دلشا آدم
من اكثر المبادئ رسوخا في الفلسفة السقراطية مقولة:”الحياة التي لا تفحص لا تستحق ان تعاش”.وهي في جوهرها دعوة إلى مساءلة الذات، ومراجعة الأفكار والمواقف والممارسات،وعدم التعامل مع تجربتنا الإنسانية والسياسية وكأنها حقيقة مكتملة لا تقبل المراجعة. ومن هذا المنطلق لا ينبغي ان ينظر إلى النقد باعتباره ممارسة ضرورية تساعدنا على تصحيح المسار، وتراكم الخبرة، وتجنب تكرار الأخطاء .
لكن المأزق الذي نواجهه اليوم يتمثل، إلى حد كبير، في ضعف قدرتنا على تقبل النقد وتحويله إلى وسيلة حقيقية للتقويم. وهذه المشكلة لا تتعلق فقط بمستوى الفرد الثقافي او المعرفي، وانما ترتبط ايضا ببنية ذهنية اجتماعية
ترسخت فيها مفاهيم خاطئة حول الفشل والمساءلة والاختلاف. فأحيانا ينظر إلى الاعتراف بالخطأ باعتباره انتقاصا من مكانة صاحبه، وإلى المساءلة باعتبارها تهديداً للشرعية، والى النقد وكأنه هجوم يستوجب الدفاع والمواجهة. عوضاًً عن الاستماع ومناقشة الأمور بموضوعية.
ولو اتيح للنقد البناء، القائم على المعرفة والموضوعية والمسؤولية، ان يأخذ مكانه الطبيعي في مراجعة خياراتنا، لربما تمكنا من تجنب كثير من الإخفاقات والانكسارات.
فالمجتمعات لا تتقدم لانها لا تخطئ، وإنما لانها تمتلك القدرة على اكتشاف اخطائها، وفهم اسبابها، والتعلم منها، ثم تحويل تلك التجارب إلى سياسات وممارسات اكثر نضجاً.
ان تضخم الأنا السياسية، وضعف الوعي النقدي، وهيمنة الشخصنة على المجال العام، تشكل معا عائقا خطيراً امام مشروع يسعى إلى بناء مستقبل سياسي متماسك.
فعندما تصبح المكانة الشخصية او التنظيمية اهم من سلامة الفكرة، وعندما تتحول الولاءات إلى معيار للحكم على الكفاءة، ويصبح النقد تهديداً، ويصبح الاختلاف خروجاً عن الجماعة، ويصبح السؤال نفسه امراً غريبا غير مرغوب فيه
والأخطر من ذلك ان استمرار هذه الذهنية لا يهدد تجربة سياسية بعينها فحسب، بل قد يؤدي، على المدى الطويل ، إلى استنزاف مقومات قضية باكملها، وإعادتها إلى مراحل كان يفترض ان تكون قد تجاوزتها بعد عقود من التجربة والتضحيات.
فبعد كل ما دفعه الكورد من أثمان باهظة، وبعد آلاف الضحايا والعائلات التي فقدت استقرارها والأطفال الذين فقدوا آباءهم، يصبح من الصعب اخلاقياً وسياسيا ان نتعامل مع نتائج تجربتنا بمنطق التبرير وحده، بدلا من إخضاعها لمراجعة نقدية جادة ومسؤولة.
لقد كشفت تجربة عفرين، وما تلاها من تطورات في مناطق روج افا، عن هشاشة العديد من التصورات التي كنا نتعامل معها سابقا باعتبارها مسلمات. ولم تكن المشكلة دائما في غياب الإجابات بقدر ما كانت في غياب المساحة التي تسمح بطرح الأسئلة .
وفي لحظات التحول الكبرى، وكان الصمت في أحيان كثيرة اقوى حضوراً من النقد، والانصياع أكثر حضورا من النقاش، وكان الاعتراف بوجود خلل اصبح عبئاً اكبر من قدرتنا على تحمله.
ومن اعمق الإشكاليات ايضا علاقتنا بالآخر، والطريقة التي تحولت بها الاستعانة بالقوى الخارجية، في بعض السياقات، من اداة سياسية يمكن توظيفها لخدمة مصالحنا إلى نوع من الارتهان السياسي والفكري.
وبالطبع فان الاستفادة من التحالفات الدولية ليست مشكلة في حد ذاتها فالسياسة الدولية تقوم اساساً على المصالح وتوازنات القوى. لكن المشكلة تبداء عندما نفقد القدرة على التمييز بين التحالف الذي يخدم مصالحنا والتبعية التي تجعل قرارنا السياسي مرتبطا بارادة الآخرين.
وفي المقابل لم نمنح قدراتنا الذاتية ما نستحقه من ثقة واستثمار. فقد جرى في أحيان كثيرة تهميش الكفاءات المحيلة، وإقصاء اصحاب الخبرة، والتعامل مع بعض الأفكار القادمة من الخارج باعتبارها اكثر قيمة لمجرد انها جاءت من الخارج ، حتى عندما لم تكن منسجمة مع خصوصية واقعنا السياسي والاجتماعي.
وهكذا وجدنا انفسنا نستهلك نماذج جاهزة بدلاً من تطوير مقاربات تنطلق من واقعنا، وتستفيد من التجارب الدولية من دون ان تستنسخها.
