د. حمدي سنجاري
لم تكن الضربة الأخيرة التي تعرّض لها إقليم كوردستان، والتي استهدفت مكتب رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني ومقرّ إقامة مدير جهاز المخابرات، مجرد حادثة أمنية يمكن إدراجها ضمن سياق التصعيد العسكري الجاري في المنطقة. فحين يبلغ الاستهداف مواقع مرتبطة مباشرة بالقيادتين السياسية والأمنية للإقليم، فإن الرسالة تتجاوز حدود الموقع المستهدَف لتلامس جوهر الموقف السياسي الذي تبنّته أربيل خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة.
وبحسب ما أعلنته سلطات إقليم كوردستان، فإن الهجوم نُسب إلى طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي الإيرانية. وبعيداً عن التفاصيل العسكرية للتحقيق الجاري، فإن توقيت الضربة ومواقعها يفرضان قراءة سياسية أوسع، لا سيما أن حكومة الإقليم سعت طوال فترة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى تجنّب الانجرار إلى الحرب، والحفاظ على موقعها كطرف يريد الأمن والاستقرار لا المواجهة.
الجِوار مسؤولية لا مجرد حدود
إيران دولة جارة لإقليم كوردستان، والجغرافيا في السياسة لا يمكن تجاهلها. فالجِوار يعني مصالح مشتركة، وحدوداً، وتجارة، وعلاقات اجتماعية واقتصادية متشابكة، كما يعني قبل كل شيء مسؤولية متبادلة في احترام أمن الطرف الآخر وسيادته.
ولذلك، فإن العلاقة بين كوردستان وإيران لا ينبغي أن تُختزل في لحظة خلاف أو أزمة أمنية عابرة. فالمنطقة بأكملها بحاجة إلى علاقات جوار قائمة على الحوار والاحترام المتبادل، لا على استخدام القوة أو نقل صراعات القوى الكبرى إلى أراضي الجيران.
وكان بإمكان إقليم كوردستان، بحكم علاقاته الدولية وموقعه السياسي، أن ينخرط بشكل مباشر في الاستقطاب الإقليمي، غير أنه اختار في مراحل كثيرة أن يحافظ على قدر من التوازن، مؤكداً أن أراضيه لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران أو بين أي قوى إقليمية أخرى. وهنا تكمن أهمية سياسة التهدئة التي تبنّتها حكومة مسرور بارزاني.
مسرور بارزاني ومحاولة البقاء خارج دائرة الحرب
منذ توليه رئاسة حكومة الإقليم، وجد مسرور بارزاني نفسه أمام بيئة إقليمية بالغة التعقيد؛ فالعراق جزء من منظومة أمنية وسياسية تتداخل فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا وقوى أخرى، بينما يقع إقليم كوردستان في قلب هذه المعادلات.
وفي ظل التصعيد الأمريكي – الإيراني، لم يكن يسيراً على أربيل أن تحافظ على موقف متوازن؛ فالعلاقات الاستراتيجية مع واشنطن تفرض واقعاً سياسياً وأمنياً معيّناً، في حين تبقى إيران دولة جارة لها وزنها وتأثيرها، فضلاً عن الروابط الاقتصادية والجغرافية العميقة. ومع ذلك، حرص مسرور بارزاني على التمسّك بموقف واضح مفاده أن كوردستان لا تريد أن تكون طرفاً في حرب الآخرين.
هذه السياسة لا تعني الانحياز إلى طرف على حساب آخر، ولا التخلي عن العلاقات الدولية للإقليم، بل تعني حماية المصلحة الكوردستانية أولاً، ومنع تحويل الإقليم إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة استهداف مكتب رئيس الحكومة ومقرّ إقامة مسؤول أمني رفيع باعتباره ضغطاً على هذا النهج ومحاولة لإرباكه.
هل تستهدف الضربة سياسة التهدئة نفسها؟
من الصعب الجزم بالنوايا النهائية لأي جهة تقف وراء عمل عسكري قبل اكتمال التحقيقات، غير أن توقيت الاستهداف ومكانه يفتحان الباب أمام سؤال جوهري: هل كان الهدف مجرد إلحاق أضرار مادية، أم توجيه رسالة إلى القيادة الكوردستانية مفادها أن سياسة الحياد والتهدئة لن تكون كافية لحماية الإقليم؟
فإذا كانت الغاية دفع أربيل إلى التخلي عن سياسة عدم الانجرار إلى الصراع، فقد تأتي النتيجة معاكسة تماماً. فكوردستان التي عانت عقوداً من الحروب والصراعات تدرك جيداً أن التصعيد يولّد تصعيداً، وأن تحويل الإقليم إلى ساحة مواجهة لن يفضي إلا إلى تحميل شعبه أعباء جديدة لا ناقة له فيها ولا جمل.
ولهذا، فإن الحفاظ على الهدوء – مع حماية الإقليم والدفاع عن سيادته – قد يكون أكثر قوة من الانفعال والاندفاع نحو ردود فعل غير محسوبة.
مدرسة البارزاني في القيادة
مسرور بارزاني ليس غريباً عن الأزمات، فقد شهدت سنوات إدارته واحدة من أصعب المراحل التي مرّت بها حكومة إقليم كوردستان، حيث تزامنت أزمات اقتصادية ومالية وصحية وأمنية وعسكرية وسياسية في آنٍ واحد. وهنا تتجلى أهمية الخلفية السياسية التي استند إليها في إدارته.
