دستور الدولة لا دستور السلطة: حين يصبح السلام بوابةً لإعادة تشكيل المستقبل

د. دژوار سندي
أكاديمي ومتخصص في القانون

لم تعد التطورات المتسارعة في تركيا تُقرأ باعتبارها مجرد خطوة لإنهاء صراع مسلح استمر عقودا، بل بدأت تفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل النظام السياسي والدستوري، وبطبيعة المرحلة التي يمكن أن تدخلها البلاد بعد إغلاق صفحة الصراع المسلح.
ففي 10 آب/أغسطس 2026، أقرّ البرلمان التركي قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي، المعروف إعلاميا بإطار «قانون السلام»، بأغلبية واسعة. ويضع القانون إطارا قانونيا للتدابير التي يمكن اتخاذها بعد التحقق من انتهاء الوجود الفعلي لحزب العمال الكوردستاني وتسليم أسلحته، وفق الشروط التي حددها القانون.
قد يبدو الأمر في ظاهره قانونا لإنهاء ملف أمني مزمن. لكن إنهاء صراع بهذا الحجم لا يعني بالضرورة نهاية مرحلة، بل قد يكون بداية لمرحلة أخرى أكثر عمقا.
وهنا يبرز السؤال:
هل يصبح السلام في تركيا بوابة إلى دستور جديد، وإلى إعادة تشكيل أوسع للمشهد السياسي؟

من السلاح إلى السياسة

إن إنهاء الصراع المسلح يمثل تطورا مهما لتركيا والكورد والمنطقة. فالحرب الطويلة لم تكن مجرد مواجهة أمنية، بل تركت آثارا عميقة في السياسة والمجتمع والعلاقات بين الدولة والمواطن.
لكن السلام الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب السلاح، بل بمدى القدرة على الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه، ومن المنطق الأمني إلى المنطق السياسي، ومن التفاهمات المؤقتة إلى ضمانات قانونية ودستورية.
ولهذا فإن قانون السلام ينبغي ألا يكون نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة.
فالسؤال بعد نزع السلاح ليس فقط: ماذا سيحدث للمقاتلين؟
بل: ماذا سيحدث للدولة؟

عندما يصل السلام إلى الدستور

تركيا تعيش منذ سنوات نقاشا حول دستور جديد أو تعديلات دستورية واسعة. وإذا تزامن هذا المسار مع نهاية الصراع المسلح وإعادة ترتيب العلاقة بين أنقرة والقوى السياسية الكوردية، فإننا نكون أمام تحول يتجاوز الملف الأمني.
فالدستور ليس مجرد نص قانوني؛ إنه الإطار الذي يحدد طبيعة الدولة، والعلاقة بين المواطن والسلطة، وحدود ممارسة الحكم، وضمانات الحقوق والحريات، وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستكتب تركيا دستورا جديدا؟
بل:
أي تركيا سيكتبها هذا الدستور؟
هل سيكون دستورا أكثر ديمقراطية، يوسع الحقوق والحريات ويعزز استقلال القضاء والتوازن بين السلطات؟
هل سيعالج المسألة الكوردية باعتبارها قضية سياسية وحقوقية، لا مجرد ملف أمني؟
أم سيكون جديدا في النص، بينما تبقى قواعد اللعبة السياسية القديمة في الجوهر؟

أردوغان… السؤال الذي لا يمكن تجاهله

يصعب فصل النقاش الدستوري عن مستقبل الرئيس رجب طيب أردوغان.
فأردوغان يقترب من نهاية ولايته الحالية في 2028، فيما تفرض القواعد الدستورية القائمة قيودا على إعادة انتخابه، الأمر الذي يجعل أي محاولة للترشح مجددا مرتبطة بمسار دستوري أو انتخابي محدد.
ومن هنا يظهر سؤال سياسي حساس:
هل يكون الدستور الجديد مدخلا لإعادة تنظيم الدولة، أم يمكن أن يصبح أيضا وسيلة لإعادة تنظيم مستقبل السلطة؟
لا يوجد ما يثبت بصورة قاطعة أن قانون السلام أُقرّ بهدف تمكين أردوغان من الترشح لولاية جديدة. لكن تزامن النقاش حول السلام والدستور والانتخابات ومستقبل الرئاسة يجعل الربط بين هذه الملفات موضوعا مشروعا للتحليل السياسي.
وهنا تبرز أهمية القوى السياسية الكوردية، وفي مقدمتها حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM، في أي معادلة دستورية مقبلة.

