محمد محضار: بوزنيقة
تبدأ القصة من ساحة جامع الفنا، الوقت أصيل والشمس قد بدأت تتشح بلون الاصفرار فتصبغ السماء بلون ذهبي يتماهى مع سحر المكان. كان قد ركن سيارته بعيداً عن زحام الساحة، واختار المشي بتؤدة وتأنٍّ حتى وجد نفسه بين جموع متدفقة في اتجاهات متعددة، وأخرى مجتمعة في زمر حول حلقات مروضي الأفاعي، والبهلوانيين، والحكواتيين، والمغنين الشعبيين، في حين اختار آخرون الجلوس إلى طاولات المطاعم ومحلات العصائر، إما لتناول وجبات تقليدية أو شرب عصائر متنوعة. اختار هو في البدء شرب عصير “زعزع”، ثم انضم إلى لمة كانت ملتئمة حول حكواتي مراكشي معروف بسرده الذي يشد الانتباه ويحفز على التتبع. أدرك اللمة والحكواتي قد بدأ قصة “التاعس والناعس” مستعملاً كل وسائل التشويق التي خبّرَها، وتقنيات الحكي المتاحة لشد انتباه الحضور. اندمج في جو الحكاية، ولم يتأخر في نفح الحكواتي ببعض الدراهم كلما توقف ليطلب من المستمعين دعمه بما يستطيعون .
أنهى الحكواتي الحكاية الأولى، وبدأ حكاية ثانية، فانسحب بهدوء واختار التجوال في أحضان الساحة؛ الناس في حلّ وترحال، وهو منصهر بينهم يحاول أن يتبيّن محله من الإعراب في زمن ضاع فيه المبنى وغاب المعنى.
المد الزمني طوى أكثر من أربعين سنة، وخلايا دماغه الرمادية والبيضاء تبعث الحياة في ذكرياته على شكل تجليات ذهنية، تشرق بصور متناسقة ومتوالية. كان شاباً وسيماً عندما التحق بكلية العلوم بالسملالية، وكانت له تطلعات وأحلام، ولكن هذا لم يمنعه من البحث عن اكتشاف ذاته، وفي الوقت نفسه اكتشاف الزمن المراكشي وسياقات فضائه. كانت وسيلته في ذلك الإبان دراجة عادية، ينطلق بها من الوحدة الرابعة في حي الداوديات، قاطعاً شارع علال الفاسي حتى يصل إلى باب دكالة، ثم يعبر رياض العروس، حيث كان يجد متعة في اختراق الأزقة الضيقة والاستمتاع برائحة التوابل والجلد، وكذلك الاستماع لأصوات الحرفيين التقليديين وهم يشتغلون داخل محلاتهم، والتجار وهم يعرضون سلعهم على السياح الباحثين عن تحف وتذكارات ترافقهم في رحلة العودة إلى بلدانهم..
الزمن المراكشي غيّر الكثير من سلوكياته؛ إذ ذاق لأول مرة سحر الحب ومتعة
اكتشاف الجنس الآخر.
بدأ مغامراته بهدوء وسكينة، وكانت فتاته الأولى حسناء سمراء تعمل بنادي البحر الأبيض المتوسط، لا يزال إلى اليوم يذكر تجربته الأولى معها، والتي زرعت الثقة في نفسه وجعلته يحس بأنه دخل مرحلة جديدة من حياته. في ذلك اليوم، لم تستطع الدنيا أن تسعه وتسع أحلامه وتطلعاته؛ فقد أوصلته الحسناء السمراء إلى أقصى درجات الانتشاء والوجد، فقد استأجر “عربة كوتشي”” وطلب من الحوذي أن يجوب به شوارع مراكش تحت ضوء القمر المكتمل، لينعم بسحر المناظر، ويستمتع بإيقاع حوافر الخيل على الإسفلت كانت هذه البداية
والبقية تأتي …
توالت تجاربه العاطفية بشكل مطّرد؛ إذ عرف في مرحلة معينة شابة فرنسية تدعى “باسكال” قضت معه أكثر من شهرين، سافرا معاً وعاشا حياة بوهيمية في أحضان مدينة الصويرة الساحرة، واقترحت عليه الهجرة بصحبتها إلى فرنسا لكنه رفض؛ بسبب تعلقه الشديد بوالدته. ثم اقتحمت عالمه فجأة فتاة من جمهورية إفريقيا الوسطى تدعى “كوطو”، كانت ذات سمرة خارقة وتتمتع بجسد منحوت بإزميل فنان عبقري، وكأنها تمثال إغريقي ينبض بالحياة، فتعلق بها بجنون وانبهار، وأفسح لها المجال لتسيطر على كيانه، وتؤثث زمنه طيلة فترة تدريبها القصيرة
بمدرسة الطيران.
