نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست الذكرى الثمانون لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجرد مناسبة حزبية تمر في تاريخ السياسة الكوردستانية، ولا هي احتفال بتاريخ تنظيمي بدأ في السادس عشر من آب عام 1946 وانتهى عند حدود زمنه؛ فالسنوات الثمانون، في الحالة الكوردستانية، تختزن مساراً طويلاً من الصراع السياسي، والمواجهات المسلحة، والانتكاسات، والآمال، والتضحيات، والتحولات التي جعلت من هذا الحزب واحداً من أبرز الفاعلين في تاريخ الحركة السياسية الكوردية في العراق.
وفي هذه المناسبة، جاءت رسالة السيد الرئيس مسعود بارزاني لتضع أمام الذاكرة السياسية مجموعة من العناوين التي تتجاوز حدود التهنئة والمناسبة الاحتفالية، حين ربط بين تاريخ الحزب وبين مفهوم خدمة الشعب، والدفاع عن الحقوق، والتعايش بين المكونات، والشراكة السياسية، واحترام الدستور، بوصفها ركائز للاستقرار في كوردستان والعراق.
إن قراءة هذه الرسالة لا ينبغي أن تقتصر على ما تقوله عن الماضي، بل ينبغي أن تتوقف أيضاً عند ما تضعه من مسؤوليات أمام الحاضر والمستقبل. فالأحزاب التي تعيش ثمانية عقود لا تقاس فقط بعدد السنوات التي بقيت فيها على الساحة، وإنما بقدرتها على مراجعة تجربتها، واستيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية، والانتقال من شرعية التاريخ إلى شرعية الإنجاز.
ولد الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مرحلة سياسية شديدة التعقيد. فقد تأسس في السادس عشر من آب 1946 بقيادة الملا مصطفى بارزاني، في ظروف إقليمية ودولية مضطربة، وفي ظل واقع سياسي لم تكن فيه القضية الكوردية قد وجدت طريقها المستقر إلى الاعتراف والتمثيل السياسي. وتشير المصادر التاريخية إلى أن المؤتمر التأسيسي انعقد بصورة سرية في بغداد وبمشاركة سبعين مندوباً، قبل أن يتحول الحزب لاحقاً إلى قوة سياسية وتنظيمية واسعة التأثير.
ومن هنا تبدو أهمية الحزب في أنه لم يكن مجرد تنظيم سياسي بالمعنى التقليدي، بل أصبح جزءاً من الذاكرة السياسية والاجتماعية للكورد في العراق. فقد ارتبط اسمه بمراحل متعددة من تاريخ الحركة الكوردية، وبالجبال والبيشمركة والمفاوضات والانتفاضات والاتفاقيات، كما ارتبط في الوعي الجمعي الكوردي بشخصية الملا مصطفى بارزاني وبالنهج الذي حمل اسمه لاحقاً.
لكن التاريخ السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى ذاكرة انتقائية. فالاحتفاء بالتضحيات لا يعني إلغاء الأسئلة، وتمجيد المناضلين لا يعني إعفاء المؤسسات السياسية من النقد والمراجعة. بل إن قوة أي تجربة سياسية تكمن في قدرتها على النظر إلى تاريخها بعين الاعتزاز حين يكون الاعتزاز مستحقاً، وبعين النقد حين يصبح النقد ضرورة.
في رسالته الأخيرة، يركز السيد مسعود بارزاني على فكرة جوهرية تتمثل في أن الحزب ينبغي أن يبقى وسيلة لخدمة الشعب، لا غاية قائمة بذاتها. وهذه الفكرة، في تقديري، هي أهم ما يمكن التوقف عنده في المناسبة كلها.
فالحزب السياسي يفقد مبرر وجوده عندما تتحول المؤسسة إلى غاية، أو عندما يصبح التنظيم أهم من المجتمع الذي يفترض أن يخدمه. ولذلك فإن الحديث عن الحزب بوصفه قوة لشعب كوردستان ينبغي أن يقترن دائماً بالسؤال عن طبيعة هذه القوة ووظيفتها: هل هي قوة سياسية لخدمة المواطنين؟ أم قوة انتخابية؟ أم قوة مؤسساتية؟ أم قوة تفاوضية داخل العراق؟ أم مزيج من ذلك كله؟
إن قوة الحزب الحقيقية لا تقاس فقط بقدرته على الفوز في الانتخابات أو المحافظة على نفوذه السياسي، وإنما بقدرته على بناء مؤسسات أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر أمناً، واقتصاد أكثر إنتاجاً، وحياة سياسية أكثر انفتاحاً، وإدارة عامة أكثر شفافية.
