عطا شميراني
انهضْ، فإنَّ المجدَ لا يُورَثُ للقاعدِ،
ولا تُصانُ الكرامةُ إلا في صدورِ الرجال.
انهضْ، فما أنتَ ابنُ مباراةٍ عابرة،
ولا اسمٌ يُمحى من سجلِّ الأبطال بخسارةِ جولة.
أنت ابنُ طريقٍ طويل،
شققتَه بقدميك،
وسقيتَه من عرقك،
وحملتَ في آخره رايةً
لم تكن رايةَ رياضيٍّ وحده،
بل رايةَ وطن.
فإذا تعثّر الجسدُ في الميدان،
فلا تدع الروحَ تتعثّر معه.
يا ابنَ الجبل…
تأمّل جبالَ كردستان؛
كم مرّت عليها من عواصف،
وكم غطّى الثلجُ قممها،
وكم أخفى الضبابُ وجهها،
وكم حاولت الريحُ أن تنال من كبريائها.
لكنها بقيت.
تتبدّل الفصول،
وتتغيّر الوجوه،
وتأتي الجيوش وتمضي،
وتُرفع راياتٌ وتهوي رايات،
ويبقى الجبل شاهدًا
على أن الكرامة لا تموت.
وهكذا أنت.
قد حجبتْ الهزيمةُ عن عينيك شمسَ يومٍ،
لكنها لم تطفئ شمسَك.
قد أسقطتكَ على أرض الميدان،
لكنها لم تُسقط اسمك.
فكم من بطلٍ سقطَ ثم نهض،
وكم من رجلٍ ظنّ الناس أن حكايته انتهت،
فإذا به يبدأ من حيث ظنّوا أنه انتهى.
لا تنظر إلى الذين يضحكون اليوم.
فالذين لم يعرفوا ليلَك الطويل
لا يحق لهم أن يحكموا على صباحك.
هم رأوا لحظة السقوط،
ولم يروا آلاف الساعات التي صنعت وقوفك.
رأوا الهزيمة،
ولم يروا الطريق.
رأوا الأرض تحت جسدك،
ولم يروا السماء التي كنتَ تحلم أن تبلغها.
فدعهم.
إنّ التاريخ لا يكتبه صخبُ العابرين،
بل تكتبه أقدام الذين ظلّوا واقفين
حين تعب الجميع.
وتذكّر الراية…
تلك الراية التي حملتها أمام عيون العالم
لم تكن قماشًا ملوّنًا.
كانت ذاكرة أجيال،
وكانت دمعة أم،
وكانت دعاء أب،
وكانت حلم طفل،
وكانت جبالًا ووديانًا وقرى ومدنًا،
وكانت اسمًا ظلّ حيًا رغم كل ما مرّ به.
حين رفعتها،
رفعتَ معها كرامةَ كردستان.
فلا تجعل خسارةَ مباراة
تُسقط من قلبك معنى وطنٍ حملته على كتفيك.
يا بطل…
لا نريدك أن تكون إنسانًا لا يخسر.
نريدك أن تكون إنسانًا
لا يعرف الاستسلام.
فالانتصار جميل،
لكن أعظم ما في الانتصار
أن يأتي بعد هزيمة.
والعودة أجمل من البقاء.
والقوة ليست ألا تسقط،
بل أن تعرف كيف تجمع نفسك من الأرض،
وتعود إلى الطريق،
وتقول للعالم:
لم تنتهِ الحكاية.
انهض.
ارجع إلى التدريب،
إلى العرق،
إلى الصمت،
إلى الميدان.
دع يديك تتحدثان،
ودع قدميك تكتبان الجواب،
ودع الأيام تقول ما عجزت الكلمات عن قوله.
فإن عاد النصر، فرحنا بك.
وإن تأخر النصر، انتظرناك.
وإن سقطت مرةً أخرى،
سنقول لك مرةً أخرى:
انهض.
لأن محبتنا لك ليست مشروطةً بالكأس،
ولا معلّقةً بميدالية،
ولا تُقاس بعدد الانتصارات.
نحن نحب فيك المقاتل،
ونحب فيك الإنسان،
ونحب فيك ذلك القلب الذي حمل راية وطنه
إلى قلب العالم.
يا ابن كردستان…
كن مثل جبالك:
تعصف الريح، فتثبت.
ينزل الثلج، فتثبت.
يأتي الضباب، فتثبت.
يطول الليل، فتثبت.
ثم إذا أشرقت الشمس،
تظهر قممك من جديد
أعلى مما كانت.
فإن كان السقوط لحظة،
فالنهوض تاريخ.
وإن كانت الهزيمة صفحة،
فما زال الكتاب مفتوحًا.
انهض أيها البطل…
ارفع رأسك،
واحمل رايتك،
وعُد إلى الميدان.
فكردستان لا تريد من أبنائها
أن يكونوا بلا جراح…
بل تريدهم أن يكونوا
أقوى من جراحهم.
انهض…
فالجبال لا تعتذر للريح،
والنسور لا تنسى السماء،
والأبطال لا تُختصر حياتهم في خسارة.
قد يسقط البطل في الميدان،
لكن البطولة الحقيقية
أن ينهض من الميدان
ولا يترك وراءه كرامته.