مظفر مزوري
يقف العراق ومعه إقليم كوردستان في هذه المرحلة التاريخية عند مفترق طرق حرج يتداخل فيه الأمن القومي، والاستقرار السياسي، والسيادة الاقتصادية. تشير التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة إلى تفاقم أزمة “الدولة واللادولة”، حيث تقف مؤسسات الدولة الرسمية في مواجهة جبهة معقدة من التحديات الداخلية والإقليمية التي تضع مستقبل البلاد على المحك.
وتزداد خطورة هذا المشهد عندما تتجاوز التدخلات الخارجية حدود التأثير السياسي، لتصل إلى مستوى المساس المباشر بسيادة العراق واستهداف مؤسساته وقياداته الرسمية.
شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً خطيراً في استباحة السيادة العراقية والتجاوز على مقومات الدولة الوطنية، حتى بات النفوذ الإيراني يتجاوز في بعض مراحله حدود التأثير السياسي التقليدي، ليترك أثراً مباشراً في القرار الأمني والسياسي العراقي. هذا التعامل الوصائي لا يتجلى فقط في التدخل في تشكيل الحكومات أو فرض الإملاءات السياسية، بل امتد ليتخذ طابعاً أمنياً وعسكرياً يستبيح الحدود والأجواء العراقية، وتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات ونشاط الفصائل المسلحة العابرة للحدود دون أي اعتبار للشرعية العراقية أو القوانين الدولية.
وفي هذا السياق المتصاعد، يمثل استهداف المكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، بطائرات مسيرة مفخخة قادمة عبر الحدود، تحولاً فارقاً في أساليب الضغط السياسي والأمني وتكريساً لمنطق فرض الإرادة بالقوة. هذا الاعتداء لا يهدف فقط إلى تهديد قيادة الإقليم، بل يضرب في العمق أمن واستقرار إقليم كوردستان بصفته البيئة الأكثر أماناً وجذباً للاستثمار، كما يبعث برسائل تهديد مباشرة لقطاع الطاقة والشركات الاستثمارية العاملة فيه.
ولم تتوقف محاولات تقويض الدولة عند حدود الإقليم، بل امتدت لتصل إلى رأس المنظومة القضائية في بغداد، حيث كشفت المعلومات عن مخططات ومحاولات اغتيال جدية تستهدف رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، نتيجة مباشرة لتحركات القضاء ودفعه باتجاه فرض تطبيق القانون وإعادة تفعيل مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يعتبره السلاح المنفلت والجهات الإقليمية الداعمة له كابوساً يهدد نفوذهم ومصالحهم العابرة للحدود.
ولا تقف خطورة هذه الاعتداءات عند حدود استهداف الأشخاص والمؤسسات، إذ إن استمرارها يفتح الباب أمام تداعيات أوسع تمس الأمن والاستقرار والاقتصاد في العراق وإقليم كوردستان.
لا تقتصر آثار استهداف القيادات الرسمية والمؤسسات الفيدرالية على البعد السياسي المباشر، بل تمتد لتُحدث تداعيات هيكلية عميقة على المستويين الأمني والاقتصادي في العراق ككل وإقليم كوردستان بشكل خاص:
التداعيات الأمنية والعسكرية: يكرس ترهيب رئيس السلطة القضائية واستهداف رئيس حكومة الإقليم حالة من العجز لدى الأجهزة الأمنية الرسمية، ويمنح الجماعات المسلحة الشرعية الميدانية لفرض “دولة موازية” تدير الأمن بعيداً عن أجهزة وزارة الدفاع والداخلية والبيشمركة.
تهديد السلم الأهلي والاستقرار: يُعد إقليم كوردستان الصخرة الأساسية للاستقرار النسبي في العراق. إن استهدافه المستمر بالمسيرات والصواريخ يهدد بنقل فوضى المحافظات الجنوبية والوسطى إلى مناطق الإقليم الآمنة، ويفتح الباب أمام نزوح داخلي واضطراب أمني يعطل التنسيق الأمني بين بغداد وأربيل في القاطع المشترك ضد خلايا الإرهاب.
انكشاف الأجواء والحدود: استباحة الأجواء العراقية بالمسيرات دون رادع تقوض قدرة القوات الاتحادية وقوات البيشمركة على حماية الحدود والمؤسسات السيادية، مما يحول البلاد إلى مسرح مفتوح للصراعات بالوكالة.
