تحیة طیبة
أكتب إليكم هذه الرسالة لا بصفتي خصماً سياسياً للحكومة ولا ممثلاً لحزب أو جهة سياسية. أكتب إليكم بصفتي مواطناً كردياً ينظر إلى تاريخ العراق من زاوية مختلفة. زاوية شعب عاش داخل هذه الدولة منذ ولادتها الحديثة لكنه لم يشعر دائماً أن الدولة تعاملت معه باعتباره شريكاً كاملاً في الوطن!
وهنا تكمن المسألة التي تتجاوز كل الملفات السياسية والمالية والنفطية التي تتصدر المشهد بين بغداد وأربيل.المشكلة أعمق من الرواتب وأبعد من النفط وأقدم من الدستور،إنها مشكلة علاقة تاريخية بين الدولة العراقية ومكوّن أساسي من مكونات المجتمع العراقي!
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي كان الكرد جزءاً من تكوين العراق السياسي والاجتماعي والجغرافي. لم يظهروا بعد تأسيس الدولة ولم يدخلوا إليها من الخارج. كانوا موجودين في هذه الأرض قبل أن ترسم الخرائط الحديثة حدود الدولة وقبل أن تُبنى مؤسساتها وقبل أن يصبح العراق دولة بالمعنى الحديث!
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يكن يوماً: كيف نُبقي الكرد داخل العراق؟!
السؤال الأكثر عدلاً كان يجب أن يكون:
كيف نبني عراقاً يشعر الكرد فيه أنهم أصحاب وطن لا أصحاب قضية مؤجلة؟!!
هذه هي العقدة التاريخية التي فشلت الحكومات العراقية المتعاقبة في حلها. من العهد الملكي إلى الجمهوريات المتعاقبة ثم إلى الحقبة البعثية لم تنجح الدولة العراقية في بناء صيغة مستقرة لعلاقتها بالشعب الكردي. كانت هناك وعود ثم انتكاسات. تفاهمات ثم حروب. اتفاقات ثم نقض. وكل مرة كانت الدولة تحاول معالجة المسألة الكردية باعتبارها مشكلة أمنية أو تمرداً سياسياً بدلاً من أن تراها باعتبارها مسألة شراكة وطنية وتاريخية.
وفي مراحل معينة بلغ الأمر مستوى لا يمكن أن يمحى من ذاكرة العراق.
التهجير.
التعريب.
الاعتقالات.
القتل الجماعي.
الأنفال.
حلبجة.
كلها ليست مجرد صفحات في كتاب التاريخ الكردي. إنها جزء من تاريخ الدولة العراقية نفسها٫ ولهذا فإن المصالحة الحقيقية بين بغداد والكرد لا يمكن أن تبدأ من تجاهل الماضي. لكنها أيضاً لا يمكن أن تستمر أسيرة له.
نحن لا نريد أن يرث أبناؤنا كراهية الماضي. نريدهم أن يرثوا دولة تعلمت من الماضي. وهنا تحديداً تظهر مسؤوليتكم التاريخية.
لقد تغير العراق.
تغير نظامه السياسي.
تغير دستوره.
تغيرت موازين القوى.
وأصبح إقليم كردستان حقيقة دستورية وسياسية داخل العراق. لكن شيئاً واحداً لم يتغير بما يكفي وهو الحاجة إلى بناء علاقة ناضجة بين بغداد وأربيل.
بعد عام 2003 كان يمكن للعراق أن يؤسس نموذجاً مختلفاً تماماً. كان يمكن أن يقول للعالم إن هذا البلد الذي عانى من الدكتاتورية والحروب قادر على أن يحول تنوعه القومي والمذهبي إلى قوة. وكان الدستور العراقي الجديد فرصة تاريخية لذلك.فقد انتقل العراق نظرياً من دولة تحكمها إرادة السلطة إلى دولة يفترض أن تحكمها قواعد الدستور.
لكن المشكلة أن كثيراً من الخلافات بين بغداد وأربيل بقيت تتعامل معها القوى السياسية بمنطق القوة والتفاوض الظرفي لا بمنطق الدولة الدستورية. مرة يصبح النفط هو المشكلة. ومرة تصبح الموازنة. ومرة الرواتب. ومرة المناطق المتنازع عليها.
ومرة الصلاحيات. ومرة الانتخابات. وهكذا تتحول كل قضية إلى أزمة جديدة بينما تبقى القضية الأصلية دون حل. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدول هو أن تتحول الخلافات المؤقتة إلى ذاكرة دائمة.
دولة الرئيس :
أمامكم اليوم فرصة مختلفة. ليس لأن الملفات سهلة بل لأن التاريخ يمنح بعض المسؤولين لحظة يستطيعون فيها أن يقطعوا سلسلة طويلة من الأخطاء. يمكنكم أن تكونوا رئيس وزراء آخر يضيف اتفاقاً مؤقتاً إلى قائمة الاتفاقات المؤقتة بين بغداد وأربيل.
ويمكنكم أن تكونوا رئيس الوزراء الذي يقول إن زمن إدارة العلاقة الكردية العراقية بمنطق الأزمة قد انتهى. وهذا لا يحتاج إلى شعارات كبيرة. يحتاج إلى إرادة سياسية تؤمن بأن استقرار العراق يبدأ من احترام مكوناته الأساسية.
إن المواطن الكردي لا يريد من بغداد صدقة.
ولا يريد امتيازاً.
