السيد محمد أمين الصافي.. عالمٌ حمل رسالة العلم والأدب والجهاد

محمد علي محيي الدين

يمثل السيد محمد أمين بن علي الموسوي النجفي، المعروف بآل الصافي، واحداً من الشخصيات العلمية التي جمعت بين الفقه والأدب والعمل الاجتماعي، فكان من أبناء النجف الأشرف الذين لم يكتفوا بالتفوق في ميادين الدرس الحوزوي، بل شاركوا في صناعة الوعي الوطني والثقافي، وأسهموا في بناء الحياة العلمية داخل العراق وخارجه. وقد تميزت سيرته بتنوع عطائه؛ فهو فقيه مجاز، وأديب له صلة وثيقة بالمجالس الأدبية، ومشارك في الأحداث الوطنية، ثم قاضٍ مارس مسؤوليته الشرعية في البحرين، قبل أن يعود إلى النجف ليختم فيها رحلة حافلة بالعلم والخدمة.

Screenshot

وُلد السيد محمد أمين الصافي في النجف الأشرف سنة 1320هـ، ونشأ في أسرة موسوية عريقة عرفت بالفضل والعلم. وكانت النجف في تلك الحقبة تمثل ملتقى المدارس الفكرية والأدبية، فشبّ في بيئة تجمع بين حلقات الفقه والأصول، ومنتديات الشعر والأدب، الأمر الذي انعكس على تكوينه العلمي والثقافي منذ سنواته الأولى.
بدأ دراسته بتلقي العلوم العربية على السيد باقر القزويني، الذي أسهم في ترسيخ ملكته اللغوية والأدبية، ثم انتقل إلى دراسة السطوح العالية على السيد محمد تقي البغدادي، والشيخ محمد حسين الشيرازي، قبل أن يلتحق بحلقات البحث الخارج، حيث نهل من علوم ثلاثة من أعلام الحوزة في عصرهم: شيخ الشريعة الأصفهاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والسيد أبي الحسن الأصفهاني. وقد أتاح له هذا التنوع في الأساتذة أن يجمع بين دقة المنهج الأصولي، وسعة الأفق الفقهي، والاستقلال في النظر، حتى غدا من العلماء المعروفين في أوساط الحوزة.
ولم يكن السيد الصافي من أولئك الذين حصروا اهتمامهم في الدرس التقليدي، بل وجد في الأدب مكملاً للمعرفة الشرعية، فكان من رواد النوادي الأدبية في النجف، وشارك في نشاطها الثقافي، ونظم الشعر، وأقبل على القراءة والكتابة، فامتزج في شخصيته الحس الأدبي بالعقلية الفقهية، وهي سمة طبعت كثيراً من علماء النجف الذين رأوا في الأدب وسيلة لتقويم الذوق وتجويد البيان.
كما ارتبط اسمه بواحدة من أهم المحطات الوطنية في تاريخ العراق الحديث، إذ كان من العلماء الذين أسهموا في ثورة العشرين، وشارك في فعالياتها ضمن المجموعة التي كان يقودها السيد أبو القاسم الكاشاني. ولم تكن هذه المشاركة حدثاً عابراً في سيرته، بل تعبيراً عن الدور الذي اضطلع به علماء النجف في الدفاع عن استقلال البلاد، وإسناد الحركة الوطنية، حيث امتزج الواجب الديني بالمسؤولية الوطنية في مواقفهم خلال تلك المرحلة المفصلية.
وقد نال السيد محمد أمين الصافي مرتبة الاجتهاد، وأجيز بها من أستاذيه الكبيرين الشيخ محمد حسين النائيني والسيد أبي الحسن الأصفهاني، وهو ما يدل على بلوغه مرتبة علمية رفيعة في الفقه والأصول. كما تشرف بالإجازة في الرواية عن شيخ المحققين الشيخ آغا بزرك الطهراني، فاجتمع له سند الفتوى وسند الرواية، وهو أمر كان يحظى بعناية خاصة في الأوساط العلمية، لما يمثله من امتداد للتراث العلمي عبر الأجيال.
وفي مرحلة لاحقة من حياته انتقل إلى البحرين، حيث تولى منصب القضاء الشرعي سنوات طويلة، فكان حضوره هناك امتداداً للدور الذي اضطلع به علماء النجف في رفد المجتمعات الإسلامية بالكفاءات العلمية والقضائية. وقد عُرف في أثناء عمله بالنزاهة وسعة الاطلاع، وأسهم في خدمة المجتمع البحريني من خلال الفصل في الخصومات، والإرشاد الديني، ونشر الثقافة الشرعية. ثم عاد إلى النجف الأشرف بعد سنوات من الغربة، ليستأنف نشاطه في التدريس والإفادة، وليظل قريباً من الوسط العلمي حتى آخر أيام حياته.
أما نتاجه العلمي، فيكشف عن اهتمام متنوع بالتاريخ والفقه والعقيدة والأدب. فمن آثاره المخطوطة كتاب «الوجيز في تراجم آل السيد عبد العزيز»، الذي يعكس عنايته بالتراجم والأنساب، وحاشية على «العروة الوثقى»، وهي من الأعمال الفقهية التي تدل على اهتمامه بالبحث الاستدلالي، ومنظومة «وحي الأمين» في أحكام الصلاة مع شرحها، وكتاب «آيات التوحيد» في العقيدة، فضلاً عن مقالة تناولت ثورة النجف ونشرتها مجلة الرابطة الأدبية، إضافة إلى ديوان شعري صغير بقي مخطوطاً، يشهد على استمرار صلته بالشعر والأدب إلى جانب اشتغاله بالفقه والقضاء.
توفي السيد محمد أمين الصافي في النجف الأشرف في الثامن من شهر شوال سنة 1393هـ، ودُفن في مقبرة أخيه السيد محمد رضا الصافي، بعد حياة امتدت أكثر من سبعة عقود، تنقل خلالها بين ميادين العلم، والقضاء، والأدب، والعمل الوطني. وقد ترك وراءه صورة العالم الذي لم يعش منعزلاً عن مجتمعه، بل جمع بين التدريس، والمشاركة في القضايا العامة، والإنتاج الفكري، فكان مثالاً لعلماء النجف الذين أسهموا في صياغة الحياة العلمية والثقافية في العراق وخارجه.
وقد استندت هذه الترجمة إلى ما ورد في «طبقات أعلام الشيعة» (ج1، ص262)، وهو المصدر الرئيس الذي وثّق مراحل حياة السيد محمد أمين الصافي، وسجل شيوخه، وإجازاته، وآثاره العلمية، ومشاركته في الحركة الوطنية، وهي معلومات تتكامل لتقدم صورة واضحة عن مكانته بين علماء النجف في القرن الرابع عشر الهجري.

قد يعجبك ايضا