومي، الاستاذة نادية الجادر، الدكتور ضامن الخليلي، الدكتور ماهر الخليلي.

قد يعجبك ايضا