لكن الفتاة التي أحبها بصدق، وعاش معها أياماً لا تُنسى، كانت هي “لطيفة بنور الصنهاجي”؛ كانت فتاة عذبة المعشر، رقيقة الإحساس، ذات جمال بريء ولطف آسر. ومن سوء حظه أنه عرفها خلال السنة الأخيرة من دراسته؛ لم تكن علاقته بها مجرد عاصفة عابرة، بل كانت ملاذاً آمناً لقلبه. تقاسما معاً تفاصيل الزمن المراكشي بوعي مغاير، ولأول مرة اكتشف الحب الشامل الذي يتجاوز رغبات الجسد إلى إشباع الروح وسمو النفس.
وعندما تقطعت بهما السبل، وشاء القدر أن يحكم عليهما بالتنائي والبعاد، قالت له: “أرجو أن تذكرني ولا تنساني “-
أُرسِلَ للعمل في الشمال الشرقي للمملكة لقضاء سنوات الخدمة المدنية، فاستهلكته الأيام في تفاصيل لا حدود لها، وانهمك في غمارها دون أن يهتم بالترتيبات التي تختزنها له الظروف.
نحن مسيّرون.. ولا نملك مصائرنا بين أيدينا، فقد تظهر على حين غرة نقطة تَحَوّلٍ تُغيّر المسار نحو اتجاه آخر.
ترجّل دون مقدمات من على صهوة الماضي، وانفتحت عيناه من جديد على أجواء الساحة وتجلياتها؛ فانتقل من حلقة الحكواتي إلى حلقة مُروض الأفاعي، الذي ما إن رآه يتوقف أمامه حتى أسرع يحيط عنقه بثعبان مُبرقش اللون، وهو يهتف به: “الله أكبر… الشرفاء المباركون سيماهم على وجوههم ظاهرة”
لَعنَ الرجلُ في سرّه وهو يستسلم لفزع شديد يسري في جسده، لكنه تحامل على نفسه وقال بصوت تشوبه نبرة خوف: “أرجو أن تزيح عني هذا الشريف.. وسأعطيك ما يرضيك”. ابتسم المروض وقال: “لا تخف يا أستاذ، أنت شريف، ووجهك السمح يشهد أنك من أولياء الله، بإمكانك أن تزيح الثعبان عن عنقك بنفسك”.
نفح الرجلُ المروضَ خمسين درهماً، ثم مدّ يديه مزيحاً عن عنقه الثعبان، ويبدو أنه صدّق – في تلك اللحظة – أنه وليّ من أولياء الله..
مرّت نسمة ريح طيبة حملت إليه روائح الأكلات التي تعرضها المطاعم المتراصة في الساحة، فشعر برغبة قوية في تناول وجبة تسكت عصافير بطنه المتوثبة. الزمن المراكشي يشهد أنه كان من عشاق أكلات الساحة إبان سنوات دراسته؛ فهو يتذكر وجبات مثل: “الكرعين” بالحمص، ورؤوس الخرفان المبخرة، و”التقلية” المتكونة من السقط واللفت المحفور، والشواء، و”الطنجية”…
قادته قدماه إلى مطعم يقدم الطنجية المراكشية، فأكل بنهم شديد؛ كان مذاق لحم الضأن لذيذاً ببهارات جعلت نكهته طيبة ومحببة، وكان في الوقت نفسه يرتشف من كأس الشاي بالنعناع وعلامات الرضا تبدو عليه.
سأل صاحب المطعم – وكان كهلاً تجاوز الستين – عن المعلم “مولاي أحمد باولو”، فابتسم صاحب المطعم وقال: “مولاي أحمد توفي إلى رحمة الله منذ مدة، إنك تذكرني بزمن عايشة ريال”.