ولعل الأخطر في هذه البيئة ان مجرد التعبير عن رأي مخالف او طرح قراءة نقدية قد يضع صاحبه سريعا في دائرة الاتهام والتخوين. وبذلك يتحول المجال العام من فضاء لتعدد الاراء وتنافس الأفكار إلى فضاء لاختبار الولاءات.
وعندما يصبح الانتماء هو المعيار الاول، وتتراجع الكفاءات والخبرة والقدرة على التحليل إلى مرتبة ثانوية فإن النتيجة الطبيعية هي إقصاء العقول التي كان من الممكن ان تسهم في تصحيح المسار.
لقد دفعنا سلسلة طويلة من الإخفاقات الى واقع كان يفترض ان يكون اكثر نضجاً مما هو عليه اليوم. ومع ذلك ما زلنا احياناً نعيد انتاج الآليات الذهنية نفسها ونتمسك بخطابات وشعارات لم تعد قادرة على تفسير التحولات العميقة التي طرأت على طبيعة الصراع وموازين القوى.
فالمرحلة الحالية لم تعد تختزل في مفهوم الحرب التقليدية، ولا في معادلة البطولة العسكرية وحدها. لقد اصبحت الصراعات اكثر تعقيداً، وتتداخل فيها القوة العسكرية مع الدبلوماسية والاقتصاد والإعلام والعلاقات الدولية والقدرة على إدارة المصالح والتفاوض وبناء التحالفات واستثمار التحولات الجيوسياسية.
وفي عالم كهذا لا يكفي أن تكون صاحب قضية عادلة بل تحتاج أيضاً إلى امتلاك الأدوات السياسية التي تمكنك من إدارة هذه القضية والدفاع عنها، وإلى القدرة على تحويل مشروعك الأخلاقي والحقوقي إلى نفوذ سياسي قابل للاستمرار.
فالمشهد الدولي لا تحكمه النوايا وحدها، وإنما تحكمه المصالح وموازين القوى والقدرة على التفاوض وامتلاك أوراق التأثير.
ومن هنا فان التخوين والإدانة والصراخ الأيديولوجي لا يمكن أن تكون بديلاً عن العقل السياسي. وعندما تعجز الخطابات عن إنتاج حلول، فإنها تتحول تدريجياً إلى أدوات لتعويض العجز السياسي. وحين يصبح الاتهام أسهل من التحليل، يصبح المجتمع أسيراً لمنظومة تدافع عن أخطائها بدلاً من أن تتعلم منها.
ومن أكثر ما يبعث على الأسف أن نجد أنفسنا، بعد كل هذه السنوات من النضال والتضحيات، نعود إلى بعض النقاط التي كان يفترض أن نكون قد تجاوزناها.
وليس السبب أننا نفتقر إلى الكفاءات أو القدرات، وإنما لأننا لم ننجح حتى الآن في بناء بيئة سياسية قادرة على استثمار هذه الكفاءات بعيداً عن الشخصنة والاصطفاف والولاءات الضيقة.
إن المشكلة ليست في امتلاكنا العاطفة أو تمسكنا بالهوية فالعاطفة والانتماء عنصران أساسيان في أي مشروع جماعي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العاطفة إلى بديل عن العقل، والهوية إلى جدار يمنع المراجعة، والوفاء إلى التزام بالصمت أمام الخطأ.
لذلك فإن تجاوز المرحلة الراهنة لا يتطلب التخلي عن الذاكرة أو الهوية أو التضحيات، وإنما يتطلب إعادة النظر في علاقتنا بها.
احترام الشهداء لا يكون بتكرار الشعارات التي قيلت في حياتهم، وإنما ببناء واقع أكثر قدرة على حماية ما ضحوا من أجله. والوفاء لتضحياتهم لا يعني تحصين أصحاب القرار من المساءلة بل يعني أن نجعل من تلك التضحيات معياراً أخلاقياً صارماً للحكم على نتائج قراراتنا.
وحتى اليوم، ورغم امتلاكنا طاقات وكفاءات قادرة على الحضور في مختلف المجالات، ما زلنا نميل أحياناً إلى اختزال حضورنا في الرمزية والمظهر، بينما تتطلب المرحلة حضوراً مختلفاً: حضوراً معرفياً ومؤسسياً ودبلوماسياً وسياسياً، قادراً على التأثير في صناعة القرار لا الاكتفاء بالمشاركة في المشهد.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا لم يعد: من معنا ومن ضدنا؟
بل هل ما نفعله يخدم قضيتنا فعلاً؟ وهل قراراتنا قابلة للدفاع عنها أمام التاريخ؟ وهل نمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة أنفسنا عندما تثبت التجربة أن بعض خياراتنا كانت خاطئة؟
فالنقد ليس خيانة، والمساءلة ليست مؤامرة، والاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، والاختلاف ليس خروجاً من الجماعة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بحق قضية دفع الناس ثمناً باهظاً من أجلها هو أن نحرمها من حقها في المراجعة.
فالأمم لا تتقدم بكثرة المصفقين، ولا تبنى بكثرة الشعارات، وإنما تتقدم عندما تمتلك شجاعة النقد، وفضيلة المراجعة، وصرامة المساءلة، ومرونة التعلم، والقدرة على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى فعل سياسي مؤثر.
وربما يكون السؤال الأهم الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا اليوم هو:
إلى متى سنبقى أسرى العاطفة حين تتطلب المرحلة وعياً، وأسرى الولاء حين تتطلب المصلحة نقداً، وأسرى الماضي حين يفرض المستقبل علينا أن نعيد التفكير في كل شيء .