هورين حسن
بوجوهٍ شاحبةٍ كأوراق الخريف، وأجسادٍ نحيلةٍ تنهكها الإبر، يخطو أطفال التلاسيميا نحو مركز العلاج في قامشلو، يحملون خلفهم مأساة جيل كامل يقتات على الانتظار.
وفي أروقة هذا المركز المتواضع، يتحرك المخبري، أحمد داليني بمسؤولية عالية لتنظيم مواعيدهم ومتابعة حالتهم الصحية بانتظام .
يعمل بجسدٍ منهك وطاقة لا تنضب، مدفوعاً بحلم إنساني نبيل؛ أن يغزل من هذا المركز المتواضع واحة أمان مثالية لمرضى كُتب عليهم أن يصارعوا داءً يرافقهم طوال العمر.
لكن هذا العطاء الفردي الحار يصطدم يومياً بصقيع واقع طبي قاس؛ فالمدينة الحيوية تفتقر تماماً لوجود بنك دم مركزي ليتحول هذا الغياب إلى شبح صامت يهدد بقطع شريان الحياة عن أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم يطلبون الحق في البقاء.
حارس الأرواح المنهكة.. هندسة الأمل بأيادي أهل الخير
على الرغم من شح الإمكانات المادية وقسوة الظروف اللوجستية، تحول مركز التلاسيميا في قامشلو بفضل إخلاص كادره، ولا سيّما الموظف المخبري، أحمد داليني إلى شرفة أمل وحيدة للمرضى وعائلاتهم المثقلة بالهموم.
لا يقتصر دور داليني على تقديم الرعاية الطبية والتمريضية المعتادة، بل يمتد ليشمل تنظيم السجلات الطبية بدقة متناهية، وجدولة جلسات نقل الدم، ومراقبة المؤشرات الحيوية للأطفال لضمان سلامتهم أثناء العلاج.
ولأن طيف المرض ثقيل على نفوس الصغار، يتجاوز داليني، حدود مهنته الطبية الإنسانية ليقود مبادرات إنسانية دافئة؛ حيث يحرص على تأمين الألعاب والدمى بدعم وتبرع من بعض المغتربين وأهل الخير في المدينة، ليتولى بنفسه توزيعها على الأطفال داخل المركز.
يسعى بذلك إلى انتزاع ابتسامة من بين براثن الألم، وتحويل جلسات العلاج القاسية ووخز الإبر المرعب إلى مساحة من البهجة والأمان تخفف عنهم وعن أمهاتهم وطأة هذا المرض العضال.
طوابير الوجع الريفي.. سباق مرير مع عداد الموت السريع
تكمن المأساة الحقيقية في الطبيعة البيولوجية القاسية لمرض التلاسيميا؛ حيث يقف هؤلاء الأطفال على حافة الخطر كل أسبوعين أو ثلاثة، بانتظار زجاجة دم تجدد النبض في عروقهم الشاحبة.
وفي ظل غياب بنك مركزي للدم في مدينة قامشلو، تتحول عملية تأمين زمر الدم المناسبة والصالحة للنقل إلى رحلة عذاب شاقة، وسباق مرير مع الوقت يقع بكامله على كاهل الآباء والأمهات الذين يتجرعون مرارة العجز.
هذه المعاناة تتضاعف وتتخذ فصولاً أكثر قسوة عندما يتعلق الأمر بالعائلات القادمة من القرى والبلدات الريفية المحيطة بالمدينة؛ إذ يتكبد الأهالي مشقة السفر الطويل، وتكاليف النقل الباهظة، وإرهاق أجساد أطفالهم الصغار في الطرقات لمجرد الوصول إلى المدينة.
وتبدأ رحلة عذاب أخرى في البحث عن متبرع، وتعتمد العائلات بشكل كلي على ما تجود به نخوة المتبرعين الفرديين من الأقارب أو الأصدقاء، أو عبر إطلاق مناشدات استغاثة مفجعة عبر منصات التواصل الاجتماعي مع اقتراب موعد نقل الدم.
وفي حالات كثيرة، يتأخر تأمين الزمر النادرة أو يشح المتبرعون، ليعيش الطفل وأهله ساعات من الرعب الحقيقي مع هبوط معدلات الهيموغلوبين، واصفرار الوجوه الصغيرة، وتسلل المضاعفات الخطيرة إلى أجسادهم النحيلة.
ثغرة الشريان المفقود.. الكادر الطبي في عين العاصفة
إن غياب هذه المنشأة الحيوية لا ينعكس سلباً على عائلات المرضى فحسب، بل يضع ضغوطاً نفسية وفنية هائلة على كاهل المخبري، أحمد داليني .
فالغياب المؤسساتي لبنك الدم يفرض على إدارة المركز القيام بتنسيق فردي معقد، ومتابعة فحص سلامة الدم وصلاحيته غيابياً عن المختبرات التخصصية، وهو ما يستنزف طاقة الكادر الذي يحاول مستميتاً الحفاظ على أرواح الأطفال وضمان المعايير الطبية المثالية دون خطأ واحد قد يكلف حياة طفل!
أمام هذا الواقع، تستمر الجهود الفردية داخل مركز التلاسيميا بقامشلو في تقديم أروع صور العطاء الإنساني، إلا أن هذا التميز سيبقى مكبلاً ومهدداً بالانهيار ما لم تلتفت الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية والمحلية لصرخات هؤلاء الأطفال، والعمل سريعاً على تطبيق التوصيات والمطالب العاجلة التالية:
1- تأسيس بنك دم مركزي: البدء الفوري من قبل السلطات الصحية والمنظمات الدولية العاملة في المنطقة بإنشاء وتجهيز بنك دم متكامل في مدينة قامشلو لوقف نزيف المعاناة اليومية وتخفيف أعباء السفر عن سكان القرى بشكل مستدام.
2- دعم وتوسيع المركز: رفد مركز التلاسيميا بأجهزة فصل مكونات الدم الحديثة وتوفير الفلاتر الطبية الحيوية لحماية أجساد الأطفال من مضاعفات نقل الدم المتكرر.
3- إطلاق حملات تبرع دورية: تنظيم حملات شعبية ومؤسساتية مستمرة للتبرع بالدم لتغذية احتياجات المركز، وتشكيل قاعدة بيانات ذكية للمتبرعين مخصصة لزمر الدم النادرة لتجنيب الأهالي مشقة البحث العشوائي.
4- دعم الكوادر وتكريمها: تقديم الدعم المادي والمعنوي للكوادر المخلصة (كالموظف أحمد داليني) لتشجيعهم على الصمود وتطوير الأداء الإداري والطبي للمركز بما يضمن ديمومة هذه الخدمات الحيوية.
حكاية عطاء تنتظر الدعم.. صرخة أمل قبل فوات الأوان
بين إخلاص الموظف المخبري أحمد داليني ومعاناة الأهالي الصامتة والألم الدفين للأطفال القادمين من أرياف المدينة، تبقى الحاجة إلى بنك دم في قامشلو أبعد من كونها مجرد مطلب خدمي، إنها قضية حياة أو موت.
إن الاستثمار في هذه المنشأة الطبية الحيوية لم يعد يحتمل التسويف أو التأجيل، كي لا يظل أطفال التلاسيميا رهائن لصدف البحث عن متبرع أو تقلبات الظروف ومشاق السفر، ولكي تثمر الجهود الفردية وحكايات العطاء داخل المركز وتتحول من مجرد محاولات فردية للصمود إلى منظومة رعاية متكاملة ومستدامة تضمن لهؤلاء الصغار حقهم البسيط في الحياة والابتسام.