التداعيات الاقتصادية والمالية: هروب الاستثمارات وضرب قطاع الطاقة: يعتمد اقتصاد إقليم كوردستان والعراق عموماً على استثمارات شركات النفط والغاز العالمية. تشكل الهجمات على البنى التحتية للمقرات والحقول خطراً وجودياً يدفع شركات الطاقة الأجنبية لإعلان حالة القوة القاهرة والتوقف عن الإنتاج والتنقيب، مما يعطل مشاريع الاكتفاء الذاتي من الغاز ويحرم الموازنة الاتحادية وموازنة الإقليم من إيرادات حيوية.
الشلل المالي والعزلة الاقتصادية: يؤدي تقويض هيبة القضاء واستمرار نفوذ المكاتب الاقتصادية للميليشيات لتعزيز الشكوك الدولية بحجم الفساد وتهريب العملة. يسرّع هذا الواقع من وتيرة إجراءات الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالي لوقف تدفقات الدولار وتقييد التعاملات المالية للبنوك العراقية، مما يدفع بسعر الصرف للارتفاع والتسبب في تضخم حاد يضر بالقدرة الشرائية للمواطنين في أربيل وبغداد على حد سواء.
ارتفاع تكلفة التأمين وإلغاء عقود الإعمار: ترفع حالة عدم الاستقرار الميداني من “المخاطر السياسية والأمنية”، مما يرفع تكاليف التأمين وشحن البضائع نحو العراق وإقليم كوردستان إلى مستويات قياسية، وبالتالي يتسبب في شلل حركة التجارة، وتوقف مشاريع البنية التحتية، وزيادة معدلات البطالة.
ويصعب فصل هذا التصعيد عن التحولات التي تشهدها إيران والمنطقة، ولا سيما مع تزايد الضغوط على طهران وتراجع قدرتها على إدارة شبكة نفوذها الإقليمية بالأساليب ذاتها التي اتبعتها خلال السنوات الماضية.
تتأثر هذه التطورات الأمنية بشكل مباشر بالوضع الداخلي والإقليمي في إيران. يعيش النظام الإيراني حالياً حالة من الصراع والتفتت بين أجنحة السلطة المتعددة من حرس ثوري وتيارات محافظة ومؤسسات دينية، إلى جانب سيناريوهات الإنهاك السياسي والاقتصادي. هذا التفكك يجعل إدارة الملف العراقي من قبل طهران تتسم بالاضطراب وعدم التنسيق، مما يدفع بعض الجماعات المسلحة المرتبطة بها إلى التصرف خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية لتأمين وجودها ومصالحها.
إن هذا الاضطراب يضع العراق أمام خطر الانزلاق ليكون ساحة بديلة أو مصداً أمنياً لمواجهات إيران الإقليمية والحرب بالوكالة، حيث تُستخدم الطائرات المسيرة والصواريخ عبر الفصائل لمنع استقرار المشهد الداخلي ولإشغال الأطراف الدولية على حساب السيادة والمصلحة الوطنية العراقية.
وفي موازاة الضغط الأمني والسياسي، برز العامل الاقتصادي والمالي بوصفه أحد أهم أدوات الضغط على بغداد، خصوصاً مع ارتباط النظام المالي العراقي بشكل وثيق بالدولار والمؤسسات المالية الأمريكية.
لم تعد الأزمة المالية في العراق تقتصر على معالجة الاختلالات في سوق الصرف أو كبح المضاربين، بل انتقلت إلى أدوات ضغط اقتصادية دولية وأمريكية مباشرة، تمثلت في التلويح بخطوات لتعليق شحنات الأوراق النقدية بالدولار الموجهة إلى بغداد، نظراً لأن جميع إيرادات النفط العراقي تُودع في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فإن الخزانة الأمريكية أضحت تستخدم الشحنات النقدية كأداة ضغط استراتيجية لإجبار السلطات العراقية على تجفيف شبكات تهريب العملة ومنع وصول السيولة إلى شبكات السلاح والجهات الخاضعة للعقوبات.
التهديد بإيقاف أو تعليق دخول الدولار شل القدرة السيولية للدولة بشكل مباشر، وأظهر هشاشة الاعتماد الكامل على مورد مالي واحد يدار عبر بنوك خارجية. وقد دفع هذا الواقع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي للتعاطي مع الشروط الدولية بجدية أكبر، عبر تطبيق معايير الامتثال المالي وتوسيع آليات مكافحة الفساد والإغلاق الصارم لشركات الصرافة والحسابات الوهمية لتجنب شلل اقتصادي شامل وعزلة مالية دولية قد تعصف باستقرار البلاد.
