عواد علي
طيب جبار، المولود في احدى قرى كركوك عام 1954، من الشعراء الكورد المعاصرين الذين حملوا الهمّ الإنساني والهوية القومية معًا، فشعره يقف في نقطة توازن بين الانتماء إلى الأرض الكوردية الممزقة، والانفتاح على الأفق الإنساني الرحب الذي يرى في الشعر خلاصًا من القهر والخذلان. إنه ليس شاعرًا يتغنّى بالجبل والقرية واللغة، بل شاهدٌ على وجع الإنسان الكوردي، وناطقٌ باسم جرحٍ قديمٍ لم يندمل منذ قرون.
وُلد طيب جبار في بيئةٍ كورديةٍ مشبعةٍ بالشعر والإنشاد، حيث تُروى القصائد كما تُروى الأساطير. في تلك البيئة التي تحتضن الحكايات والأغاني، تشكّل وعيه الشعري المبكر، فبدأ الكتابة متأثرًا بتراث الشعراء الكورد الكبار، لكنه سرعان ما صاغ صوته الخاص، مفضلًا لغةً مشحونةً بالعاطفة والرمز، قريبةً من نبض الحياة اليومية، لغةً تومض بعمقٍ فلسفيٍّ خفي.
يرى طيب جبار أن الشعر بالنسبة له إلهام وإشراقات، يأتيه من دون تحديد الزمان والمكان، فالشعر عنده ليس له تخطيط وبرنامج، وهو ليس صناعة. الشعر روح الوجود، لا مجرد تعبيرٍ فنيّ، فقصائده تلتقط التفاصيل الصغيرة للحياة، وتحوّلها إلى علاماتٍ على الخلاص أو الهزيمة، وهو ما جعل تجربته تتجاوز الإطار المحلي لتلامس قضايا الإنسان عامة: الحرية، الحب، الفقد، الغربة، والبحث الدائم عن معنى للكرامة.

يتميّز أسلوب طيب جبار الشعري بالاقتصاد والصفاء، فهو شاعرٌ لا يكثر من الزخارف اللفظية، بل يذهب إلى جوهر الصورة والمعنى. لغته الكردية – حين يكتب بها – تشبه نبعًا صافيًا يخرج من صخر الجبال، أما حين يترجم إلى العربية أو يكتب بها مباشرةً، فإنه يحتفظ بذلك النقاء الموسيقي الذي يمنح شعره خصوصيةً وإيقاعًا مختلفًا.
بعد الآن لن أحادث الشتيمة
لا أرافق الضحكات المستعملة
لا أزور بيت الحقد
لا أذهب إلى حفلات الانقلاب
يتداخل في قصائده الواقعي بالأسطوري، فيظهر الوطن ككائنٍ حيٍّ يئنّ، وتتحوّل اللغة إلى جسدٍ يصرخ ويحبّ ويقاوم. إنه يستخدم الرموز الطبيعية (النهر، الشجرة، الجبل، والريح) بوصفها كياناتٍ حيةً تشارك الإنسان مصيره. هذه الطبيعة ليست خلفيةً جماليةً، بل جزءٌ من كينونة القصيدة نفسها، فهي المرآة التي تنعكس فيها آلام البشر وآمالهم.
يُدرك طيب جبار أن الشعر في زمن القهر فعل مقاومة، وأن الكلمة يمكن أن تكون سلاحًا لا يقل عن الرصاصة. لذلك تراه في كثير من قصائده يواجه الواقع السياسي والاجتماعي بأسلوب ساخر أحيانًا، ومتفجّر بالمرارة أحيانًا أخرى.
يكتب عن وطنٍ مُجزّأٍ بين خرائط القوى، وعن إنسانٍ يُولد غريبًا في أرضه، وعن الحرية بوصفها وهمًا مؤجلًا. لكنه رغم ذلك، لا يسقط في اليأس التام، بل يحافظ على شعلة الأمل في نهاية النفق.
تحضر في شعر طيب جبار الذات الكردية بكونها ذاكرةً جمعيةً أكثر من كونها هويةً فرديةً، فهو لا يكتب عن نفسه فحسب، بل عن القرية التي احترقت، والطفل الذي لم يعد من الحرب، والمرأة التي تنتظر على باب الغياب. بذلك يتحول الشاعر إلى راوٍ جماعيّ، يجمع شتات الأصوات الصامتة في قصيدته.
ذاكرته لا تعرف النسيان، تُعيد إنتاج الماضي بوعيٍ معاصر، إذ يدمج بين الحنين والاحتجاج، وبين الطفولة الضائعة والحاضر المثقل بالمنافي. ولهذا، فإن قصيدته تبدو أحيانًا مثل مرثيةٍ طويلةٍ للإنسان، وأحيانًا مثل نشيدٍ للحياة القادمة من الرماد.

بالرغم من جذوره في التراث الكوردي، فإن طيب جبار يُعدّ من الشعراء المجددين في بنيات النص، فهو لا يلتزم بالشكل التقليدي، بل يميل إلى القصيدة الحرة والنص المفتوح الذي يتيح له التنقل بين الإيقاع السردي والتكثيف الرمزي. تجربته تنفتح على الفنون الأخرى، مثل السينما والموسيقى، فيخلق من قصيدته فضاءً بصريًا نابضًا بالحركة، وكأنها مشهدٌ من فيلمٍ شعريٍّ يتدفق بإيقاعٍ داخليٍّ لا يخضع للمألوف.
أنا أودّ أن أرقص مع خرير جدول
لا أن أتأمل في حوضٍ راكدٍ
أنا أحب أن تتناغم ألحاني مع زمجرة الرياح
لا أن أرفرف بنسمة
أحب أن يوقظني صوت المطر الغزير
لا أن أذوب تحت رحمة الدمق
أحب في ذرى يقظتي أن يختم زلزالٌ حياتي
لا أن أموت في عز النوم
ما يمنح شعر طيب جبار قيمته الكبرى هو إنسانيته العميقة. فبينما ينطلق من الوجع الكوردي الخاص، يعبّر عن إنسانٍ معذّبٍ في أي مكان. في شعره لا فرق بين طفلٍ كورديٍّ يموت في قصفٍ على الجبل، وطفلٍ فلسطينيٍّ أو سوريٍّ أو أوكرانيٍّ يضيع تحت الأنقاض. إنه شاعرٌ يرى في المأساة وجهًا واحدًا للبشرية، وفي القصيدة جسرًا بين القلوب الممزقة.
يبقى طيب جبار شاعرًا يكتب بدم القلب لا بحبر القلم، يزرع في قصيدته شجرًا من الحنين، ويقطف من لغته ما يعين الإنسان على البقاء. إنه شاعرٌ لا يهادن القبح، ولا ينسى أن الشعر فعل جمالٍ ومقاومةٍ في آنٍ واحد. فإذا كان التاريخ يكتب بالسيوف، فإن الشعر عنده يُكتب بالكرامة، ويُحفظ بالصدق، ويُخلّد بالحب.