الكورد… من السلام الأمني إلى السلام السياسي

بالنسبة إلى الكورد، فإن انتهاء الصراع المسلح لا ينبغي أن يكون الهدف النهائي.
فالقضية الكوردية أوسع من السلاح، وأعمق من التنظيمات المسلحة؛ إنها تتصل بالمواطنة والحقوق والحريات واللغة والتمثيل السياسي والمشاركة في إدارة الدولة.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لعملية السلام سيكون في قدرتها على الانتقال:
من نزع السلاح إلى ضمان الحقوق،
ومن التفاهمات الأمنية إلى التفاهمات السياسية،
ومن التهدئة إلى الضمانات الدستورية.
فإذا كان الكورد طرفا أساسيا في صناعة السلام، فمن الطبيعي أن يكونوا شركاء في صناعة المرحلة التي تأتي بعده، لا مجرد طرف مطلوب منه إنهاء الصراع.

دستور الدولة لا دستور السلطة

هنا تكمن المفارقة الأساسية. فالدستور الجديد يمكن أن يكون فرصة لبناء دولة أكثر ديمقراطية واستقرارا، لكنه يمكن أيضا أن يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب السلطة. والفارق ليس في عدد المواد، بل في الفلسفة التي يقوم عليها النص.
الدستور الذي يُكتب من أجل الأشخاص ينتهي بانتهاء الأشخاص، أما الدستور الذي يُكتب من أجل الدولة والمجتمع، فيبقى أقوى من الحكومات والأحزاب والرؤساء.

ولهذا فإن تركيا لا تحتاج فقط إلى دستور جديد، وإنما إلى فلسفة دستورية جديدة تقوم على التعددية، والمواطنة المتساوية، واستقلال المؤسسات، والتوازن بين السلطات، واحترام الحقوق والحريات.
فالسلام لا ينبغي أن يكون صفقة انتخابية، كما لا ينبغي أن يكون الدستور أداة انتخابية.
والمعيار الحقيقي بسيط:
ليس المهم فقط من يربح سياسيا من السلام، وإنما ماذا يربح المجتمع من السلام.

وماذا يعني ذلك لإقليم كوردستان؟

ما يحدث في تركيا لا يمكن أن يبقى شأنا تركيا داخليا.
فتركيا جزء أساسي من المعادلة السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة، وإقليم كوردستان يقع في قلب هذه الجغرافيا.
وأي نجاح حقيقي في إنهاء الصراع التركي ـ الكوردي يمكن أن ينعكس على العلاقات بين تركيا وإقليم كوردستان والعراق، وعلى الملفات المتعلقة بسوريا والأمن الإقليمي.
ولهذا فإن إقليم كوردستان معني بمتابعة هذا التحول بعين سياسية هادئة، والاستعداد لما قد ينتج عنه من فرص أو ترتيبات إقليمية جديدة.

عالم آخر؟

ربما لهذا السبب يصبح عنوان «دستور جديد… عالم آخر» أكثر من مجرد عنوان صحفي.
فالعالم الآخر الذي يمكن أن يولد من السلام ليس بالضرورة عالما جغرافيا مختلفا، بل عالم سياسي مختلف.
تركيا التي تخرج من صراع مسلح طويل ليست بالضرورة تركيا التي دخلت إليه. والكورد الذين يدخلون مرحلة السلام ليسوا أمام السؤال القديم نفسه. والدولة التي تتجه إلى دستور جديد لا ينبغي أن تبقى أسيرة المنطق السياسي القديم.
لكن الفرص التاريخية لا تتحول تلقائيا إلى نتائج تاريخية. إنها تحتاج إلى إرادة سياسية وضمانات قانونية وتوافق مجتمعي.
وفي مقدمة الأسئلة:
هل يكون السلام بداية لديمقراطية جديدة؟
وهل يكون الدستور الجديد عقدا سياسيا جديدا؟
وهل يكون الكورد شركاء في صناعة هذا العقد، لا مجرد طرف في إنهاء الحرب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يحدث في تركيا قد يكون بالفعل بداية لعالم سياسي آخر.
أما إذا انتهى الأمر إلى مجرد إعادة توزيع للسلطة، فإن التاريخ سيضع المسألة في خانة مختلفة.
فالسلام الحقيقي لا يعني فقط أن تتوقف البنادق.
السلام الحقيقي هو أن يبدأ الناس بعد توقف البنادق في بناء دولة لا يحتاجون فيها إلى العودة إليها.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيحدد قيمة المرحلة المقبلة ليس فقط: هل نجحت تركيا في صناعة السلام؟
بل:
هل تستطيع أن تجعل من السلام بوابة إلى دستور جديد… وإلى عالم سياسي آخر؟.

قد يعجبك ايضا