الروائي الشهيد حسن مطلك.. و«دابادا»

ياسين الحديدي

اعتدت باستمرار أن أراجع صفحة صديقي وأخي عدنان أبو أندلس العزاوي، رحمه الله، الموظف في شركة نفط الشمال، وهو ابن عم الأستاذ قاسم الزواي، رئيس محكمة استئناف كركوك، حفظه الله.

وعدنان أبو أندلس ليس مجرد صاحب صفحة، بل هو موسوعة وخزين ثرّ من المعلومات، وهو الأديب والشاعر والروائي، ابن جبل حمرين، ابن الطبيعة القاسية والخلابة في آنٍ واحد. عاش طفولته في محيط ضيق، لكنه كان محيطاً غنياً بصفاء الفكر والوحدة والتأمل، فصنعت منه تلك البيئة إنساناً يمتلك القدرة على طرح السؤال والبحث عن الجواب، وهو يعيش تفاصيل محيطه وغرائبه.

إنه، في تقديري، فلتة من فلتات الزمن؛ فقد نشأ في قرية محصورة بين جبال حمرين، واستمد من طبيعتها القاسية القوة والعزيمة والإصرار على اختراق المستحيل، وصنع لنفسه شخصية أدبية وفكرية استمد جانباً كبيراً من ملامحها من الطبيعة التي عاش في كنفها.

ولعل اختصار هذه السيرة الفذة والنادرة يكمن في الوصول إلى فلسفته الخاصة التي تميز بها، فهو أديب وناقد متميز. أمرّ على صفحته لأطوف بين كتاباته النقدية، من نقد الشعر إلى الروايات والقصص، وفي كل مرة أقطف ثمرة جديدة من ثمار إبداعه.

وقبل يومين، أخذني في سياحته المجانية إلى الشرقاط، وإلى سُديرة تحديداً، لأتعرف إلى شخصية إنسان ورجل من «ديرة آشور»، ولأتعرف، من خلاله، إلى الشهيد صاحب رواية «دابادا».

اسم الرواية وحده يثير الفضول والاستغراب. فما معنى هذه الكلمة الغريبة والجذابة في الوقت نفسه؟ إنها كلمة غير متداولة في الاستعمال اللغوي المألوف، ولا تكاد تُعرف في المجتمعات القروية إلا في نطاق محدود، حتى أصبحت تكاد تكون حصرية، وبامتياز، للشهيد حسن مطلك.

وقد أغرتني هذه الكلمة بقراءة الرواية، وهي رواية حصينة ومحكمة، مليئة بالألغاز والتعبيرات الرمزية التي قلّ من يستطيع فك طلاسمها وفتح مغاليقها. إنها رواية فلسفية بامتياز، وكان صدورها تحولاً مهماً في مسيرة الرواية العراقية. فقد كُتب عنها الكثير بعد صدورها عام 1986، وأصبحت حديث النقاد والأدباء، بل تحولت إلى قضية رأي عام، بالمعنى الذي نستخدمه اليوم.

وتناولها عمالقة الأدب والنقد، من دون استثناء تقريباً، وكتبوا عنها دراسات وشهادات متعددة. والمقالة لا تسمح لي بأن أذكر كل ما قيل عنها، لأن ذلك سيحوّل هذا النص إلى بحث مستقل.

وللحقيقة والتاريخ، لم يمرّ بي اسم الشهيد حسن مطلك إلا بعد أن اطلعت على ما نشره أبو أندلس، القريب مني، في صفحته. فخصصت يوماً كاملاً للبحث عن الكاتب وعن «دابادا»، وعشت ساعات جميلة وممتعة مع شخصية فريدة من نوعها، ومن خلال شقيقه الدكتور المحترم محسن الرملي، الذي أضاء جوانب مهمة من حياة شقيقه الشهيد.

حسن مطلك.. سيرة قصيرة

حسن مطلك (1961 ـ 1990) كاتب ورسام وشاعر عراقي، ويُعد واحداً من أبرز الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق خلال ثمانينيات القرن العشرين.

ولد عام 1961 في قرية سُديرة التابعة لقضاء الشرقاط، شمال العراق. أنهى دراسته الجامعية عام 1983، حاصلاً على شهادة البكالوريوس في التربية وعلم النفس من كلية التربية في جامعة الموصل.