فهو ينتمي إلى مدرسة البارزاني السياسية التي تشكّلت عبر عقود من التجربة والصراع والصمود، واستلهم الكثير من إرث جده الملّا مصطفى بارزاني، ومن التجربة السياسية للزعيم الكوردي مسعود بارزاني، الذي يمثّل بالنسبة لكثير من الكورد مرجعية سياسية وتاريخية بارزة. وتقوم هذه المدرسة على فكرة جوهرية: الصمود في الأوقات الصعبة، وعدم السماح للأزمة بأن تتحول إلى انهيار في القرار.
وقد واجه مسرور بارزاني، منذ توليه رئاسة الحكومة، ملفات لا يمكن وصفها بالسهلة: الأزمة الاقتصادية، وجائحة كورونا، والتحديات الأمنية، وتداعيات الحرب على الإرهاب، وملف النازحين واللاجئين، والخلافات مع بغداد، وأزمة النفط والغاز؛ وكلها ملفات متزامنة أو متداخلة. ورغم ذلك، استمرت عجلة مؤسسات الإقليم في الدوران، واستمر العمل على إبقاء الاستقرار الداخلي بعيداً قدر الإمكان عن العواصف التي تضرب المنطقة.
ولم تكن قضية النفط والغاز مجرد قضية اقتصادية بحتة؛ فقد تحوّلت على مدى سنوات إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين أربيل وبغداد، بحكم ارتباطها بالدستور والإيرادات والموازنة والرواتب والسياسة الاتحادية. ومع ذلك، ظل نهج الحكومة في كثير من الأحيان قائماً على التفاوض ومحاولة التوصل إلى حلول مع بغداد، بدلاً من تحويل الخلاف الاقتصادي إلى صراع سياسي دائم؛ وهو نهج يتطلّب قدراً كبيراً من الصبر والمرونة، خصوصاً في ظل محدودية الموارد المالية المتاحة للإقليم مقارنة بحجم الالتزامات والمسؤوليات الملقاة على عاتقه.
إن العمل الحكومي، لا سيما في بيئة سياسية معقّدة، يجب أن يبقى مفتوحاً للنقد والمراجعة والمساءلة. غير أن الإنصاف السياسي يقتضي في الوقت ذاته النظر إلى حجم الأزمات التي واجهتها الحكومة.
فالإدارة القوية لا تعني بالضرورة امتلاء الخزائن دوماً أو اختفاء المشكلات، بل تعني القدرة على إدارة الأزمات ومنعها من التحول إلى انهيار مؤسساتي أو أمني. وفي هذا السياق، يمثّل استمرار حكومة الإقليم في البحث عن حلول للملفات المالية والنفطية مع بغداد، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخليَّين، جانباً مهماً من تجربة الإدارة خلال السنوات الماضية.
كوردستان تريد أن تكون جزءاً من الحل
لعل الرسالة التي تحتاج المنطقة بأسرها إلى سماعها اليوم هي أن كوردستان لا تريد أن تكون ساحة جديدة للحرب. فأربيل لا تريد حرباً مع إيران، ولا تريد أن تكون أداة في مواجهة أمريكية – إيرانية، ولا تريد أن تتحول حدودها إلى خطوط تماس بين القوى الإقليمية والدولية.
كوردستان تريد أن تكون جاراً مستقراً لإيران، وشريكاً دستورياً لبغداد، وصديقاً للمجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه تريد حماية أمنها ومصالح شعبها وقرارها السياسي المستقل. وهذه المعادلة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة؛ فسياسة الحياد لا تعني الضعف، والتهدئة لا تعني الاستسلام، والحوار لا يعني التخلي عن الحقوق. بل إن التمسّك بهذه المبادئ في زمن التصعيد قد يكون دليلاً على قوة القيادة أكثر من الانخراط في مواجهة مفتوحة.
بعد الضربة: الحكمة هي الاختبار الحقيقي
إذا كانت الضربة الأخيرة تهدف إلى استفزاز حكومة الإقليم أو دفعها إلى تغيير سياستها، فإن الاختبار الحقيقي أمام مسرور بارزاني سيكون في كيفية التعامل معها. فالقوة السياسية لا تتجلى فقط حين تكون الظروف مواتية، بل تتجلى أكثر حين تكون الاستفزازات كبيرة والخيارات صعبة.
وقد يكون أفضل رد هو حماية الإقليم وتعزيز قدراته الأمنية، مع الاستمرار في فتح قنوات الحوار مع الجيران، وتجنّب منح الصراع الإقليمي فرصة لابتلاع كوردستان؛ فالمنطقة لا تحتاج إلى جبهة جديدة، بل تحتاج إلى عقلاء يطفئون الحرائق بدلاً من إشعالها، وإلى قيادات تدرك أن شعوب المنطقة دفعت أثماناً باهظة بسبب حروبٍ لم تكن في كثير من الأحيان حروبها.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يسعى إليه مسرور بارزاني – كما يظهر من نهجه السياسي – ليس أن تكون كوردستان أقوى من جيرانها، بل أن تكون آمنة مستقرة قادرة على إدارة شؤونها، وأن تنعم المنطقة بأسرها بالأمن والاستقرار الذي تنعم به كوردستان.
ولعل هذا هو جوهر الرسالة التي ينبغي أن تصدر عن أربيل بعد هذه الضربة: كوردستان لن تنجرّ إلى حرب الآخرين، لكنها في الوقت ذاته لن تتنازل عن حقها في الأمن والسيادة والاستقرار. فالحكمة التي تحتاجها المنطقة اليوم ليست حكمة الضعفاء، بل حكمة من يدرك أن خوض الحرب أمر يسير، بينما صون السلام وسط العواصف هو أصعب أشكال القيادة وأرقاها.