أمام هذا الواقع، لم يعد الاكتفاء بالتأكيد السياسي على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة كافياً، بل باتت الحكومة مطالبة بتحويل هذا المبدأ إلى إجراءات قانونية وأمنية واقتصادية قابلة للتنفيذ.
تجد حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي نفسها أمام اختبار وجودي حاسم يتطلب تجاوز الصياغات النصية والانتقال العملي لتطبيق حصر السلاح بيد الدولة عبر تحركات ميدانية وقانونية تجفف المنظومة التسليحية والاقتصادية للجماعات المسلحة. إن جوهر هذه العملية يقتضي التوجه المباشر لسحب الترسانات الاستراتيجية للميليشيات، وفي مقدمتها المنظومات الصاروخية ومدافع الهاون والطائرات المسيرة (الدرونز) التي استُخدمت كأداة لترهيب المؤسسات واستهداف البنى التحتية للطاقة وإقليم كوردستان. ويتضمن ذلك تفعيل بروتوكولات رصد ومصادرة ورش تجميع الطائرات المسيرة ومستودعات قطع غيارها، ومنع استيراد تقنيات الملاحة والتوجيه المزدوجة الاستخدام إلا عبر إذن مباشر ومسبق من قيادة العمليات المشتركة.
وعلى الصعيد المؤسساتي والقانوني، يتطلب الأمر حظراً صارماً لاحتكار السلاح تحت مسمى “المقاومة” أو الهياكل الموازية، عبر تفعيل قانون الأسلحة رقم (51) لسنة 2017 وقوانين الخدمة العسكرية لمنع ازدواجية الولاء، مع إخضاع كافة التشكيلات الأمنية لأوامر القائد العام للقوات المسلحة حكراً وإلغاء استقلالية القيادات الميدانية للفصائل. كما ترتبط هذه الحملة ارتباطاً وثيقاً بإنهاء النفوذ المالي للجماعات المسلحة من خلال إغلاق وحظر ما يُعرف بـ “المكاتب الاقتصادية” للفصائل؛ وهي الكيانات التجارية والواجهات الاستثمارية التي تُستخدم للسيطرة على العقود الحكومية، والأراضي، والمنافذ الحدودية، والجباية غير القانونية، ومشاريع التهريب. إن تجفيف هذه المكاتب وإحالة القائمين عليها إلى المحاكم المختصة بقضايا الفساد وغسيل الأموال يمثل الركيزة الأساسية لتجفيف منابع تمويل التسليح وضمان استعادة الدولة لقيادة الملفين الأمني والاقتصادي.
ومن هنا تبرز المسألة القانونية بوصفها الإطار الذي يفترض أن يحسم الجدل حول حدود سلطة الدولة وطبيعة الأفعال التي يمكن أن تشكل تهديداً لأمنها ومؤسساتها.
من الناحية القانونية والدستورية، توفر التشريعات العراقية النافذة بيئة صريحة لتجريم وحظر كافة الممارسات والوقائع المذكورة آنفاً، إذ يُعد خرق السيادة وتسهيل تدخل القوى الخارجية وتشكيل الجماعات المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية انتهاكاً صارخاً للمادة (9/أولاً) من الدستور العراقي، التي تحظر تكوين ميليشيات عسكرية أو شبيهة بالعسكرية خارج إطار القوات المسلحة. وفي ما يتعلق باستهداف أركان الدولة، كالقيادات الحكومية في أربيل أو القضاة والمؤسسة القضائية، فإن قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 يعاقب بالإعدام بموجب المادة (2) و(4) منه كل من ارتكب أو حرض أو شارك في أعمال تستهدف زعزعة الاستقرار والأمن والمؤسسات الدستورية باستخدام الأسلحة والمتفجرات والمسيرات.
كما يتحدد حكم القانون العراقي تجاه التهديدات والاعتداءات على القضاة بربطها بالمادة (229) و(230) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل المتعلقة بالاعتداء على الموظفين والقضاة أثناء تأدية واجباتهم، وصولاً إلى مواد الإرهاب عند استخدام القوة والسلاح لتغيير مسار العدالة.
أما فيما يتصل بالجانب الاقتصادي والمكاتب الاقتصادية لتهريب العملة وتبييض الأموال، فإن قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015 يمنح السلطات القضائية والمالية صلاحيات الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة وتجميد الحسابات وملاحقة الشبكات التجارية الوهمية، مما يجعل حصر السلاح وتفكيك تجارة الفصائل وجوباً قانونياً وليس مجرد خيار سياسي.