أقام عدداً من المعارض للفن التشكيلي، وأصدر مع مجموعة من أصدقائه في الجامعة مجلة «المربي»، نشر فيها مقالتين، إحداهما عن الفن التشكيلي، والأخرى قراءة في رواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال».

وبعد أدائه الخدمة العسكرية الإلزامية، عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك، ثم مديراً لعدد من المدارس الإعدادية. تزوج وله ابنتان، هما مروة وسارة.

حاز الجائزة الأولى لقصة الحرب عام 1983 عن قصته «عرانيس»، كما حصل على الجائزة التقديرية عام 1988 عن قصته «بطل في المحاق». ثم نشر روايته «دابادا»، التي تعد قمة أعماله الأدبية.

أُعدم شنقاً في 18 تموز 1990، في الساعة السابعة مساءً، إثر اتهامه بالاشتراك في محاولة لقلب نظام الحكم، وذهب بعض المثقفين بعد إعدامه إلى وصفه بأنه «لوركا العراقي».

وقد خصصت مجلة «ألواح» الصادرة في إسبانيا عددها الحادي عشر عام 2001 بالكامل للحديث عنه، في نحو 300 صفحة، كما خصصت عنه ملفات في صحيفتي «المدى» و«الزمان» العراقيتين. وكتبت عنه شهادات كثيرة، وأُنجزت دراسات متعددة حول أعماله، من بينها رسالة دكتوراه أنجزها عبد الرحمن محمد الجبوري في جامعة الموصل بعنوان «الخطاب الروائي عند حسن مطلك.. دراسة تأويلية».

ماذا تعني «دابادا»؟

وأعود بكم إلى معنى «دابادا»، كما فسّرها الدكتور محسن الرملي، شقيق الشهيد. فماذا تعني تسمية «دابادا»؟ ولماذا هذا العنوان بالذات دون غيره؟ ومن أين أتت هذه الكلمة الغريبة؟ ولماذا اختارها المؤلف عنواناً لروايته، على الرغم من أن الرواية تزخر بالكلمات والعبارات المدهشة؟

تبقى هذه التساؤلات تحوم في فضاء الاعتراف بأن «دابادا» رواية مختلفة عن السائد والتقليدي في المشهد الروائي العراقي، ومختلفة عن كثير من موروثه، إن لم نقل عن كل شيء تقريباً؛ ابتداءً من أول كلمة فيها، وهي «دابادا»، التي تتصدر غلافها الأول، وانتهاءً بما كُتب على غلافها الأخير: «صرخة في الفراغ».

ولا وجود لهذه الكلمة في معاجم اللغة العربية أو في أشعارها وأخبارها المعروفة، إلا إذا كان الأمر متعلقاً بما هو موغل في القدم أو بما هو خارج أيدينا. لكن المصدر الذي استقى الكاتب منه هذه الكلمة ـ على حد علمي ـ هو اللهجة المحلية العراقية، وبالتحديد اللهجة الدارجة في مناطق الشرقاط وقراها، ومنها سُديرة، مسقط رأس الكاتب.

والكلمة، كما يوضح الدكتور محسن الرملي، كانت آيلة إلى الاندثار، لكن حسن مطلك التقطها من أحاديث العجائز والشيوخ، ومنهم، على وجه الخصوص، رجل كان يُعرف بـ«شيخ العزاوي»، وكان يستخدمها بكثرة في أحاديثه.

أما معناها، فهو أقرب إلى معنى «إلى آخره» أو «الخ»، أو تكرار «كذا وكذا»، أو «وهلمّ جرّا». فهي تُستخدم لوصف أشياء وأفعال متعددة في آن واحد.

وهكذا فهمها حسن مطلك أيضاً، إذ يقول:

«نعم، ولكنها لا تعني هذا وحسب في الرواية، وهي تستخدم في المجتمع وربما يكون الاستخدام قريباً؛ فهي تأتي أيضاً عندما يحاول شخص ما أن يصف حادثة ثم لا يستطيع أن يكمل لشدة ما بهرته الحادثة ولشدة تأثره بها أو تأثيرها عليه، فيقول لك في النهاية: ودابادا..».

إنها، إذاً، كلمة تُحَسّ أكثر مما يمكن شرح معناها أو تحديده بدقة قاموسية. وهي وليدة خبرة جماعية شعبية متوارثة عن أجيال عدة، ومتفرعة عن تجارب حوارية طويلة، حتى استقرت على هذا الشكل الذي استخدمه الناس واختاروا لها هذا الموضع في حديثهم.

