محمد مراد فتاح
مرّت على شعبنا خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية أزمات وحروب وكوارث وأمراض وأوبئة كثيرة، وكانت كل أزمة منها تترك آثاراً مؤلمة في حياة الناس. غير أنني أرى أن أزمة البنزين كانت من أكثر الأزمات قسوة وإيلاماً، لأنها مست حياة المواطنين اليومية بصورة مباشرة، وأثّرت في تفاصيل معيشتهم وحركتهم وأعمالهم.
لقد عانى الجميع من هذه الأزمة، ولم تقتصر تداعياتها على فئة أو منطقة معينة. فقد انشغلت بها وسائل الإعلام والمعارضة الداخلية، كما كانت حاضرة بقوة في خطاب السلطة ومواقفها. وتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه «محطة بنزين» كبيرة، امتلأت بصور ومشاهد مئات، بل آلاف السيارات، وهي تصطف في طوابير طويلة أمام محطات الوقود وفي شوارع المدن، في مشاهد تعكس حجم الأزمة ومعاناة المواطنين.
وانتشر الازدحام والشعور بالضيق والقلق في معظم البيوت. الأطفال والشباب وكبار السن والنساء، الجميع أصبح يتحدث عن البنزين وأزمته. وكانت محطات الوقود تزدحم بالمواطنين الذين ينتظرون ساعات طويلة للحصول على حاجتهم من البنزين، في وقت لم يكن فيه الوقود يُوزَّع بصورة متساوية وعادلة على الجميع، الأمر الذي زاد من حالة الغضب والاستياء الشعبي.
وخلال فترة قصيرة، تحولت أزمة البنزين إلى أزمة كبيرة، وارتفعت أسعاره، فيما بدأت ثقة المواطنين بالقرارات والإجراءات المتعلقة بتوزيعه تتراجع تدريجياً.
فمرة قيل: «سنشتريه بالحصة»، ومرة أخرى قيل: «سنستخدم البطاقات»، ثم قيل: «انتهى الأمر، ولن تكون هناك أزمة بنزين بعد الآن». لكن تعدد التصريحات، من دون الوصول إلى حل واضح ومستدام، جعل المواطنين أكثر حيرة وقلقاً، وزاد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الأزمة.
وحتى اليوم، ما زلنا نشاهد بصورة يومية طوابير طويلة من السيارات أمام محطات الوقود. وهذه المشاهد لم تعد مجرد حالة ازدحام عابرة، بل أصبحت صورة متكررة لأزمة تحولت، للأسف، إلى جزء من الحياة اليومية للمواطنين.
وبرأيي، لا ينبغي أن يقتصر حل هذه الأزمة على زيادة كميات البنزين أو اتخاذ إجراءات مؤقتة تنتهي آثارها بعد فترة قصيرة. فالحل الحقيقي يحتاج إلى نظام واضح وعادل ومستدام. وإذا قامت الحكومة بتوحيد أنواع البنزين وأسعاره، ووزعته بصورة منتظمة ومتساوية على جميع محطات الوقود، فمن الممكن أن نخفف جزءاً كبيراً من هذه المشكلة.
فعندما يعرف المواطن أين يمكنه الحصول على البنزين، وبأي سعر، ويطمئن إلى أن النظام والقانون يطبّقان على الجميع دون استثناء، وأن أحداً لن يحصل على البنزين قبل غيره بسبب علاقاته أو نفوذه، فإن جزءاً مهماً من الثقة المفقودة يمكن أن يعود.
إن أزمة البنزين ليست مجرد أزمة سيارات ومحطات وقود، بل هي أيضاً أزمة ثقة. وإذا لم يكن الحل قائماً على العدالة والشفافية والمساواة، فإن المشكلة ستبقى قائمة حتى في حال توفر البنزين بكميات كافية؛ لأن المواطن لا يبحث عن الوقود فقط، وإنما يبحث أيضاً عن نظام واضح يشعر في ظله بالإنصاف والاطمئنان.
وما يريده الناس في النهاية بسيط جداً: أن يتوفر البنزين، وأن يكون سعره واضحاً ومعلناً، وأن يكون توزيعه عادلاً، وأن يستطيع المواطن الحصول عليه من دون معاناة، ومن دون أن يضطر إلى الوقوف لساعات طويلة في طوابير محطات الوقود.
وعندها فقط يمكننا أن نتخلص من أزمة البنزين، ومن تلك المشاهد المؤلمة لطوابير السيارات والازدحام أمام محطات الوقود. والأهم من ذلك كله، أن يشعر المواطن بأن هناك حلاً حقيقياً ومستداماً، وأن حياته اليومية لن تبقى رهينة لأزمة تتكرر من وقت إلى آخر.
إن إنهاء أزمة البنزين لا يعني فقط توفير الوقود، بل يعني أيضاً إعادة تنظيم آلية توزيعه، وترسيخ مبدأ العدالة والمساواة، واستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات والقرارات. وعندما تتحقق هذه العناصر، يمكن أن تتحول أزمة البنزين من مصدر دائم للقلق والمعاناة إلى ملف جرى التعامل معه بحل واضح وعادل