غير أن تطبيق هذه الإجراءات لا يرتبط بالقدرة القانونية والأمنية للحكومة وحدها، بل يصطدم أيضاً بتباين واضح في مواقف القوى السياسية العراقية بشأن مستقبل السلاح ودور الفصائل المسلحة.
تتوزع مواقف القوى السياسية تجاه قرار حصر السلاح بين التأييد المشروط والرفض القاطع. داخل الإطار التنسيقي، تبدي القوى البراغماتية كعصائب أهل الحق ومنظمة بدر مرونة مشروطة بتثبيت مكانة هيئة الحشد الشعبي وضمان عدم تهميش أجنحتها السياسية ومصالحها الاقتصادية، بينما ترفض الفصائل الراديكالية ككتائب حزب الله والنجباء تسليم ما تسميه “سلاح المقاومة”، معتبرة إياه خياراً استراتيجياً مرتبطاً بالوجود الأمريكي والمعادلة الإقليمية.
في المقابل، تدعم القوى السُّنّية والمكونات المدنية القرار بقوة، محذرة من اقتصار التجريد على الأسلحة الخفيفة للمواطنين دون إخلاء المدن من السلاح الثقيل والمسيرات وتفكيك المكاتب الاقتصادية. كما تؤكد القوى الكوردستانية دعمها الحازم لإنهاء ملف السلاح المنفلت لحماية الإقليم وبنيته التحتية ونفطه من الهجمات، مع التمييز المبدئي والدستوري بين سلاح الفصائل وقوات البيشمركة باعتبار الأخيرة جزءاً رسمياً من منظومة الدفاع الوطني. أما التيار الصدري فيربط جاهزيته لحل أجنحته بالتزام شامل ومثبت من جميع الأطراف دون استثناء.
وبين هذه الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية والقانونية، تبدو الدولة العراقية أمام اختبار يتجاوز أزمة عابرة أو خلافاً سياسياً بين أطراف متنافسة، ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والقوى التي تعمل خارج إطارها الرسمي.
تتلخص المعادلة السياسية والأمنية والقانونية في العراق اليوم في “حرب إرادات وجودية بين الدولة الوطنية والدولة الموازية”. إن وصول التهديدات إلى رأس السلطة القضائية واستهداف رئاسة حكومة إقليم كوردستان بالمسيرات يمثل الإعلان الصريح عن بلوغ “سلاح اللادولة” مرحلة كسر الهيبة الرسمية وفرض الوصاية بالإكره.
فمن الناحية السياسية والأمنية، يعيش العراق حالة صريحة من ازدواجية السلطة؛ حيث تمتلك الحكومة الرسمية الشرعية والتفويض الدستوري والاعتراف الدولي، بينما تحاول الفصائل المسلحة فرض أمر واقع عبر الترهيب المباشر، وتوظيف الأراضي العراقية كمصد أمني ومساحة لنفوذ إقليمي عابر للحدود، مدعومة بشركاء اقتصاديين وسلاح مسيرات خارج نطاق القيادة العسكرية العليا.
أما من الناحية القانونية والدستورية، فإن الإطار التشريعي العراقي النافذ يُجرّم هذه المنظومة بالكامل؛ بدءاً من حظر الدستور الصريح في المادة (9/أولاً) لتشكيل أجهزة عسكرية موازية، مروراً بقانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 الذي يُعاقب بالإعدام على خرق الاستقرار السيادي واستخدام المسيرات لترهيب المؤسسات والقضاة، وصولاً إلى قانون مكافحة غسل الأموال رقم (39) لسنة 2015 الذي يوجب مصادرة أموال المكاتب الاقتصادية التابعة للفصائل وتجميد شبكاتها المالية.
وفي الخلاصة الاقتصادية والاستراتيجية، فإن قدرة العراق وإقليم كوردستان على الصمود ودرء مخاطر العزلة المالية والعقوبات الدولية تظل مرهونة بقدرة مؤسسات الدولة—بدعم وتنسيق كاملين بين بغداد وأربيل والقوات المسلحة الوطنية والبيشمركة والقضاء—على الانتقال الفوري من الصياغات السياسية إلى التطبيق الميداني الجريء لحصر السلاح، وتفكيك تجارة الميليشيات ومكاتبها الاقتصادية، واستعادة زمام المبادرة قبل انهيار سيادة القانون لحساب قانون الغاب.