من التنسيق الأمني إلى التحالف الإقليمي.. هل بدأت ملامح منظومة دفاعية جديدة في المنطقة؟

عرفان الداوودي

يشهد الإقليم تحولات أمنية وعسكرية متسارعة، دفعت عدداً من دول المنطقة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن المشترك، والبحث عن آليات جديدة لحماية الحدود ومواجهة المخاطر العابرة للدول. وفي هذا السياق، يكتسب الاجتماع العسكري رفيع المستوى الذي استضافته العاصمة الأردنية عمّان في 11 آب/أغسطس 2026 أهمية خاصة، بعدما جمع قيادات عسكرية من الأردن وسوريا والعراق وإقليم كردستان العراق، بحضور ومشاركة أمريكية. (وكالة الانباء الاردنية⁠)

الاجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي؛ فقد ناقش تعزيز التعاون والتنسيق العسكري والأمني، وحماية الحدود، ومواجهة التحديات والتهديدات العابرة للحدود، في وقت تمر فيه المنطقة بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد. كما أن مشاركة وزير شؤون البيشمركة ورئيس أركان قوات البيشمركة إلى جانب القيادات العسكرية للدول المشاركة تعكس اتجاهاً نحو توسيع قنوات التنسيق بين مختلف المؤسسات العسكرية والأمنية في المنطقة. (Kurdistan24 – کوردستان 24⁠)

لماذا يكتسب اجتماع عمّان هذه الأهمية؟

من الناحية الرسمية، لا يعني اجتماع عمّان بالضرورة تأسيس حلف عسكري جديد، ولا توجد حتى الآن مؤشرات معلنة على إنشاء تحالف دفاعي ملزم بين الأطراف المشاركة. لكن أهمية الاجتماع تكمن في أنه يجمع دولاً ومؤسسات عسكرية تواجه مجموعة متقاربة من التحديات: أمن الحدود، الإرهاب، تهريب المخدرات، الجماعات المسلحة، الجريمة المنظمة، وحركة التهديدات التي تتجاوز الحدود التقليدية.

وتزداد أهمية هذا التنسيق مع وجود الولايات المتحدة، ولا سيما القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، التي شاركت في فعاليات عمّان بالتزامن مع مراسم تغيير قيادة قوات التحالف الدولي في العراق وسوريا. وقد التقى وزير شؤون البيشمركة ورئيس أركان الوزارة بقيادات عسكرية أمريكية وعراقية وأردنية وسورية، وبحثوا تطوير التنسيق العسكري والأمني وحماية أمن المنطقة والحدود. (Kurdistan24 – کوردستان 24⁠)

وهذا يعني أن البعد الأمني في الاجتماع يتجاوز العلاقة الثنائية بين الدول، ليدخل في إطار أوسع يتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية في المشرق.

إقليم كردستان.. عنصر مهم في المعادلة الأمنية

إن مشاركة إقليم كردستان العراق في اجتماع بهذا المستوى ليست تفصيلاً ثانوياً.

فقوات البيشمركة تمتلك خبرة ميدانية طويلة في مواجهة التنظيمات الإرهابية، كما أن التعاون بينها وبين قوات التحالف الدولي والولايات المتحدة قائم منذ سنوات، خصوصاً في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات والتدريب والإسناد الأمني.

ولهذا فإن وجود وزارة شؤون البيشمركة في اجتماع يضم قادة أركان الأردن والعراق وسوريا، إلى جانب الجانب الأمريكي، يمكن قراءته باعتباره اعترافاً بأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه البيشمركة ضمن منظومة الأمن الإقليمي، خصوصاً في مواجهة التهديدات التي لا تتوقف عند حدود دولة واحدة. (Kurdistan24 – کوردستان 24⁠)

ومن هنا، فإن التعاون بين بغداد وأربيل في المجال الأمني، متى ما قام على أساس دستوري ومؤسساتي واضح، يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة للعراق والمنطقة، بدلاً من أن يكون مصدر خلاف سياسي.

هل نحن أمام تحالف دفاعي إقليمي؟

السؤال الأهم ليس ما إذا كان اجتماع عمّان قد أسس بالفعل لتحالف دفاعي، لأن المعطيات المتاحة لا تثبت ذلك، وإنما السؤال هو:

هل يمكن أن يتحول هذا النوع من الاجتماعات المتكررة إلى نواة لمنظومة أمن إقليمية ؟
الإجابة تبدو ممكنة، ولكنها ليست حتمية.

فالتحالفات العسكرية لا تُبنى من اجتماع واحد، وإنما تحتاج إلى اتفاقات سياسية وأمنية، وآليات واضحة لتبادل المعلومات، ومراكز تنسيق مشتركة، وتدريبات عسكرية دورية، وتحديد طبيعة التهديدات، وربما وضع ترتيبات للدفاع المشترك في المستقبل.

وإذا انتقلت الدول المشاركة من مجرد تبادل المعلومات إلى إنشاء آليات مؤسساتية دائمة للتنسيق، فإن ذلك سيكون مؤشراً مهماً على انتقال التعاون من التنسيق الميداني إلى منظومة أمن إقليمي أكثر تنظيماً.

العامل الأمريكي

الحضور الأمريكي يضيف بعداً مهماً إلى هذه المعادلة.

فالولايات المتحدة لا تبدو مجرد طرف خارجي في المشهد، بل تمتلك علاقات عسكرية وأمنية واسعة مع العراق والأردن وإقليم كردستان، كما أن وجودها في إطار التحالف الدولي يمنحها قدرة كبيرة على دعم تبادل المعلومات والتدريب والتنسيق الأمني.

لكن وجود واشنطن في أي منظومة أمنية إقليمية مستقبلية سيبقى مرتبطاً بطبيعة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وبمدى استعداد الدول المشاركة لقبول دور أمريكي مباشر أو غير مباشر في الترتيبات الأمنية.

