أحمد الخليل.. صوت الوطن وذاكرة النغم

محمد علي محيي الدين

وُلد أحمد الخليل في دهوك عام 1922، ونشأ في بغداد التي أصبحت لاحقاً مسرحاً واسعاً لتجربته الفنية، فجمع في شخصيته بين الجذور الكوردية والفضاء العراقي الأرحب، ليغدو واحداً من الأسماء المؤثرة في مسيرة الأغنية العراقية الحديثة. وتشير بعض المصادر الواردة إلى أن ولادته كانت سنة 1923، غير أن أغلب الروايات التي تناولت سيرته تثبتها في عام 1922، وقد استقر حضوره في الذاكرة الفنية بوصفه ملحناً ومطرباً وموسيقياً من جيل التجديد الذي ظهر بقوة في خمسينيات القرن العشرين.
دخل الخليل إذاعة بغداد عام 1950 ملحناً، في مرحلة كانت فيها الموسيقى العراقية تشهد تحولات عميقة، إذ أخذ جيل جديد من الفنانين يبحث عن صيغة تجمع أصالة المقام والتراث العربي والعراقي مع روح العصر، متأثراً بما كانت تقدمه الموسيقى والسينما المصرية من تجارب جديدة. وفي هذا المناخ برزت ملامح ما عرف لاحقاً بـ«الأغنية البغدادية»، وكان أحمد الخليل أحد الذين أسهموا في ترسيخها وتطوير أدواتها.

Screenshot

لم يكن الخليل ملحناً فحسب، بل كان صاحب أذن موسيقية واعية وذائقة واسعة. فقد تابع تجارب كبار الموسيقيين العرب، ومنهم محمد عبد الوهاب وزكريا أحمد ورياض السنباطي وفريد الأطرش، لكنه لم يكتفِ بالتأثر بهم، وإنما هضم ما في تجاربهم من عناصر موسيقية وأعاد صياغتها ضمن أسلوبه الخاص. وهكذا جاءت ألحانه مزيجاً من روح الموشح والمنولوج والمقام والموال والليالي، مع نزعة واضحة إلى التجديد والمرونة، وهو ما منح أعماله شخصية مميزة جعلتها قابلة للحضور في أكثر من جيل.
ومن أبرز ما يميز تجربة أحمد الخليل أنه لم يكن ينظر إلى التلحين باعتباره إنتاجاً للأغاني فحسب، بل كان معنياً بصناعة الأصوات واكتشاف المواهب. فقد كان من أوائل الذين التفتوا إلى أصوات شابة أصبحت لاحقاً من نجوم الغناء العراقي، ومن بينهم رياض أحمد، الذي كان اسمه عبد الرضا مزهر قبل أن يختار له الخليل اسمه الفني المعروف. كما ارتبط اسمه بمائدة نزهت وأحلام وهبي وعفيفة إسكندر وفاضل عواد، وأسهم في تقديمهم أو دعم حضورهم الفني، الأمر الذي يجعل أثره يتجاوز قائمة ألحانه إلى الجيل الذي ساعد على ظهوره وانتشاره.
وترك الخليل عشرات الألحان التي تنوعت بين العاطفي والوطني والاجتماعي، وغنى بعضها بصوته، ثم أصبحت أعمال أخرى جزءاً من رصيد مطربين عراقيين بارزين. ومن أغانيه التي ارتبطت بصوته «أنا شسويت»، و«ولفي الغدار»، و«بين دمعة وابتسامة»، و«گولولة الگلب يهواك»، و«خطاف الگلوب»، و«لا تنسى حبيب الروح»، وغيرها من الأعمال التي ظلت تتردد في الذاكرة العراقية. كما لحن لعدد من المطربين أعمالاً مثل «يا حلو يا أسمر»، و«على الله»، و«يا زماني»، و«يا حلو گلي شبدلك»، فضلاً عن عشرات الألحان الأخرى التي تشير المصادر إلى أن مجموعها تجاوز مئتي عمل فني.
أما في الجانب الوطني، فقد ارتبط اسم أحمد الخليل ارتباطاً وثيقاً بعدد من الأناشيد والأغاني التي عكست التحولات السياسية والاجتماعية في العراق. ويأتي في مقدمتها نشيده الشهير «هَر بژي كورد وعرب، رمز النضال»، الذي ظهر في أعقاب ثورة 14 تموز 1958، وحمل في مضمونه دعوة إلى الأخوة والتآخي بين الكورد والعرب. وقد اكتسب العمل حضوراً واسعاً، حتى تحول إلى جزء من الذاكرة الشعبية لدى أجيال عراقية عديدة. كما ارتبط اسمه بأعمال وطنية أخرى، منها «أمتي يا أمة الأمجاد»، فضلاً عن «صلاح الدين قهرمان» التي عادت إلى الواجهة في مرحلة إعلان بيان 11 آذار، حين كانت الآمال تتجه نحو مرحلة من السلام والاعتراف بحقوق الشعب الكوردي.
وتقدم شهادة ناظم دلبند، المنشورة في مقاله «أحمد الخليل ملحن خسر السلطة وربح التاريخ» في موقع «كردستان» عام 2025، جانباً إنسانياً مهماً من شخصية الفنان. فقد استعاد الكاتب من طفولته صوت نشيد «هَر بژي كورد وعرب، رمز النضال» المنبعث من مقهى في مدينته، ثم يربط ذلك الصوت بمرحلة سياسية لم يكن يدرك معناها وهو طفل. وبعد أن كبر واشتغل بالصحافة والإذاعة، التقى الخليل شخصياً في إذاعة بغداد عام 1976، واكتشف خلف الصورة الفنية شخصية متواضعة وقريبة من الناس، تعتز بانتمائها الكوردي من دون أن تجعل منه حاجزاً بينها وبين بقية مكونات المجتمع العراقي.
وفي تلك اللقاءات التي جمعتهما في كافتيريا مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، تحدث الخليل عن الموسيقى الكوردية وعن زملائه من الملحنين، وأشاد بعلي مردان ومكانته في فن المقام، كما أشار إلى تجاربه في تلحين الأغاني الكوردية لفنانين كورد. وتكشف هذه الشهادة أن اهتمامه بالموسيقى لم يكن محصوراً في اللون الغنائي الذي عُرف به، وإنما كان أوسع من ذلك، وأن انتماءه الثقافي كان جزءاً طبيعياً من شخصيته الفنية لا يتعارض مع رؤيته للعراق بوصفه فضاءً مشتركاً للكورد والعرب وسائر مكوناته.
ومن الجوانب اللافتة في فلسفة الخليل الفنية تأكيده أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة الملحن، وأن المعرفة بأسس الموسيقى والعمل المستمر عنصران لا غنى عنهما. وقد كان العود رفيقه في صناعة ألحانه، وهو ما يفسر جانباً من قدرته على الانتقال بين المقامات والأشكال الموسيقية المختلفة. كما تكشف شهاداته عن وعي الفنان بدوره في صناعة المطرب، لا الاكتفاء بمرافقته موسيقياً، وهو ما يتضح من اعتزازه باكتشاف رياض أحمد ومساهمته في تقديم أسماء أخرى للجمهور.

