حين يمثل الجلاد أمام القضاء!

ماهين شيخاني

محمد منصورة ومحرقة سجن الحسكة: ماذا بقي خلف جدران الصمت؟

هناك لحظات لا تكون فيها المحاكمة مجرد محاكمة رجل. تتحول إلى محاكمة زمن كامل. زمن كانت فيه المخابرات أقوى من القانون، وكانت كلمة ضابط أمن قادرة على أن تُبقي إنساناً خلف القضبان أو تفتح أمامه باب الموت، وكان القاضي نفسه، في بعض الحالات، يعيش تحت ظل الخوف والتهديد.

واليوم، مع مثول “محمد منصورة”، الرئيس السابق لفرع الأمن العسكري، أمام القضاء، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ سوريا الحديث: (محرقة سجن الحسكة في الثالث والعشرين من آذار/مارس عام 1993). لكن القضية، بالنسبة إلى عائلات الضحايا ومن عرفوا تلك المرحلة، لا تتعلق بحريق داخل مهجع فقط. إنها تتعلق بسؤال أكبر:

ماذا حدث قبل الحريق؟ ومن خطط؟ ومن أمر؟ ومن نفذ؟ ومن كان يعلم؟ ولماذا بقيت الحقيقة مدفونة كل هذه السنوات؟

” من محاولة الدهس إلى زنزانة الموت”

تروي الشهادات المرتبطة بالقضية أن السيد “كمال فرحان” كان قد تعرض، عام 1991، لمحاولة اغتيال، حين كان يسير مع أحد سائقيه على أحد أرصفة مدينة اللاذقية. وبحسب الرواية التي تناقلها المقربون والعائلة، تعرض الرجل لعملية دهس بسيارة مرسيدس سوداء ذات زجاج معتم، قيل إنها كانت مرتبطة بالأمن العسكري، ما أدى إلى إصابته بكسور بالغة في أنحاء جسده. كانت تلك الحادثة، كما يراها من عرفوا تفاصيلها، أكثر من حادث عابر.

فبعد عامين فقط، وفي 23 آذار/مارس 1993، اندلع الحريق الذي التهم مهجعاً في سجن الحسكة، وأسفر عن مقتل عشرات السجناء، وكان من بينهم أفراد من عائلة فرحان.

لكن المأساة لم تتوقف عند رواية الحريق. فقد وردت، بحسب ما تنقله شهادات مرتبطة بالعائلة، معلومات تشير إلى أن الراحل كمال فرحان أصيب بطلق ناري في الرأس. وهنا يبدأ السؤال الذي لم يجد، حتى اليوم، إجابة شفافة وكاملة:

“كيف تحول حريق داخل مهجع إلى مأساة ذهب ضحيتها 63 سجيناً؟” وهل كان ما جرى مجرد حادث مأساوي، أم أن هناك ما يستحق التحقيق فيه أبعد من الرواية الرسمية التي قُدمت في ذلك الوقت؟

“حين يصبح القاضي خائفاً”

ربما تكون إحدى أكثر التفاصيل دلالة على طبيعة تلك المرحلة ما يتعلق بمحاولات عائلات المعتقلين ومحاميهم الحصول على إخلاء سبيل لبعض أفراد عائلة فرحان. بحسب الروايات المتداولة، تقدم محامو العائلة أكثر من مرة بطلبات لإخلاء سبيل المعتقلين أمام القاضي ” ……”.لا نود ذكر اسم القاضي لكن التوقيع لم يكن مجرد إجراء قانوني.كان، في ظل دولة الأجهزة الأمنية، يمكن أن يتحول إلى مخاطرة شخصية.

وتقول الرواية إن القاضي كان يخشى تهديدات رئيس فرع الأمن العسكري آنذاك، محمد منصورة، وأنه كان يتعرض لضغوط وصلت إلى حد التهديد بإرساله إلى السجن نفسه إذا وقّع على طلبات الإخلاء.

وسواء أكدت المحكمة هذه الروايات أو نفتها، فإن مجرد طرحها اليوم أمام القضاء يفتح الباب أمام سؤال بالغ الخطورة: “هل كان القضاء في ذلك الزمن قادراً فعلاً على اتخاذ قراراته باستقلالية، أم كان جزءاً من منظومة يعيش الجميع داخلها تحت سلطة الأجهزة الأمنية؟”

«أما أنا… أو هم»

ومن أكثر الروايات قسوة ما يرويه أبناء المنطقة عن وفد من مدينة الدرباسية توجه إلى قامشلو لمحاولة مقابلة محمد منصورة. كان من بين أعضاء الوفد، بحسب الرواية، المرحوم “محمد جان” والسيد ” عبد الرزاق العيسى” .