تاريخياً، كانت الحركات السياسية الكوردية تعمل في بيئة يغلب عليها الصراع مع السلطة المركزية، ولذلك كانت شرعية المقاومة والنضال والتضحيات في مقدمة مصادر قوتها.
أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة المسؤولية. لقد أصبح إقليم كوردستان جزءاً من النظام الدستوري العراقي، وأصبح للحزب الديمقراطي الكوردستاني حضور رئيسي في مؤسسات الإقليم والعراق، وبالتالي لم تعد مهمته مقتصرة على التعبئة السياسية أو الدفاع عن الحقوق القومية، وإنما باتت تشمل مسؤولية إدارة المؤسسات، وحماية التعددية، وتحقيق التنمية، وصيانة الحريات، وتعزيز دولة القانون.
وهذا التحول من شرعية النضال إلى شرعية الدولة يمثل واحداً من أكبر الاختبارات التي تواجه الحزب، كما يواجه مختلف القوى السياسية الكوردستانية والعراقية.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى عقل سياسي مختلف؛ عقل يستطيع أن يحافظ على الذاكرة دون أن يبقى أسيرها، وأن يحترم الماضي دون أن يستخدمه بديلاً عن الحاضر، وأن يحول التضحيات السابقة إلى مؤسسات ناجحة وحقوق ملموسة للمواطن.
من اللافت في رسالة السيد بارزاني التأكيد على التعايش والأخوة والوئام بين المكونات القومية والدينية والسياسية، وعلى الشراكة واحترام الدستور بوصفهما طريقاً إلى الاستقرار العراقي.
وهذا الطرح يكتسب أهمية خاصة في العراق؛ بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب والثقافات، عانى طويلاً من محاولات فرض لون سياسي أو قومي واحد على فسيفسائه الاجتماعية.
إن التجربة العراقية أثبتت أن أية جماعة لا تستطيع أن تبني استقرارها الحقيقي على حساب الآخرين، كما أن أية قوة سياسية لا يمكنها أن تضمن مستقبلها إذا تعاملت مع الشراكة باعتبارها صفقة مؤقتة لا مبدأً سياسياً.
لذلك فإن احترام الدستور لا ينبغي أن يكون انتقائياً، كما أن الشراكة لا ينبغي أن تعني اقتسام المناصب والنفوذ فقط. الشراكة الحقيقية هي شراكة في القرار والمسؤولية والحقوق والواجبات، وهي قبل ذلك شراكة في بناء الدولة.
ربما تكون واحدة من أكثر القضايا حساسية في التجارب السياسية المعاصرة هي العلاقة بين الحزب والسلطة والدولة.
فحين يكون الحزب في المعارضة، يستطيع أن يرفع سقف المطالب، وأن ينتقد السلطة، وأن يقدم نفسه ممثلاً للمجتمع في مواجهة الدولة. لكن حين يصبح الحزب جزءاً من السلطة، تنتقل المسؤولية إلى مستوى آخر: يصبح مطالباً بأن يثبت أن المؤسسات التي يديرها قادرة على العمل بمعزل عن الولاءات الحزبية، وأن القانون يمكن أن يكون فوق الجميع.
وهذه ليست مسألة تخص الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحده؛ إنها قضية عامة في العراق والمنطقة. والتجارب السياسية الناضجة هي التي تنجح في الفصل بين قوة الحزب وقوة الدولة، بحيث لا تصبح الدولة ملكاً لحزب، ولا تتحول مؤسساتها إلى امتداد تنظيمي له.
ومن هنا فإن مستقبل الحزب، بعد ثمانية عقود من وجوده، يرتبط أيضاً بقدرته على تعزيز المؤسسات، وترسيخ مبدأ التداول السياسي، وتوسيع المجال أمام الأجيال الجديدة، وفتح أبواب المشاركة أمام مختلف التيارات والقوى الاجتماعية. لا يمكن الحديث عن تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني من دون التوقف عند البيشمركة، الذين يمثلون في الذاكرة الكوردية عنواناً للتضحية والمقاومة.