ولا يريد أن يكون فوق القانون. هو يريد فقط أن يكون تحت حماية القانون مثل أي مواطن عراقي آخر. يريد أن يعرف أن راتبه حق وليس ورقة تفاوض. وأن دستوره ليس نصاً للاستهلاك السياسي. وأن هويته القومية ليست تهمة. وأن إقليم كردستان ليس مشروعاً مؤقتاً ينتظر لحظة سياسية لإعادة تعريفه.
يريد أن يشعر أن بغداد ليست العاصمة التي تخاف منها كردستان حين تختلف معها. بل العاصمة التي تلجأ إليها حين تحتاج إلى دولة. وهذا الشعور هو جوهر المواطنة. فالدولة لا تصبح دولة المواطن عندما تطلب منه دفع الضرائب أو أداء الواجبات فقط. تصبح دولته عندما يشعر أنها تقف معه في لحظة الخلاف كما تقف معه في لحظة الوفاق.
دولة الرئيس:
هناك فرق كبير بين أن يكون الكرد جزءاً من العراق على الورق وأن يشعر الكرد بأن العراق وطنهم في وجدانهم. وهذا الفرق لا تصنعه الخطب. تصنعه العدالة. وتصنعه المؤسسات. ويصنعه احترام الدستور. ويصنعه الاعتراف بأن قوة العراق لا تأتي من إضعاف مكوناته بل من جعل كل مكوناته واثقة من موقعها داخل الدولة. لقد جرب العراق طويلاً منطق الغلبة. وجرب منطق المركزية. وجرب منطق القوة العسكرية. وجرب منطق الإقصاء.
وكانت النتيجة دائماً واحدة. دولة أكثر هشاشة ومجتمع أكثر انقساماً. فلنجرب هذه المرة منطقاً مختلفاً. منطق الشراكة.
ليس لأن الكرد يطلبون ذلك فقط. بل لأن العراق نفسه يحتاج إليه.
إن بغداد القوية لا تحتاج إلى كردستان ضعيفة. وكردستان المستقرة لا تحتاج إلى بغداد ضعيفة. العكس هو الصحيح!
بغداد القوية هي التي تجعل أربيل مطمئنة إلى مستقبلها داخل العراق. وأربيل المستقرة هي التي تجعل بغداد أكثر قوة واستقراراً. وهنا يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة. مرحلة لا يكون فيها السؤال من يربح ومن يخسر. بل كيف يخرج الطرفان من التاريخ القديم إلى دولة حديثة!
ربما تكون أكبر خطوة سياسية تستطيعون القيام بها ليست توقيع اتفاق جديد حول ملف واحد. بل تأسيس عقد سياسي جديد بين بغداد وأربيل. عقد لا يتغير بتغير رئيس الوزراء. ولا يسقط بسقوط حكومة. ولا يتحول إلى ورقة انتخابية!
عقد يقوم على الدستور وعلى توزيع واضح للصلاحيات وعلى ضمان الحقوق المالية وعلى معالجة الملفات التاريخية بروح سياسية مسؤولة. عقد يجعل المواطن في السليمانية وأربيل ودهوك يشعر بأن بغداد ليست بعيدة عنه. ويجعل المواطن في بغداد يشعر بأن كردستان ليست خارج العراق!
عندها فقط يمكن أن نبدأ الحديث عن عراق جديد. العراق الذي لا يطلب من الكرد أن ينسوا كرديتهم لكي يكونوا عراقيين. ولا يطلب من العرب أن يتخلوا عن عروبتهم لكي يكونوا مواطنين متساوين. العراق الذي يقول لكل مواطن: هويتك لا تهدد الدولة. الدولة هي التي تحمي هويتك.
هذه ليست مثالية سياسية. هذه هي فلسفة الدولة الحديثة!
لقد أُهدرت في تاريخ العراق فرص كثيرة. وربما لن تأتي كل الفرص مرة أخرى. لكن الفرصة التي أمامكم اليوم ليست مجرد فرصة سياسية. إنها فرصة تاريخية. أن تضعوا نهاية هادئة لصراع طويل بين بغداد والكرد. أن تنتقلوا من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل.
من الحسابات قصيرة المدى إلى التفكير في الأجيال المقبلة. ومن سؤال السلطة إلى سؤال الدولة. فإذا نجحتم في ذلك فلن يقول التاريخ إنكم كنتم رئيساً آخر لحكومة عراقية. بل قد يقول إنكم كنتم الرجل الذي أدرك أن العراق لا يستطيع أن يتصالح مع مستقبله ما لم يتصالح أولاً مع جزء أساسي من تاريخه.
وفي النهاية أقول لكم من موقع مواطن كردي:
لا نريد عراقاً أقل عراقية لكي تكون كردستان أكثر كردية. نريد عراقاً أكثر عدلاً حتى يشعر الكردي أن عراقيته لا تنتقص من كرديته. نريد دولة لا يخاف فيها المواطن من بغداد حين تختلف معه. نريد دولة يكون فيها الدستور أقوى من الحكومة.
والقانون أقوى من الحزب. والمواطنة أقوى من الحسابات السياسية. إذا استطعتم أن تجعلوا المواطن الكردي يقول من قلبه:
هذه دولتي أيضاً
فقد حققتم ما هو أكبر من اتفاق سياسي. لقد صنعتم شيئاً نادراً في تاريخ الدول: صالحتم مواطناً مع دولته. وهذه ربما تكون أعظم صفحة يمكن أن يكتبها رئيس حكومة في تاريخ العراق!
عطا شميراني
كاتب وباحث كردي