ذهب الوفد أكثر من مرة. وكان هدفهم واضحاً: السؤال عن مصير المعتقلين من عائلة فرحان. وبحسب ما يُروى، كان الوفد يقول: إن الشخص المتهم بقتل السيد سليمان موجود بين أيديكم ومسجون، أما الآخرون، فما ذنبهم؟ لماذا يبقون في السجن؟ لكن الجواب، كما تحفظه ذاكرة من نقلوا الواقعة، لم يكن جواب مسؤول في دولة يفترض أنها تحكم بالقانون.

كان جواباً يعكس لغة السلطة الأمنية في أكثر صورها قسوة وإهانة. وبألفاظ نابية ومهينة لا تصلح لإعادة نشرها كاملة، كان مضمون الرد أن القضية تحولت إلى “مواجهة شخصية وانتقام”، لا إلى ملف قانوني تحدده الأدلة والمحاكم.

هذه الرواية، إن ثبتت أمام القضاء، لا تتعلق بشخص واحد فقط. إنها تختصر مرحلة كاملة كان فيها المسؤول الأمني يشعر أن سلطته فوق السؤال، وأنه غير مضطر حتى إلى تبرير قراراته.

“من كان يحرك الخيوط؟”

لا يمكن، عند الحديث عن تلك المرحلة، فصل محمد منصورة عن المنظومة الأمنية والسياسية التي كانت تحكم سوريا. فالأجهزة الأمنية لم تكن جزرًا مستقلة. كانت جزءاً من هرم سلطة شديد المركزية، تتداخل فيه القيادة العسكرية والأمنية والسياسية.

وتشير روايات عديدة مرتبطة بالقضية إلى أن منصورة كان يحظى بدعم نافذ داخل المؤسسة الأمنية ” علي دوبا ” و ” باسل الأسد “، وأن أوامر الأجهزة لم تكن تصدر دائماً من مستوى الفرع المحلي.

كما تشير شهادات متداولة إلى زيارة ” باسل الأسد ” ومسؤولين كبار إلى محافظة الحسكة قبل الحادثة بأيام، وهي وقائع تحتاج اليوم إلى وضعها ضمن ملف تحقيق رسمي يستند إلى الوثائق وسجلات الزيارات والأوامر الأمنية. وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال: “من نفذ فقط؟” بل: “من أمر؟ ومن وافق؟ ومن كان يعلم؟ ومن حاول إخفاء الحقيقة؟” فالجرائم السياسية لا تنشأ دائماً من يد واحدة. أحياناً تكون هناك منظومة كاملة تجعل الجريمة ممكنة، ثم تحرس الصمت الذي يليها.

“هل كانت كوردية العائلة جزءاً من القضية؟”

بالنسبة إلى كثيرين ممن عرفوا عائلة فرحان، لم تكن القضية منفصلة عن هويتها وموقفها السياسي. فالسيد كمال فرحان كان معروفاً، بحسب الرواية التي يطرحها المقربون منه، بدعمه للقضية الكوردية وصلاته بالحركة السياسية الكوردية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني. وفي سوريا تلك المرحلة، لم تكن الهوية الكوردية مسألة ثقافية بريئة في نظر السلطة.

كان الكوردي يعيش تحت ظل سياسات طويلة من الإحصاء الاستثنائي، والحرمان من الجنسية، ومنع اللغة، والملاحقة السياسية، والحزام العربي، والاعتقالات. لهذا يحق للعائلة وللرأي العام الكوردي أن يطرحا السؤال:”هل كان الانتماء الكوردي والنشاط السياسي سبباً إضافياً في استهداف هذه العائلة؟” هذا سؤال لا ينبغي الإجابة عنه بالعاطفة أو الانتقام. بل بالوثائق. بملفات المخابرات. بسجلات الاعتقال. بتقارير السجون. بأسماء الضباط. وبشهادات من بقوا أحياء.

“محرقة الحسكة ليست مجرد ملف جنائي”

إن اختزال ما جرى في سجن الحسكة في عبارة «حريق أودى بحياة سجناء» هو، في نظر أسر الضحايا، اختزال لمأساة أكبر. لأن خلف كل قتيل اسماً. وخلف كل اسم عائلة. وخلف كل عائلة سنوات طويلة من الانتظار.

” ثلاثة وستون إنساناً لم يكونوا رقماً في تقرير.”