وهي، في نهاية الأمر، تشبه في حياتها وظروف ولادتها ولادة الحكايات الشعبية والأساطير والخرافات، شأنها شأن كلمات شعبية أخرى كثيرة.

وضمن محاولاتي العديدة لتقصي معاني كلمة «دابادا»، أتذكر ما قالته لي صديقة إسبانية من سكان المناطق الشمالية الناطقين باللغة الكتالونية، من أن هناك كلمة شعبية يتداولها بعض الأهالي في قرى منطقتها عندما يبدأون بتعليم الطفل المشي بخطواته الأولى، وتُلفظ «دابادا» عندهم بنغمة وإيقاع معينين، من دون دلالة لغوية محددة.

وهذا يشبه إلى حد كبير ما نقوله نحن في بعض مناطق العراق للغرض نفسه: «تاته.. تاته.. تواته»، لتحفيز الطفل وتشجيعه على الشروع في خطواته الأولى.

وبالطبع، لم تكن لدى حسن مطلك دراية بهذه المعلومة عندما اختار الكلمة عنواناً لروايته، لكنه لم يرفضها حين أخبرته بها، رحمه الله.

«دابادا».. سيرة رمزية للواقع العراقي

شارك حسن مطلك، بحسب ما ورد في الشهادات عنه، في أحداث سياسية معارضة للنظام آنذاك، وأُلقي القبض عليه، ثم صدر بحقه حكم بالإعدام.

وقد كتب عنه عدد من كبار الأدباء والنقاد، من بينهم جبرا إبراهيم جبرا، والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، والناقد عبد الرزاق الربيعي، فضلاً عن عشرات الأدباء والنقاد الآخرين.

ولمن يحب أن يطلع على مضمون الرواية، يمكن الوقوف عند أبرز حكاياتها ورمزياتها:

الحكاية الأولى: اختفاء الأب محمود

تبدأ الرواية بحكاية اختفاء الأب «محمود» الغامض. فقد اختفى في البراري بطريقة غامضة لمدة عشرين عاماً، ولم يعرف أهل القرية مصيره، بسبب أرنب مبقع أجبره على السير خلفه.

وهذه الأرانب المبقعة تفتك بأهالي القرية، حتى لا يبقى لهم أثر، فيضيعون ضياعاً كاملاً. وقد قاد الأرنب المبقع محموداً إلى «أرض مليئة بالأرانب المبقعة» (ص 34).

أما زوجته «هاجر»، فقد فتشت عنه وطرقت كل الأبواب، لكنها لم تصل إلى نتيجة طوال عشرين عاماً من العذاب والمعاناة، بعدما تركها وحيدة مع طفلها «شاهين»، الذي كان عمره آنذاك سبعة أعوام.

لكن العرافة «وزة» أخبرتها في النهاية أن محموداً ما زال حياً، فقالت لابنها شاهين، الذي أصبح عمره سبعة وعشرين عاماً:

«إن وزة أخبرتني عن أبيك، قالت إنه يتنفس لحد الآن، غير أنه لن يجيء الآن» (ص 34).

إن رمزية الحدث هنا تبدو واضحة في التعبير عن «الأرانب المبقعة»، التي تمتلك السلطة الكاملة على تغييب المواطنين واختطافهم واعتقالهم وإخفائهم في السجون والسراديب السرية.

ألم يكن المقصود بالأرانب المبقعة الأجهزة الأمنية وأدوات السلطة التي تراقب المواطنين وتحصي أنفاسهم؟

الحكاية الثانية: رمزية الكلب «شرار»

«عواد» رسام يبحث عن الشهرة والأضواء والمال، ويشغل نفسه طوال الوقت برسم كلبه «شرار»، في أوضاع مختلفة، وبملامح وأزياء متنوعة.

ويرتبط عواد بالكلب بعلاقة غريبة، وكأنه يريد من خلاله أن يصعد إلى عالم الأضواء والشهرة. ويصف الكلب «شرار» بأنه هجين وغدار وشرس ومتهور، ويقول إنه يحب «أكل لحوم البط ولا يحب ثمر التين». ويرسمه في أوضاع الجري والوثوب، بل يستبدل عينيه بزراري معطف مطري (ص 43).

