مهدي كلي
كوردستان ليست ساحةً للابتزاز السياسي لم يعد من الممكن التعامل مع بعض المواقف الصادرة عن شخصيات سياسية وبرلمانية في بغداد باعتبارها مجرد (اختلاف في وجهات النظر). فما قيل ويقال بشأن إقليم كوردستان وحقوق شعبه يكشف، بكل وضوح، أن هناك من لا يزال يعيش بعقلية سياسية تنتمي إلى زمن مضى، زمن كانت فيه الدولة تُدار بمنطق الغالب والمغلوب، وليس بمنطق الشراكة والدستور والمواطنة.
لقد سقطت الأقنعة، وظهرت حقيقة الخطاب الذي حاول أصحابه لسنوات أن يقدموه على أنه خطاب وطني جامع. وعندما يتعلق الأمر بحقوق الشعب الكوردي، سرعان ما تتراجع شعارات الوحدة والشراكة والمواطنة، ويظهر خطاب آخر يحمل في داخله نزعة إقصائية وشوفينية لا تختلف في جوهرها عن العقليات التي دفعت العراق، في مراحل سابقة، إلى الكوارث والصراعات ٫ إن المشكلة ليست في أن يختلف السياسي العراقي مع حكومة إقليم كوردستان؛ فالاختلاف حق مشروع، والنقد السياسي حق لا خلاف عليه. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف مع حكومة أو حزب إلى عداء لحقوق شعب، وعندما يصبح الدستور خاضعاً للمزاج السياسي، وعندما تُعامل حقوق إقليم كوردستان وكأنها امتيازات يمكن سحبها بقرار سياسي أو تهديد برلماني.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
حقوق الشعب الكوردي ليست منّة من بغداد، وليست هبة من أي حزب أو كتلة سياسية، وليست ورقة تفاوضية في بازار السياسة العراقية. إنها حقوق سياسية ودستورية وتاريخية، لا يستطيع أحد أن يمحوها بخطاب متشنج أو موقف برلماني أو حملة إعلامية.
من حق الاختلاف إلى عقلية الإلغاء
من الطبيعي أن تختلف بغداد وأربيل حول النفط والغاز والموازنة والصلاحيات والإدارة والمناطق المتنازع عليها. لكن الاختلاف بين المؤسسات يمكن أن يُحل بالحوار والدستور والقانون . أما أن تتحول كل مشكلة مالية إلى عقوبة جماعية، وكل خلاف سياسي إلى اتهام بالخيانة، وكل مطالبة بحق دستوري إلى محاولة لتقسيم العراق، فذلك ليس خلافاً سياسياً، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين مكونات الدولة بمنطق القوة . وهذا تحديداً ما يجب رفضه . فالكورد ليسوا ضيوفاً في العراق حتى يُسمح لهم بحقوقهم متى شاءت بغداد، وليسوا مكوّناً طارئاً يمكن تجاهل إرادته عندما تتغير موازين القوى . إن الشعب الكوردي جزء أصيل من العراق، وله حقوقه وهويته وتاريخه ومؤسساته، وقد دفع ثمناً باهظاً من أجل الوصول إلى المرحلة التي أصبح فيها الاعتراف بكيانه وحقوقه جزءاً من البناء الدستوري للعراق . هل يريدون عراقاً جديداً أم عراق الماضي؟. السؤال الذي يجب أن يُطرح على أصحاب الخطاب الشوفيني هو:
أي عراق تريدون؟
هل تريدون عراقاً اتحادياً ديمقراطياً يعترف بتعدده القومي والمذهبي والديني والسياسي؟
أم تريدون عراقاً مركزياً يعيد إنتاج عقلية الماضي، حيث تكون إرادة المركز فوق إرادة الجميع؟
لا يمكن الجمع بين الاثنين.
لا يمكن أن نتحدث عن عراق ديمقراطي ثم نرفض حقوق مكوّن أساسي فيه.
ولا يمكن أن نتحدث عن الدستور ثم نختار منه ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا.
