د. إبراهيم الشرفاني*
مقدمة
ليست قيمة التكريم في الوسام ذاته، بل في المعنى الذي يمنحه للاعتراف. فحين يُكرَّم رجل دولة تقديراً لدوره في السلام والتعايش، يتحول التكريم من فعل بروتوكولي إلى رسالة سياسية وأخلاقية: إن الاعتراف بالآخر هو الشرط الأول لصناعة السلام، وإن إدارة الاختلاف أرقى من محاولة إلغائه.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التكريم البابوي للرئيس مسعود بارزاني بوصفه تعبيراً عن سياسة الاعتراف؛ أي الانتقال من منطق القوة إلى منطق القيمة، ومن إدارة الصراع إلى إدارة الاختلاف، ومن التعايش بوصفه ضرورة إلى التعايش بوصفه فضيلة سياسية وحضارية.
أولاً: الاختلاف؛ مصدر القوة
الاختلاف ليس خللاً في الاجتماع الإنساني، بل طبيعته الأولى. والمجتمعات التي تخشى اختلافها تحاول توحيده بالقوة، بينما المجتمعات الواثقة من ذاتها تحوله إلى مصدر للتكامل.
فالوحدة التي تلغي الاختلاف استقرارٌ هش، أما الوحدة التي تحمي الاختلاف فهي استقرارٌ مستدام.
ولهذا فإن الاعتراف بالآخر لا يعني التنازل عن الهوية، بل يعني تحرير الهوية من الخوف؛ فالهوية الواثقة لا تحتاج إلى إلغاء الآخر لكي تثبت وجودها.
ثانياً: الاعتراف؛ أخلاقاً وسياسة
الاعتراف أعمق من التسامح؛ فالتسامح قد يعني أن أسمح للآخر بأن يكون مختلفاً، أما الاعتراف فيعني أن اختلافه حق لا يحتاج إلى إذن.
وهنا تنتقل الأخلاق إلى السياسة: فإذا كان الاعتراف قيمة أخلاقية، فإن الدولة مطالبة بتحويله إلى قانون ومواطنة ومساواة ومؤسسات تحمي التنوع.
الدولة القوية ليست التي توحّد مواطنيها في الاختلاف، بل التي توحّدهم في الحقوق رغم الاختلاف.
ثالثاً: التعايش؛ دبلوماسية الإنسان
السلام الحقيقي هو القدرة على بناء علاقة ايجابية مع المختلف. ولذلك فإن التعايش ليس هدنة بين الهويات، بل شراكة بينها.
ومن هذا المنظور، تكتسب الدبلوماسية معناها الأعمق عندما تتحول من إدارة المصالح إلى بناء الثقة، ومن احتواء الأزمات إلى صناعة الجسور.
الدبلوماسية الناجحة لا تبحث فقط عن نقاط الاتفاق، بل تعرف كيف تجعل الاختلاف قابلاً للحياة.
رابعاً: التنوع؛ رأسمال حضاري
التنوع الديني والقومي والثقافي ليس عبئاً على الدولة والمجتمع، بل يمكن أن يكون رأسمالاً حضارياً إذا أُدير بالاعتراف والمساواة.
فالمجتمع الذي يحمي تعدده يحمي ذاكرته؛ والذي يهدم تعدده يهدم جزءًا من تاريخه.
الحضارة لا تُبنى بإلغاء الأصوات المختلفة، بل بقدرتها على جعلها تتكلم داخل فضاء واحد.
خامساً: التكريم؛ رسالة سياسية
في السياسة، للرمز قوة قد تفوق أحياناً قوة البيان الرسمي؛ لأن التكريم يعيد ترتيب سلم القيم التي تستحق الاعتراف.
وعندما يرتبط التكريم بالسلام والتعايش، فإنه يبعث برسالة مفادها أن قيمة رجل الدولة لا تقاس فقط بقدرته على ممارسة القوة، بل بقدرته على تحويل القوة إلى مسؤولية، والسلطة إلى حماية، والاختلاف إلى فرصة للسلام.
ومن هنا يمكن فهم التكريم البابوي للرئيس مسعود بارزاني باعتباره اعترافاً رمزياً بقيمة السلام والتعايش وحماية التنوع، وبأهمية تحويل هذه القيم من مبادئ أخلاقية إلى ممارسة سياسية.
خاتمة
تكمن الدلالة الأعمق للتكريم في أنه يضع أمام السياسة معيارًا يتجاوز القوة والمصلحة: معيار الإنسان.
فالسياسة التي تخاف الاختلاف تنتج الصراع، والسياسة التي تديره تنتج التوازن، أما السياسة التي تعترف به فتفتح الطريق أمام السلام.
ولهذا يمكن اختزال فلسفة الاعتراف في معادلة سياسية وحضارية:
الاختلاف حقيقة، والاعتراف فضيلة، والتعايش خيار، والسلام مسؤولية.
وفي النهاية، لا يكون التكريم الحقيقي لشخصية سياسية في الوسام الذي يُمنح لها، بل في القيم التي يصبح تكريمها تكريماً للإنسان نفسه.
*عضو برلمان إقليم كوردستان