ولا أعتقد أن من يبحث عن المال والأضواء والشهرة وإبراز اسمه في العاصمة ووسائل الإعلام، ويقضي حياته في هذا الانشغال المحموم، يمكن أن يكون انشغاله برسم الكلب «شرار» مجرد تفصيل عابر.

إنه، في تقديري، رمز لفئة أخرى تملك زمام الأمور، فئة آدمية وضعها القدر على رقاب العراقيين في سريالية غرائبية، حتى أصبحت صورتها حاضرة في كل مكان وزاوية.

ويشعر «عواد» بأن اسم «شرار» مرعب ومخيف، ويجلب الخوف والقلق على مصير حياته:

«وكلمة شرار، كإبرة طويلة إلى حنجرته، ويهمس لا يمكن احتماله» (ص 48).

ثم يهمس بالاعتراف عن كنه وماهية الكلب «شرار»:

«كل ذلك بسبب شخص معين. بسبب مجموعة أخطاء، لمجموعة أشخاص يتكرر وجودهم، ويترسب في خط بركاني ليعزله عن بعضه، بسبب آخرين يشبهونه، لكن أحدهم لا يبالي ليلة سماع الصراخ، في أقصى القرية» (ص 47).

والرمز هنا واضح؛ فالقرية تعني العراق، ولا تحتاج هذه الدلالة إلى كثير من التوضيح، لأنها جزء من سريالية الواقع العراقي وغرابته.

الحكاية الثالثة: رمزية موت عبد المجيد بسم الفئران

«عبد المجيد» هو مختار القرية أو رئيسها الفعلي، ويموت بعد دس سم الفئران في طعامه على يد «حلاب»، الذي يريد أن يصبح المختار الجديد.

أما «حلاب» فهو شخصية متسلطة وقاسية ومتجهمة، تتسم بالشراسة والرهبة، حتى إن الناس يرددون:

«أفسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب. أفسحوا الطريق. ابتعدوا…» (ص 111).

وبعد ذلك يصبح «حلاب» البعبع المخيف في القرية، ويجلب اسمه الرعب، وبعد اغتصاب السلطة يتغير حال القرية نحو الأسوأ، ويحل بها التدهور الفظيع:

«أقول لكم: كان العالم طرياً في البدء، ولكنه هوى على رأس مثقب، بالأخص فوق فتحات الأسلحة» (ص 113).

ويبدأ «حلاب» بتسجيل كل شاردة وواردة في سبيل تثبيت سلطته، بواسطة رجاله الأشداء المتزمتين في غطرستهم.

إنها لعنة تصيب القرية، وهي جزء من سلسلة لعنات ومؤامرات متواصلة، في مذابح الإخوة البشر على العراق:

«سبعة وعشرون عاماً من المؤامرات، لأجل هذه اللحظة الذكية ويسقط. طعم الجحيم النقيقي، في أسفل الهاوية، والساعة الأخيرة من العيش والذهول والرعب والمؤامرة مرة أخرى، حيث المذابح الصفراء، التي نادراً ما تصل إلى درجة القتل – مذابح الإخوة البشر» (ص 124).

إن ملامح الرمزية هنا مكشوفة، رغم أنها متناثرة هنا وهناك، وبالتقطيع الذي يميز الحكايات الرمزية في سرياليتها. لكن جمع هذه القطع المتناثرة يعطينا صورة واضحة عن بعدها الرمزي.

إنها ترجمة حقيقية للصراع الدموي على السلطة، أو بالأصح اغتصاب السلطة بمؤامرات القتل، أو دس سم الفئران في الطعام أو الشاي.

الحكاية الرابعة: رمزية حمار «قندس»

حمار «قندس» يرمز إلى الأداة التنفيذية السلطوية التي أصبحت في قبضة «حلاب»، المختار الجديد، أو أنه يمثل عنوان السلطة نفسها.

ويحاول «شاهين»، بطل الرواية، أن يعلن عصيانه وتمرده على سلطة «حلاب»، الذي تسبب في اختفاء أبيه «محمود» لمدة عشرين عاماً.

ويكتشف شاهين سر اختفاء أبيه ومسؤولية «حلاب» عن ذلك:

«يكشف مع نفسه مسؤولية حلاب في اختفاء محمود، لأنها بقيت بالسرية التامة» (ص 181).