لذلك فإن المسألة لا تتعلق فقط بما تريده الدول الأربع، وإنما أيضاً بكيفية إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها الأمنية مع المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

العراق بين بغداد وأربيل

يمثل العراق نقطة الارتكاز الجغرافية والسياسية في هذه المعادلة، فهو يرتبط بحدود مع الأردن وسوريا وتركيا وإيران، كما أن إقليم كردستان يمثل جزءاً أساسياً من منظومة الأمن العراقية بحكم موقعه الجغرافي وتحدياته الأمنية.

ومن هنا، فإن تعزيز التنسيق بين بغداد وأربيل في الملفات الأمنية والدفاعية سيكون عاملاً حاسماً في نجاح أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.

العراق بحاجة إلى سياسة أمنية متوازنة تحمي سيادته، وتمنع استخدام أراضيه للاعتداء على دول الجوار، وفي الوقت نفسه تمنع تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وهذا يتطلب تعاوناً حقيقياً بين مؤسسات الدولة الاتحادية ومؤسسات إقليم كردستان، بعيداً عن الخلافات السياسية، لأن التهديدات الأمنية لا تفرق بين حدود إدارية أو خلافات حزبية.

سوريا.. الحلقة المتغيرة في المعادلة

أما مشاركة سوريا، فتمنح الاجتماع بعداً جديداً، خصوصاً أن الوضع السوري خلال السنوات الماضية كان أحد أهم مصادر التحديات الأمنية في المنطقة.

فالحدود السورية تمثل ملفاً حساساً بالنسبة إلى العراق والأردن، سواء فيما يتعلق بالإرهاب أو التهريب أو الجريمة المنظمة أو حركة الجماعات المسلحة.

ومن ثم، فإن إدماج سوريا في ترتيبات أمنية إقليمية، ولو بصورة تدريجية، يمكن أن يفتح الباب أمام آليات جديدة لضبط الحدود ومكافحة التهديدات المشتركة.

لكن نجاح ذلك يتوقف على طبيعة التحولات السياسية والأمنية داخل سوريا، وعلى قدرتها على بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على العمل ضمن تفاهمات إقليمية واضحة.

الأردن.. منصة للحوار الأمني

يؤدي الأردن دوراً مهماً في استضافة اللقاءات الأمنية والعسكرية الإقليمية، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته الدولية والإقليمية.

واختيار عمّان لاستضافة هذا الاجتماع يحمل دلالة سياسية وأمنية؛ فالأردن يقع على تماس مباشر مع العراق وسوريا، ويرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، ما يجعله موقعاً مناسباً للحوار والتنسيق بين الأطراف المختلفة.

ومن الممكن أن تتحول عمّان مستقبلاً إلى إحدى المنصات الرئيسية للحوار الأمني بين دول المنطقة، خصوصاً إذا تكررت الاجتماعات وبدأت تتحول إلى آليات دائمة.

ما الذي يمنع قيام تحالف فعلي؟

رغم وجود مصالح مشتركة، فإن الطريق أمام إنشاء تحالف دفاعي إقليمي ليس سهلاً.

فهناك اختلافات في السياسات الخارجية، وتباين في طبيعة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، فضلاً عن ملفات السيادة والحدود والقوات المسلحة والجماعات غير النظامية.

كما أن الانتقال من التعاون الأمني إلى تحالف دفاعي يتطلب توافقاً سياسياً عميقاً، لأن التحالف العسكري يعني في جوهره التزامات متبادلة قد تفرض على الدول المشاركة مواقف مشتركة في حال تعرض إحدى الدول لتهديد أو هجوم.

ولهذا فمن المرجح أن يبدأ التعاون، إن تطور، بمراحل تدريجية: تبادل معلومات، تنسيق حدودي، تدريبات مشتركة، مكافحة الإرهاب والتهريب، غرف اتصال، ثم آليات أمنية أكثر انتظاماً.

الخلاصة

إن اجتماع عمّان لا يمكن وصفه، وفق المعطيات المتاحة، بأنه إعلان عن تحالف دفاعي إقليمي، لكن من الخطأ أيضاً التعامل معه باعتباره اجتماعاً عادياً.

فاجتماع قيادات عسكرية بهذا المستوى من الأردن والعراق وسوريا وإقليم كردستان، بالتزامن مع حضور القيادة المركزية الأمريكية، يعكس وجود حاجة متزايدة إلى التعاون لمواجهة تحديات أمنية مشتركة. (وكالة الانباء الاردنية⁠)

وقد تكون الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي معرفة ما إذا كانت هذه الاجتماعات ستبقى مؤقتة ومحدودة، أم ستتحول إلى إطار مؤسساتي دائم.

فإذا استمر التنسيق، وتوسعت مجالات التعاون، وجرى إنشاء آليات مشتركة لتبادل المعلومات والتدريب وحماية الحدود، فقد نشهد تدريجياً ولادة منظومة أمن إقليمية جديدة في قلب المشرق.

أما الحديث عن تحالف دفاعي متكامل، فما زال مبكراً، ويحتاج إلى قرارات سياسية واتفاقات واضحة تتجاوز ما أُعلن حتى الآن.

لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أوراقها الأمنية، وأن العراق وإقليم كردستان والأردن وسوريا سيكونون في قلب هذه المعادلة، بينما ستبقى الولايات المتحدة لاعباً مؤثراً في تحديد اتجاهاتها.

والسؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة هو:

هل يبقى اجتماع عمّان مجرد تنسيق أمني ظرفي، أم يتحول إلى الخطوة الأولى نحو منظومة دفاع إقليمية جديدة؟

قد يعجبك ايضا