يجب الرجوع إلى (VAR) السياسية

أمجد عبد الكريم

في كرة القدم، قد تحسم صافرة الحكم لحظةً من المباراة، لكنها لا تنهي الجدل؛ فهناك دائمًا فرصة للعودة إلى اللقطة عبر الـ VAR، وإعادة مشاهدتها من زوايا مختلفة، بعيدًا عن سرعة الحدث وانفعال الجمهور. وفي السياسة، تشبه التصريحات والقرارات تلك الصافرة؛ قد تنهي نقاشًا في لحظته، لكنها لا تنهي الأسئلة. لذلك، ربما حان الوقت للرجوع إلى ما يمكن تسميته (الـ VAR السياسي) أي إعادة مشاهدة مسيرة الأحزاب من لحظة ولادتها، ومقارنة ما طرحته من مشاريع وأفكار ومبادئ بما أصبحت عليه اليوم.

لو طبقنا هذا الـ VARعلى المشهد السياسي العراقي، وأعدنا تشغيل شريط الأحزاب منذ تأسيسها، سنكتشف أن الفارق لا يكمن فقط في الشعارات، بل في قدرة الحزب على الحفاظ على بوصلته عندما تتغير الظروف. فهناك قوى سياسية ولدت من رحم أفكار وتوجهات واضحة، وظلت، رغم التحولات والضغوط، متمسكة بجوهر مشروعها. وفي المقابل، هناك من تحرك مع اتجاه الريح؛ غيّر خطابه، وبدّل أولوياته، وانتقل من موقف إلى آخر، حتى أصبح من الصعب على المتابع أن يعرف أين ينتهي تكتيك السياسة وأين يبدأ التخلي عن المشروع.

والأسوأ حين تتحول معاناة الناس إلى مادة موسمية للخطاب؛ تظهر عند الحاجة، وتختفي عندما تنتهي الحاجة إليها. وهنا تصبح إعادة اللقطة ضرورية: ماذا كان الحزب يقول عندما تأسس؟ من كان وسطيا معتدلا؟ ومن كان متطفلا على معاناة الناس؟ واين شعارتهم وصرخاتهم؟ وهل كان التغيير نتيجة مراجعة سياسية ناضجة، أم مجرد تكيف مع موازين القوة والانتخابات والظرف السياسي؟ فالمرونة ليست عيبًا، لكن فقدان البوصلة شيء آخر.

لهذا، فإن الـ VAR السياسي ليس دعوة لمحاكمة الأحزاب على الماضي، ولا بحثًا عن أخطاء في كل موقف، وإنما هو اختبار للثبات والصدق والاتساق. الحزب الذي يراجع أدواته مع بقاء مبادئه واضح، أما الذي يعيد تعريف مشروعه مع كل ظرف، فالإعادة ستكشف ذلك مهما حاولت الخطابات تغطيته.

وفي العراق، حيث شهدت الساحة السياسية تحولات وتحالفات ومواقف كثيرة، ربما لا نحتاج إلى خطاب سياسي جديد بقدر حاجتنا إلى إعادة مشاهدة الشريط القديم. فهناك، في اللقطات الأولى، يمكن أن نعرف من كان يحمل مشروعًا، ومن كان يحمل شعارًا، ومن بقي ثابتًا، ومن تعلم كيف يتغير مع كل صافرة. فاللقطة قد تصنع الانطباع، لكن الـ VAR السياسي يكشف المسار.

قد يعجبك ايضا