فعلاً، هو زمن “عايشة ريال” ، تلك السيدة التي كانت تصر على صدقة بريال واحد لا غير، وزمن مولاي أحمد باولو الذي كان يبيع “النصيص” بدرهمين
“الرّْبَيّع” بدرهم واحد، وكان هو يشتري باستمرار “نصيصاً” مليئاً بلحم لم يكن يعرف مصدره؛ قيل إنه لحم قفا الجمل، لكن العلم عند الله، المهم أنه كان لذيذاً ويشبع نهمه. تجاوز الذكرى، وتابع الأكل وهو يرقب بنظراته المارّة يتدفقون في اتجاهات متباينة .
استقبلته نسمة هواء منعشة، وسرت في جسمه رعشة انتشاء: “جميل أن يوقظ فيك وهج الحاضر إشراقات الماضي المتواري، ويعيد الحياة لتجلياته لتصبح مصابيح تجلو عتمة تراكمات السنين ”
الزمن المراكشي يشهد أيضاً أن تلك السنوات الأربع التي عاشها بين ظهراني المدينة وفي أحضان الحرم الجامعي، شهدت أحداثاً ووقائع أصبحت فيما بعد تاريخاً مؤرشَفاً :
سنة 1981م: -إضراب عام دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وأحداث خطيرة في كل مدن المغرب.
سنة 1982م: -استقبل الملك الحسن الثاني ملكة بريطانيا (إليزابيث الثانية) بمراكش، وأقام لها حفلاً بهيجاً بمنطقة “آيت أورير””.
سنة 1983م: -استقبل الملك الحسن الثاني رئيس فرنسا فرنسوا ميتران، وفي اليوم نفسه تعرض الجنرال أحمد الدليمي لحادث سير خطير في مراكش انتهى بمصرعه.
سنة 1984م: -إضراب عنيف بمراكش وبمدن مغربية أخرى بسبب الزيادة في ثمن الخبز (انتفاضة الخبز)
هذه الأحداث عاشها قلباً وقالباً، لكنها لم تكن مؤثرة على حياته الدراسية أو الاجتماعية؛ لأنه كان في أوج العنفوان، وكان مندفعاً ولديه رغبة عارمة لاكتشاف مباهج الحياة التي وُجدت لترضي غرور الشباب وتطفئ جذوة الشهوة البكر المشتعلة في جسده .
في تلك الآونة، جمعته صداقة مع شاب من مدينة وادي زم يكبره بعشرة أعوام، كان يقضي فترة الخدمة المدنية كمتصرف في العمالة.
كان هذا الصديق هو من فتح عينيه على فضاءات السهر وعوالم الليل الخفية، ومن الأماكن التي دأب على زيارتها بمعيته فندق النفيس، ومرقص “تياترو بكازينو السعدي”
الزمن المراكشي يأبى إلا أن يُذكره بالصدمة القوية التي عاشها، وهو الفتى الغر الذي يقتحم عالم الليل والسهر لأول مرة في حياته؛ إذ اكتشف أن العلبة الليلية لفندق النفيس عالم قائم بذاته، ينفصل تماماً عن وقار المدينة الخارجي؛ فالأضواء كانت خافتة تميل إلى الحمرة والزرقة الشاحبة، وتنعكس في خيالات متراقصة على جدران مبطنة بالمخمل الداكن .
انصهر صديقه المتصرف سريعاً في الأجواء، بينما وقف هو لثوانٍ يتأمل المشهد؛ الموسيقى الصاخبة تنبعث من مكبرات صوت ضخمة يتردد صداها في الصدور متناغمة مع قرع الطبول العنيف. وعلى منصة الرقص المضاءة، تمايلت الأجساد في غمرة من الانتشاء غير آبهة بالزمن، وكان دخان السجائر المتصاعد يشكل غلالة ضبابية تسبح تحت السقف الرمادي، لتُضفي على الوجوه ملامح غامضة شبه سريالية.
في تلك الليلة الباردة من ليالي شهر دجنبر، جلسا إلى طاولة خشبية دائرية في زاوية نصف مظلمة، وكان النادل بربطة عنقه السوداء يتحرك بخفة بين الطاولات المزدحمة. هناك، خلف كؤوس زجاجية تلمع تحت ومضات الضوء المتقطع، تلاشت الفوارق بين الموظف الغارق في رتابة يومه، ورجل الأعمال المنقب عن لحظة متعة عابرة، والطالب الجامعي الباحث عن ذاته؛ فقد كانت تلك العلبة ملاذاً يسرقون فيه برهات من الصخب الخالص، قبل أن تشرق شمس مراكش لتعيد كل شيء إلى حالة الانضباط.