Screenshot

وتصفه المصادر التي تناولت سيرته بأنه كان كريم الخلق، لطيف المعشر، محباً للناس والوطن، وأن ألحانه اتسمت برقة الإحساس وعذوبة النغم ورشاقة الإيقاع. وقد امتدت مسيرته أكثر من نصف قرن، تعامل خلالها مع عدد كبير من مطربي العراق في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، فكان واحداً من الملحنين الذين رافقوا تطور الذائقة العراقية وانتقال الأغنية من تقاليدها القديمة إلى أشكال أكثر حداثة.
وقد اعتمدت المادة، في جانب منها، على ما أورده الدكتور حسن مهدي المؤمن في كتابه «أحمد الخليل.. ثروة وطنية وثقافية»، والمنشور عنه في جريدة «الحقيقة» في 6 نوفمبر 2013، كما أشارت إلى مادة أحمد الحمد المندلاوي في جريدة «التآخي»، وإلى مقال ناظم دلبند المنشور عام 2025. وتتكامل هذه الشهادات في رسم صورة فنان لم تكن قيمته في عدد ألحانه وحده، وإنما في قدرته على الجمع بين الفن والهوية والذاكرة الوطنية، وفي أثره الذي امتد إلى أصوات وفنانين جاءوا بعده.
وتختلف المصادر في تحديد يوم رحيله، إذ يرد في بعضها 30 أكتوبر 1998، وفي أخرى 31 أكتوبر من العام نفسه، لكنها تتفق على أنه توفي في بغداد عام 1998 عن نحو ستة وسبعين عاماً. وبغيابه انطفأ صوت فنان ظل حاضراً لأكثر من خمسين عاماً، غير أن تجربته لم تنتهِ برحيله؛ فالأغاني التي لحنها وغناها، والأصوات التي اكتشفها، والألحان الوطنية والعاطفية التي تركها، جعلت منه واحداً من أولئك الفنانين الذين يتحولون مع الزمن من أسماء في سجل الفن إلى جزء من الذاكرة الثقافية للبلاد. ومن دهوك إلى بغداد، بقي أحمد الخليل شاهداً على قدرة الموسيقى العراقية على أن تجمع بين التنوع والانتماء، وأن تجعل من اللحن جسراً يصل بين الإنسان وذاكرته ووطنه.

قد يعجبك ايضا