ولا يمكن أن نرفع شعار الوحدة الوطنية، بينما نمارس خطاباً يزرع الكراهية بين أبناء الوطن الواحد . الوحدة لا تُبنى بالقوة، ولا تُفرض بالتهديد، ولا تُحفظ بإضعاف طرف لحساب طرف آخر. الوحدة تُبنى بالعدالة.
التاريخ لا يسمح لكم بإعادة التجربة
على من يتعامل مع القضية الكوردية بخفة سياسية أن يتذكر التاريخ قبل أن يرفع صوته.
هذا الشعب عاش عقوداً من القمع والتهجير والأنفال والقصف الكيميائي ومحاولات طمس الهوية وتغيير التركيبة السكانية.
ومع ذلك، لم تختفِ القضية الكوردية.
لم تستطع الأنظمة السابقة القضاء عليها، ولن تستطيع التصريحات المتشنجة أو المواقف البرلمانية المتعصبة القضاء عليها اليوم.
والذين يعتقدون أن قوة الدولة تعني إخضاع كوردستان، عليهم أن يتعلموا من التاريخ أن الإكراه لم يصنع استقراراً في العراق، وأن سياسة فرض الأمر الواقع لم تنتج إلا مزيداً من الدماء والانقسامات.
كوردستان ليست عدواً للعراق
وهنا يجب تصحيح مفهوم خطير.
إقليم كوردستان ليس دولةً معادية للعراق، وليس مشروعاً غريباً عن العراق، وليس عبئاً على الدولة العراقية.
إنه جزء من العراق وفق الإطار الدستوري القائم . ومن يريد عراقاً قوياً عليه أن يتعامل مع كوردستان باعتبارها شريكاً، لا باعتبارها خصماً . أما محاولة إضعاف الإقليم اقتصادياً وسياسياً، أو استخدام الموازنة والرواتب وحقوق المواطنين كسلاح في الصراع السياسي، فلن تجعل العراق أقوى، بل ستعمّق أزمة الثقة وتفتح أبواباً جديدة للصراع.
إلى الشوفينيين في البرلمان العراقي
إن كنتم تختلفون مع حكومة إقليم كوردستان، فانتقدوا الحكومة.
إن كنتم تختلفون مع حزب كوردي، فناقشوا الحزب . إن كنتم تعترضون على سياسة معينة، فقدموا بديلاً سياسياً.
لكن لا تجعلوا من الشعب الكوردي كله خصماً لكم. ولا تستخدموا البرلمان منصةً لبث خطاب قومي متشنج. فالبرلمان العراقي ليس ملكاً لقومية ضد أخرى، وليس ساحةً لتصفية الحسابات التاريخية، وإنما هو مؤسسة دستورية يفترض أن تمثل جميع العراقيين.
ومن يجلس تحت قبة البرلمان عليه أن يدرك أن الكلمة التي يقولها ليست مجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إنها مسؤولية سياسية وتاريخية، وقد تترك آثاراً تتجاوز اللحظة التي قيلت فيها.
كوردستان خط أحمر نعم، كوردستان خط أحمر . لكن هذا الخط الأحمر لا يعني التهديد ولا يعني رفض الحوار.
إنه يعني أن حقوق شعب كوردستان ليست مجالاً للعبث. يعني أن الدستور ليس قائمةً انتقائية. يعني أن الشراكة ليست موسمية.
يعني أن كرامة شعب كامل ليست مادة للمزايدات الانتخابية . ويعني قبل كل شيء أن أي محاولة لإعادة إنتاج عقلية الإلغاء والتهميش ستواجه برفض سياسي وشعبي واسع، وبموقف كوردي أكثر وضوحاً وتمسكاً بالحقوق .. لقد انتهى زمن الخوف.
وانتهى زمن اعتبار الصمت قبولاً.
وانتهى زمن الاعتقاد بأن كوردستان يمكن أن تُدار من بغداد بعقلية الأوامر.
الرسالة الأخيرة إلى من كشف اليوم عن موقفه الحقيقي: لا تراهنوا على الانقسامات الداخلية. لا ترا