كان لكل واحد منهم أم تنتظر عودته. وزوجة تنتظر خبراً. وأطفال ربما كبروا وهم لا يعرفون الحقيقة الكاملة عن موت آبائهم. ولهذا فإن محاكمة أي مسؤول متهم بالارتباط بتلك المرحلة لا ينبغي أن تكون مجرد محطة قضائية عابرة. إنها فرصة لإعادة فتح الملفات التي أُغلقت بالقوة والخوف.

“من حق الضحايا أن يعرفوا”

لا نطالب بمحاكمة انتقامية. ولا نطالب بإدانة أحد قبل أن يقول القضاء كلمته. لكننا نطالب بما هو أبسط وأكثر عدالة: ((الحقيقة)). نطالب بفتح ملفات سجن الحسكة. نطالب بكشف سجلات الأمن العسكري. نطالب بمعرفة من كان مسؤولاً عن السجن. ومن أصدر الأوامر. ومن كان موجوداً في ذلك اليوم. وكيف أصيب بعض الضحايا. ولماذا كان مهجع محدد هو الذي تحول إلى مسرح للمأساة. ونطالب بالاستماع إلى:

1 الناجين.
2 عائلات الضحايا.
3 المحامين.
4 العاملين السابقين في السجن.
5 الضباط والمسؤولين الذين كانوا في مواقع القرار.
6 وكل من يملك معلومة يمكن أن تقود إلى الحقيقة.

“حين يأتي القضاء متأخراً”

لقد مرت أكثر من ثلاثة عقود. ثلاثة عقود عاش خلالها كثير من أهالي الضحايا بين الصمت والذاكرة والأسئلة. قد يتأخر القضاء.وقد تموت بعض الشهادات. وقد تضيع بعض الوثائق. لكن الحقيقة لا تفقد قيمتها لأنها تأخرت. بل ربما تصبح أكثر إلحاحاً.لأن العدالة ليست فقط معاقبة المذنب. العدالة أيضاً هي إعادة الاسم إلى الضحية. وإعادة الكرامة إلى العائلة. وإعادة الحقيقة إلى التاريخ.

“محاكمة رجل… أم محاكمة مرحلة؟”

محمد منصورة اليوم، بحسب ما يتردد حول محاكمته، لم يعد ذلك المسؤول الأمني الذي كان يمكن أن يخشاه الناس عند أبواب الفروع.

تبدلت الأحوال. وتغير الزمن. لكن الضحايا لم يتغيروا. إنهم ما زالوا في ذاكرة عائلاتهم. ولهذا فإن القضية أكبر من شخص. إنها اختبار حقيقي للقضاء وللدولة السورية الجديدة:

“هل نريد فعلاً طي صفحة الماضي؟”

فطي الصفحة لا يعني حرقها. ولا يعني تجاهل ما كُتب فيها. الصفحات السوداء لا تُطوى إلا بعد أن تُقرأ. والجرائم لا تُدفن إلا بعد أن تُكشف. والضحايا لا يرتاحون لأننا طلبنا منهم النسيان.

“الخاتمة: افتحوا الأبواب التي أُغلقت”

إن محاكمة محمد منصورة، أياً كانت نتائجها، يجب أن تكون بداية لا نهاية. بداية لكشف حقيقة ما جرى في سجن الحسكة. وبداية لفتح ملفات الاعتقال والتعذيب والاختفاء والقتل خارج إطار القانون. وبداية لمساءلة كل من تورط في تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للخوف والانتقام.

وبالنسبة إلى الكورد، فإن كشف الحقيقة لا يتعلق فقط بمأساة عائلة فرحان، بل بتاريخ طويل من القمع الذي تعرض له أفراد وأحزاب وعائلات كاملة بسبب هويتهم وانتمائهم السياسي.

لقد آن الأوان لكي تُفتح الملفات. وأن تُسمع شهادات الذين صمتوا خوفاً. وأن يتحدث الناجون. وأن تُعرض الوثائق. وأن يقول القضاء كلمته. “لا من أجل الانتقام من الماضي، بل لكي لا يعود الماضي.” فحين يقف من كان يوماً رمزاً للخوف أمام القضاء، لا ينبغي أن نسأل فقط: “ماذا سيفعل القضاء بمحمد منصورة؟” بل ينبغي أن نسأل السؤال الأكبر:

“هل ستكون هذه المحاكمة بداية الحقيقة بالنسبة إلى ضحايا محرقة سجن الحسكة وكل من ابتلعتهم أقبية الأجهزة الأمنية؟” لأن الشعوب لا تبني مستقبلها على النسيان.

قد يعجبك ايضا