العلاقات العامة في زمن الشائعات… من ينتصر أولًا ؟

م.م زيد محمد كاظم

أصبحت الشائعة اليوم أسرع من الحقيقة، وأقرب إلى الجمهور من البيان الرسمي، وأكثر قدرة على إثارة الرأي العام من أي توضيح يصدر بعد ساعات أو حتى أيام. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد العلاقات العامة تملك رفاهية الانتظار، لأن التأخر في الرد يعني منح الشائعة وقتًا كافيًا لتتحول إلى قناعة، والقناعة إلى رأي عام يصعب تغييره. وهكذا وجدت المؤسسات نفسها أمام معركة جديدة، لا تُخاض داخل قاعات الاجتماعات، بل على شاشات الهواتف الذكية، حيث تنتشر الأخبار بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على التحقق منها.
شهد العراق خلال السنوات الأخيرة عشرات المواقف التي أثبتت أن الشائعة لم تعد مجرد خبر عابر، بل أصبحت عاملًا قادرًا على إرباك المجتمع، وإثارة القلق، والتأثير في قرارات الناس. فكثيرًا ما انتشرت أخبار عن تعيينات حكومية، أو تغيير في أسعار الوقود، أو إغلاق جامعات، أو انتشار أمراض، أو قرارات وزارية لم تصدر أصلًا، ومع ذلك حققت انتشارًا واسعًا قبل أن تظهر الجهات الرسمية لنفيها.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا يصدق الناس الخبر الكاذب بسرعة، بينما يترددون في تصديق الحقيقة؟ تكمن الإجابة في أن الشائعة تعتمد على عنصر السرعة والإثارة، بينما تعتمد المؤسسات غالبًا على الإجراءات الإدارية الطويلة، ومراجعة المعلومات، والحصول على الموافقات قبل إصدار أي تصريح. وخلال هذه المدة، تكون الشائعة قد حققت هدفها، وأصبحت حديث الشارع، وتداولتها آلاف الحسابات، وربما تناقلتها بعض وسائل الإعلام دون تدقيق.
ففي العراق، برزت هذه الحقيقة بوضوح خلال عدد من الأزمات. فعندما تنتشر شائعة عن نتائج الامتحانات، أو عن قرارات القبول المركزي، أو عن رواتب الموظفين، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بالتكهنات، ويبدأ الناس بتداول صور ومنشورات مجهولة المصدر. وإذا تأخر الرد الرسمي، تصبح الشائعة بالنسبة إلى كثيرين أقرب إلى الحقيقة.
كما واجهت الجامعات العراقية مواقف مشابهة، عندما انتشرت أخبار غير دقيقة عن تعطيل الدوام، أو تغيير جداول الامتحانات، أو استحداث أقسام جديدة، الأمر الذي دفع إدارات الجامعات إلى إصدار بيانات توضيحية بعد أن كانت الأخبار الكاذبة قد وصلت إلى آلاف الطلبة. ولو كانت قنوات الاتصال الرسمية أكثر سرعة وتفاعلًا، لما وجدت الشائعة هذه المساحة للانتشار. ولا يقتصر الأمر على المؤسسات الحكومية، فحتى الشركات الخاصة أصبحت عرضة للشائعات التي قد تمس سمعتها أو منتجاتها أو خدماتها. وقد أثبتت تجارب عالمية أن المؤسسة التي تتعامل مع الشائعة بالصمت، أو بالإنكار المتأخر، تدفع ثمنًا أكبر من المؤسسة التي تواجهها بالمعلومة الدقيقة والشفافية والسرعة.
وإن المشكلة لا تكمن في وجود الشائعات، فهي رافقت المجتمعات منذ القدم، وإنما في البيئة التي تسمح لها بالنمو. فكلما ضعفت الشفافية، وتأخر تدفق المعلومات الرسمية، ازدادت فرص انتشار الأخبار الكاذبة. ولهذا أصبحت سرعة الاتصال عنصرًا أساسيًا في نجاح العلاقات العامة، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، بل تملؤه الشائعات. وتشير منظمة اليونسكو إلى أن التربية الإعلامية والمعلوماتية أصبحت ضرورة لمواجهة المعلومات المضللة، لأن الجمهور الواعي هو خط الدفاع الأول أمام الشائعة، وليس المؤسسات وحدها. كما تؤكد التجارب الحديثة أن الاستثمار في بناء الوعي المجتمعي لا يقل أهمية عن الاستثمار في وسائل الاتصال نفسها.
وتتحمل وسائل الإعلام العراقية مسؤولية كبيرة في هذا الجانب. فالمنافسة على السبق الصحفي لا ينبغي أن تكون على حساب الدقة، لأن نقل خبر غير موثق قد يحول الوسيلة الإعلامية نفسها إلى أداة لنشر الشائعة بدل محاربتها. كما أن صانع المحتوى الرقمي مطالب بأن يدرك أن عدد المشاهدات لا يبرر نشر معلومات غير مؤكدة قد تثير البلبلة داخل المجتمع.
فإن العلاقات العامة مطالبة اليوم بأن تتجاوز دورها التقليدي في كتابة البيانات وتنظيم المؤتمرات، لتصبح مركزًا لإدارة المعلومات والأزمات. وهذا يتطلب وجود فرق متخصصة في الرصد الإلكتروني، ومتابعة ما يُنشر عن المؤسسة، والرد السريع بلغة واضحة ومقنعة، بدل الاكتفاء ببيانات رسمية تصل متأخرة.
كما ينبغي أن تبني المؤسسات العراقية قنوات تواصل مباشرة مع جمهورها، وأن تجعل صفحاتها الرسمية مصدرًا موثوقًا للمعلومة، بحيث يلجأ إليها المواطن قبل أن يصدق ما يتداوله الآخرون. فالثقة لا تُفرض بالقرارات، بل تُكتسب بالاستمرارية، والصدق، والشفافية.
لقد دخلت العلاقات العامة عصرًا جديدًا، لم تعد فيه المعركة على نشر الخبر فقط، بل على حماية الحقيقة نفسها. والمؤسسة التي تدرك أن كل دقيقة تأخير قد تمنح الشائعة آلاف المتابعين، ستكون أكثر استعدادًا لمواجهة الأزمات. أما المؤسسة التي تظن أن الصمت يطفئ الإشاعة، فإنها غالبًا تمنحها فرصة أكبر للانتشار.
في زمن الشائعات، لا ينتصر من يتحدث أكثر، بل من يتحدث أولًا، ويقدم الحقيقة كاملة، ويكسب ثقة جمهوره قبل أن تكسب الشائعة عقولهم. فالعلاقات العامة الناجحة لا تطارد الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، وإنما تبني بيئة من الثقة تجعل الحقيقة هي الخيار الأول الذي يبحث عنه الناس، لا الخبر المجهول الذي يمر عبر شاشة هاتف في لحظة عابرة.

قد يعجبك ايضا