وقد خصت رسالة السيد البارزاني البيشمركة والشهداء والمناضلين باستذكار واضح، مؤكدة أن ما تحقق عبر العقود لم يكن منفصلاً عن التضحيات التي قدمها هؤلاء. لكن تكريم الشهداء لا يكون بالكلمات وحدها، بل ببناء مجتمع يحفظ معنى التضحيات التي قدموها.
فالشهيد الذي ضحى من أجل الحرية لا ينبغي أن تكون ذكراه مناسبة موسمية، وإنما ينبغي أن تكون حافزاً لحماية الحرية نفسها. والمناضل الذي قاتل من أجل كرامة الإنسان لا يمكن أن تكون أفضل طريقة لتكريمه هي إنتاج واقع ينتقص من كرامة المواطن.
إن أعظم تكريم للبيشمركة والشهداء هو دولة آمنة، ومؤسسات عادلة، ومجتمع يحترم القانون، ومستقبل لا يحتاج فيه المواطن إلى حمل السلاح كي يحصل على حقه.
ثمانون عاماً تعني أن الحزب لم يعد حزب جيل واحد. لقد مر عبر أجيال متعددة، وتغيرت معه طبيعة المجتمع الكوردستاني، كما تغير العراق والمنطقة والعالم.
جيل اليوم ليس هو جيل الأربعينيات أو الستينيات أو السبعينيات. إنه جيل التكنولوجيا والاتصال المفتوح والتعليم الحديث، وجيل يرى العالم في هاتفه قبل أن يراه في كتاب أو صحيفة.
وهذا الجيل يريد إجابات عن أسئلة جديدة: العمل، التعليم، السكن، الاقتصاد، البيئة، الحريات، تكافؤ الفرص، مكافحة الفساد، استقلال المؤسسات، ومستقبل العلاقة بين الإقليم وبغداد. ولذلك فإن استمرار أي حزب لا يتوقف على قوة ذاكرته فقط، بل على قدرته على مخاطبة المستقبل.
الحزب الذي يريد أن يحتفظ بمكانته التاريخية عليه أن يمتلك مشروعاً للمستقبل، لا أن يكتفي باستعادة الماضي. لقد ظلت القضية الكوردية واحدة من القضايا الكبرى في تاريخ العراق الحديث، ولا يمكن إنكار ما تعرض له الكورد من سياسات قاسية ومحاولات طمس الهوية وحرمان الحقوق. لكن التحولات التي شهدها العراق بعد 2003، ثم الدستور العراقي لعام 2005، أوجدت إطاراً دستورياً جديداً للعلاقة بين المركز والإقليم.
ومن هنا فإن الدفاع عن الحقوق الكوردية ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع ترسيخ مفهوم المواطنة العراقية. فالكوردي يستطيع أن يكون متمسكاً بهويته القومية، وفي الوقت نفسه مواطناً عراقياً كامل الحقوق. والعربي والتركماني والمسيحي والإيزيدي وسائر مكونات العراق يستطيعون الحفاظ على خصوصياتهم الثقافية والقومية والدينية في إطار دولة واحدة تقوم على المساواة.
إن العراق لا يحتاج إلى إلغاء هوياته المتعددة، بل إلى تحويل هذا التنوع من مصدر صراع إلى مصدر قوة. وهنا لا بد من الإشارة إلى حقيقة سياسية ربما تكون قاسية، لكنها ضرورية: التاريخ يمنح الشرعية الأخلاقية، لكنه لا يمنح حصانة دائمة من النقد.
فكل حزب، مهما كان تاريخه عريقاً، يحتاج إلى مراجعة نفسه. وكل قيادة، مهما كانت تضحياتها، تحتاج إلى أن تسمع النقد. وكل تجربة سياسية، مهما كانت إنجازاتها، ينبغي أن تخضع للتقييم.
والحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي بلغ ثمانين عاماً، يمتلك من التاريخ ما يكفي ليكون قادراً على ممارسة النقد الذاتي دون خوف، بل إن النقد الذاتي يمكن أن يكون دليلاً على قوة التجربة لا ضعفها. فالمؤسسات التي تخاف من النقد تضعف، أما المؤسسات التي تستوعب النقد وتتعلم منه فتزداد رسوخاً. ربما تكون الذكرى الثمانون مناسبة مناسبة للتفكير في المستقبل أكثر من الاحتفال بالماضي.