شاهين هو الطفل اليتيم الذي عاش منعزلاً وانطوائياً وغريباً عن الواقع، بعد اختفاء أبيه لعشرين عاماً. عاش منزوياً في غرفته المظلمة مع أمه «هاجر»، وفشل كلياً في التكيف والتأقلم مع الواقع والناس.

كان يعتبر نفسه غريباً وعالة على أمه وعلى الناس، ويشعر بالكآبة والحزن:

«يحس أنه حزين، ليس حزيناً بالضبط، وإنما يريد أن يبكي، وهو يراقب صوت الفجر، المتسلل بين الأحطاب وقصب السقوف، والانطلاقة الأولى لعصافير العراق» (ص 173).

كما يتذمر من الأخبار المفجعة التي يسمعها في نشرات الأخبار:

«زلازل. فيضانات. أخبار مجاعة السود. محدثات نزع السلاح النووي. عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن. إرهاب عالمي. مخدرات. فضائع سياسية. تجسس. جرائم. خطف. حروب. انقلابات. انحلال. أسلحة جديدة… إلخ» (ص 174).

ويتساءل:

«إلى متى هذه الظلمة… إنها عبارة عن محض صرخة في فراغ: دا – با… دا… بذلك كان الضحك، بعد محاولة الضحك دائماً. الضحك. الضحك. الضحك… إلى ما لا نهاية» (ص 170).

وقد جعلته هذه الظروف ينظر إلى علاقاته مع الناس بشك، لأنه يعتبرها خاوية وجافة ومصلحية:

«أخلاق الناس بنظري، مرة مشيت مع صديق، واحد في المائة يعطي الصداقة حقها… مصالح» (ص 164).

ومن أجل الانعتاق من هذا الوضع المظلم والسريالي، قرر قتل الحمار «قندس»، ليوجه من خلاله طعنة قاتلة إلى «حلاب».

أخذ المدية، وهي سلاح القتل، وهجم على الحمار «قندس» بالطعنات:

«طعنة… طعنة. طعنة… ويهجم الألم لحظة رؤية الدم يغطي النمش» (ص 196).

ثم يهرب وهو يرى يديه ملطختين بالدماء، ويركض إلى الشاطئ، لكنه يقع بعد ذلك أمام مفاجأة كبيرة؛ فهو لم يقتل الحمار «قندس»، لأن:

«استعملت المدية بشكل معكوس، لأني كفي ظل يؤلمانني، والدم هو دمي أنا، لا دم الحمار» (ص 210).

الحكاية الخامسة: رمزية اختفاء شاهين

بعد المحاولة الفاشلة، يشعر شاهين بالانهيار، ويعتقد أن حياته انتهت بالخسارة والرعب، وأنها أصبحت على كف عفريت.

ثم يختفي في ظروف غامضة عن الوجود، فتقلق أمه «هاجر» لهذا الغياب المخيف، الذي يشبه غياب أبيه «محمود».

يسيطر عليها الرعب والخوف، فتبحث عنه في كل مكان، وتسأل الناس:

«الرايحين والقادمين: هل رأيتم شاهين؟ هل رأيتم ولدي؟ فيميلون عنها، معتقدين أن عدوى جنون العائلة قد تسربت إليها، فصارت تركض من تل إلى آخر، وتفتش الوديان والبيوت» (ص 193).

لكن أخباره تضيع وتختفي، تماماً كما اختفت أخبار الروائي الشهيد حسن مطلك، قبل أن يُعرف لاحقاً أنه أُعدم بعد اتهامه بالمشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد صدام حسين.

لم يكن حسن مطلك قد بلغ الثلاثين من عمره، وكان في أوج عطائه وإبداعه الأدبي والفني، وهو الذي جمع بين موهبة الرسام والشاعر والروائي والناقد.

لقد ترك حسن مطلك وراءه تجربة أدبية وفكرية استثنائية، وجاءت رواية «دابادا» شاهداً على قدرته على تحويل الواقع العراقي القاسي إلى عالم روائي رمزي وسريالي، يختلط فيه الحلم بالكابوس، والواقع بالخيال، والسؤال الفلسفي بالمأساة الإنسانية.

رحم الله حسن مطلك، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن إبداعه وأثره الأدبي خير الجزاء.

قد يعجبك ايضا