تكريم الرئيس بارزاني… صفعة دبلوماسية لخطاب الهيمنة الإقليمي

شــــريف علي

يعتبرمنح البابا ليو الرابع عشر وسام بيوس التاسع للرئيس مسعود بارزاني حدث سياسي – ديني يحمل رسائل متعددة المستويات . فالكرسي الرسولي، الذي يتعامل بحذر شديد مع الرموز السياسية في الشرق الأوسط، لا يمنح هذا الوسام الذي يعد أرفع رتبة ضمن الأوسمة البابوية المخصصة للشخصيات المدنية والسياسية التي قدمت خدمات استثنائية للسلام، وحماية التعددية، وتعزيز كرامة الإنسان .
ففي السياق الكوردي، يكتسب الوسام معنى مضاعفا، لأنه يأتي من مؤسسة دينية عالمية لطالما كانت شاهدة على معاناة المسيحيين في المنطقة، في ظل الحروب والصراعات . إن تكريم الرئيس بارزاني بهذا الوسام يعكس اعترافا دوليا بأن تجربة كوردستان في حماية الأقليات لم تكن مجرد سياسة ظرفية ، بل تحولت إلى نموذج سياسي وإنساني في منطقة تتآكل فيها الهويات الدينية والقومية تحت ضغط العنف و التطرف الديني والارهاب .
داخل المشهد الكوردي نفسه يحمل الوسام دلالة مهمة، فالرئيس بارزاني، الذي ينظر إليه بوصفه رمزا للاستقرار السياسي في الإقليم، يحصل على اعتراف دولي يعزز شرعيته الأخلاقية في لحظة تتسم بتنافس داخلي بين القوى الكوردية حول من يمتلك رؤية أكثر واقعية لإدارة الإقليم. هذا التكريم يمنح قيادة الإقليم ورموزها رصيدا معنويا إضافيا في مواجهة الخطابات التي تحاول التقليل من دورها خلال مرحلة داعش أو التشكيك في سياساتها الإقليمية . كما أنه يعيد تسليط الضوء على حقيقة أن حماية المسيحيين والإيزيديين و كافة المكونات لم تكن مجرد قرار سياسي، بل كانت موقفًا إنسانيًا ساهم في إعادة تشكيل صورة كوردستان عالميًا.
من جانب آخر يحمل الوسام رسالة واضحة إلى القوى الإقليمية التي تتعامل مع كوردستان بوصفها ساحة نفوذ أو منطقة يجب احتواؤها. فالفاتيكان، الذي يمتلك شبكة علاقات دبلوماسية واسعة، يرسل إشارة مفادها أن الإقليم ليس مجرد كيان محلي، بل هو فاعل إقليمي يمتلك وزنا في ملفات التعايش الديني وحقوق الإنسان . فهو يذكر الحكومة الاتحادية بأن الإقليم لعب دورا حاسما في حماية مكونات عراقية أصيلة، وأن الاعتراف الدولي بهذا الدور يعزز مكانة كوردستان في أي نقاش حول مستقبل الدولة العراقية . كما ينبه إيران في لحظة حساسة بعد سلسلة من آلاف الضربات الإيرانية التي استهدفت رموزا سيادية والمناطق المدنية داخل الإقليم . وهو يبرز التناقض بين خطاب طهران الأمني وبين الاعتراف الدولي بدور الإقليم في حماية الأقليات، ما يضع إيران في موقع الدولة التي تستهدف منطقة تعد ملاذا آمنا للمكونات الدينية.
الوسام يضيف بعدا جديدا لصورة الإقليم في الغرب، ويعزز مكانته كشريك موثوق في ملفات الاستقرار الإقليمي، وهو ما قد ينعكس على شكل العلاقة بين هولير وانقرة ، التي تواجه انتقادات دولية متصاعدة بشأن تراجع الحريات الدينية وسياسات التضييق على الكنائس وتوظيف الدين في السياسة الخارجية.