إن إقليم كوردستان يحتاج إلى عقد سياسي واجتماعي جديد، تكون فيه المنافسة بين الأحزاب على أساس البرامج والإنجازات، لا على أساس التاريخ وحده. ويكون المواطن هو مركز العملية السياسية، لا مجرد ناخب يظهر في مواسم الانتخابات.
ويحتاج العراق كله إلى علاقة أكثر استقراراً بين بغداد وأربيل، تقوم على الدستور والحوار والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق الأزمات الدورية والتسويات المؤقتة.
وفي هذا السياق، يمكن للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بحكم تاريخه وثقله السياسي، أن يؤدي دوراً مهماً في الدفع باتجاه عراق أكثر استقراراً، إذا ما استطاع أن يجعل من الشراكة مبدأً ثابتاً لا مجرد خيار سياسي تفرضه الظروف.
فالحزب الذي تأسس في عام 1946 وسط ظروف صعبة استطاع أن يبقى حاضراً في المشهد السياسي الكوردستاني والعراقي حتى عام 2026، وهي مدة طويلة في تاريخ الأحزاب السياسية، التي كثيراً ما ولدت ثم اختفت مع تغير الأنظمة والظروف.
السؤال الحقيقي هو: ماذا يريد الحزب أن يكون في العقد التاسع؟ هل يبقى أسيراً لصورة الحزب التاريخي؟ أم يتحول بصورة أعمق إلى حزب مؤسسات وبرامج؟ هل يكتفي باستثمار شرعية الماضي؟ أم يصنع شرعية جديدة عبر الأداء والإنجاز؟ هل يظل حزباً يمثل ذاكرة النضال فقط؟ أم يصبح أيضاً حزباً يمثل تطلعات الأجيال الجديدة؟
هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من التاريخ، بل هي احترام حقيقي له. فالذين أسسوا الحزب قبل ثمانية عقود لم يكونوا يعرفون شكل العالم الذي سيأتي بعد ثمانين سنة، لكنهم كانوا يعرفون أن السياسة وسيلة لتحقيق أهداف شعبهم.
واليوم، وبعد ثمانية عقود، فإن الوفاء لذلك الإرث لا يكون بتكرار الكلمات نفسها، وإنما بامتلاك الشجاعة نفسها في مواجهة أسئلة العصر.
في السادس عشر من آب 1946 بدأت صفحة جديدة في تاريخ الحركة السياسية الكوردية، ومع مرور ثمانية عقود أصبح الحزب الديمقراطي الكوردستاني جزءاً من تاريخ العراق الحديث ومن الذاكرة السياسية لشعب كوردستان.
وفي السادس عشر من آب 2026، جاءت رسالة الرئيس مسعود بارزاني لتستحضر الشهداء والبيشمركة والمناضلين، وتؤكد مفاهيم خدمة الشعب والتعايش والشراكة واحترام الدستور.
لكن أجمل ما يمكن أن تفعله الذكرى ليس أن تجعلنا أسرى للماضي، وإنما أن تدفعنا إلى التفكير في المستقبل. فالأحزاب الكبيرة لا تكبر بعدد سنواتها، بل بقدرتها على التجدد. والتاريخ الحقيقي لا يُكتب فقط بما أنجزه السابقون، بل بما يستطيع اللاحقون أن يضيفوه.
وبعد ثمانين عاماً من التأسيس، ربما يكون التحدي الأكبر أمام الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو أن يحول رصيد الذاكرة إلى مشروع للمستقبل، وأن يجعل من قوة التاريخ قوةً لبناء المؤسسات، ومن تضحيات الشهداء ضمانةً للحرية، ومن فكرة خدمة الشعب ممارسةً يومية، ومن الشراكة السياسية أساساً لعراقٍ يتسع لجميع أبنائه.
ثمانون عاماً مضت… ويبقى الامتحان الحقيقي في السنوات القادمة: كيف يتحول التاريخ إلى مستقبل، والذاكرة إلى مشروع، والنضال إلى دولة ومؤسسات وحقوق وكرامة للمواطن؟