تجوَّل طويلاً في رحاب الساحة، ثم انعطف نحو “سوق السمارين”؛ سرقت أنظاره واجهاتُ المحلات التجارية التي تعرض المنتوجات الجلدية، والألبسة التقليدية، والسجاد الفاخر، وتحف خشب العرعر. كانت خطواته متراصة، وفي الوقت نفسه ترسم له مساراً يضج بالذكريات؛ المكان تغير والزمن بدَّل جلده، لكن نفحات الماضي تشهد له بأنه جاور الفضاء وعاش بين أجوائه. سرقه ممر فرعي قاده إلى “درب ضباشي”، حيث لا تزال اللمسة الشعبية حاضرة، ومحلات بيع العصائر والمأكولات الخفيفة لم تتغير كثيراً .
تابع السير حتى وجد نفسه من جديد في الساحة، فداهمته فجأة فكرة التوجه نحو “قصر الباهية” و”دار سي سعيد”. استقبل اتجاه “رياض الزيتون” ثم مشى بخطوات واثقة بين بازارات الشارع رغم شعوره بالتعب. فجأة، رنّ جرس هاتفه الذكي، نظر إلى الشاشة ثم رد على المكالمة:
• أهلاً.. هل تأخرتُ عليكِ؟
-كثيراً يا حبيبي! اتفقنا على أن تمرّ عليّ بعد ساعتين، وها قد مرت الآن أربع ساعات ولم تحضر .
-يبدو أنني نسيت نفسي وسرقني سحر الساحة وجماليتها، عشت ذكريات الماضي بكل حذافيرها.
-يبدو أن هوسك الدائم بالفضاءات يسيطر على تفكيرك، وشغفك الكبير بالماضي لا يتوقف عند حدود المعقول.
-نصف ساعة يا سيدتي وأكون عندكِ، بلّغي تحياتي لأختكِ
غادر الساحة على وجه السرعة في اتجاه سيارته، مستغرقاً رُبع ساعة من الهرولة قبل الوصول. امتطى السيارة، أدار المحرك، ثم ضغط على دواسة البنزين.
كان قد ترك زوجته في زيارة خاصة لشقيقتها بعد قطيعة طويلة بينهما بسبب مشاكل الإرث، وكان قد نجح هو وعديله في ردم الهوة التي كانت بينهما، وتقريب وجهات النظر، ودفعهما للصلح وإنهاء الخلاف.
قطع شارع مولاي إسماعيل في اتجاه شارع الموحدين، ومرّ بالقرب من صومعة الكتبية، ثم انعطف نحو شارع محمد الخامس، لينقلب يساراً نحو شارع مولاي رشيد، ثم واصل السير حتى شارع المنارة، وانعطف فيما بعد يميناً نحو شارع الإخاء” الذي قاده مباشرة نحو “حي الإنارة”.”
توقف أمام فيلا صغيرة طُلي السور المحيط بها باللون الأحمر المائل إلى حمرة الغروب، وقد برزت عبر سطحه أفنان أشجار الرَّنْج “الزنبوع” المتدلية نحو الخارج. ضغط على منبه السيارة، فخرجت سيدة تجاوزت الخمسين من عمرها، وقد بدت في كامل أناقتها وزينتها، وكان محياها يبدو طلقاً وملامح وجهها تشي بجمال صارخ كانت تتمتع به في شبابها. نزل من السيارة وفتح لها الباب وقال:
-تفضلي يا لطيفة الشمائل
ابتسمت وقالت:
-أخاف كثيراً من تقريظك الزائد
هتف بصوت قوي:
-هل تصدقين أن زواجي بكِ كان حلماً وتحقق بعد عشر سنوات من الفراق؟ ولولا الصدفة السعيدة ما كنا لنلتقي… وأين؟! خارج الوطن وفي أرض الغربة .
ردت بصوت ساخر:
-هذا الحدث أصبح اليوم مجرد ذكرى، وزواجنا تجاوز اليوم الثلاثين سنة …
قاطعها بصوت جازم:
-ذكرى يصعب طيها يا “لطيفة بنور الصنهاجي