من هنا يأتي منح وسام بيوس التاسع للرئيس مسعود بارزاني ليقدم رسالة دبلوماسية واضحة مفادها أن النموذج الأكثر احتراما للتعددية في الشرق الأوسط ليس في أنقرة، بل في كوردستان. مؤكدا أن خط الدفاع الأول عن الوجود المسيحي لم يكن العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا ، بل سياسات كوردستان الإنسانية بقيادة بارزاني.
هذه الرسالة تحمل دلالة سياسية مباشرة. وتبرز أن حماية الأقليات لم تكن شعارا سياسيا، بل ممارسة واقعية صنعتها كوردستان، بينما كانت أنقرة منشغلة بحسابات جيوسياسية وتحاول تقديم نفسها بوصفها الحاضنة التاريخية للأقليات، وتربط الملف الكوردي بالأمن القومي .
في السياق الدولي يقدم الوسام صورة مختلفة عن الإقليم معتبرة كوردستان ليست مجرد منطقة نجت من داعش، بل هي منطقة صاغت نموذجا للتعايش في لحظة انهيار إقليمي شامل وهو ما يضعها في خانة نماذج إيجابية وسط الفوضى الشرق أوسطية .
هذا الاعتراف الدولي يعزز قدرة الإقليم على بناء علاقات أوسع مع أوروبا والولايات المتحدة، ويمنحه رصيدًا سياسيًا يمكن توظيفه في ملفات حساسة داخلية و إقليمية لكن يبقى سؤال يطرح نفسه ، لماذا الآن تم منح الوسام ؟ يأتي الوسام في لحظة تتسم بتوترات إقليمية، وضغوط سياسية على الإقليم، وصراع داخلي بين القوى الكوردية حول مستقبل العلاقة مع بغداد وطهران وأنقرة و واشنطن .
في هذا السياق، يمثل الوسام تثبيتا دوليا لدور الرئيس بارزاني التاريخي، ورسالة بأن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى الإقليم بوصفه ركيزة للاستقرار . كما أن التوقيت يعكس رغبة الفاتيكان في إعادة التأكيد على أهمية حماية المسيحيين في الشرق، وتثمين الدور الذي لعبته كوردستان في هذا المجال، خصوصا بعد تراجع حضور المسيحيين في العراق وسوريا في ظل تمدد التنظيمات الدينية الراديكالية .
وبعد استعراض هذه الدلالات الإقليمية والدولية، لا بد من الاشارة الى أن منح هذا الوسام للرئيس مسعود بارزاني يعتبرإعلانًا سياسيًا صريحًا من الفاتيكان بأن كوردستان لم تعد مجرد هامش في معادلات الشرق الأوسط، ، و ساحة نفوذ تدار من الخارج بل أصبحت فاعلا إقليميا يمتلك شرعية أخلاقية وسياسية يصعب تجاوزها أو الالتفاف عليها . فالوسام لا يكرم شخصا بقدر ما يكرم نهجا سياسيا قاوم محاولات الإضعاف والاحتواء، وحمى التعددية في زمن كانت فيه الهويات تُسحق تحت أقدام التطرف والإرهاب.
وإذا كانت القوى الإقليمية قد حاولت إعادة رسم حدود الدور الكوردي عبر الضغوط والتهديدات، فإن الفاتيكان يضع اليوم حدا لهذه السرديات عبر اعتراف دولي يرفع سقف مكانة الإقليم ويمنح قيادته رصيدًا سياسيًا يصعب تجاهله .
بهذا المعنى، يعد الوسام صفعة دبلوماسية لخطاب الهيمنة، وتثبيتا لموقع كوردستان كقيمة سياسية وأخلاقية في الشرق الأوسط ، تملك قيادة استطاعت أن تحول لحظة الانهيار الإقليمي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين المكونات ، ورسالة بأن حماية الأقليات ليست تفصيلا تاريخيا، بل جزءا من هوية الإقليم ودوره المستقبلي في المنطقة .

قد يعجبك ايضا