فائق زيدان… القاضي في قلب المشهد السياسي العراقي

بيوار نيرويي

في الأنظمة الدستورية، ترسم حدود واضحة بين الوظيفة القضائية والعمل السياسي، ويفترض أن يمارس القاضي اختصاصه في إطار القانون وبعيداً عن التنافس السياسي. إلا أن التجربة العراقية خلال السنوات الأخيرة تكشف عن اتساع لافت في الحضور العام لرئيس مجلس القضاء الأعلى، السيد القاضي فائق زيدان، إذ تجاوز حضوره نطاق العمل القضائي إلى ملفات تتصل باستقرار الدولة وإدارة أزماتها وتشكيل سلطاتها.
ولا يتعلق الأمر بإطلاق حكم مسبق على طبيعة هذا الدور أو وصفه بالتدخل السياسي، وإنما برصد ظاهرة أصبحت واضحة في المشهد العراقي؛ فالسيد زيدان لم يعد حاضراً فقط بوصفه رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، وإنما بوصفه أيضاً شخصية مؤثرة في عدد من الملفات ذات الصلة بالتوازنات السياسية.
وقد برز ذلك في الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بتشكيل السلطات والحكومة، ففي مطلع عام 2026، دعا مجلس القضاء الأعلى إلى الالتزام بالمواعيد الدستورية لاستكمال انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس مجلس الوزراء، كما دعا السيد زيدان في مناسبات سابقة إلى حسم استحقاقات اختيار رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان وتشكيل الحكومة ضمن المدد الدستورية. ورغم أن هذه المواقف يمكن فهمها في إطار حماية الانتظام الدستوري، فإن تكرار الحضور القضائي في ملفات التشكيل السياسي يفتح باباً للتساؤل حول حدود هذا الدور.
وتتجاوز الظاهرة التصريحات الرسمية إلى اللقاءات والتواصل مع القوى السياسية والفاعلين المؤثرين، حيث ارتبط اسم السيد زيدان خلال السنوات الأخيرة بحوارات تناولت الأزمات السياسية والتفاهمات بين الأطراف المختلفة، فضلاً عن حضوره في ملفات تتصل بالأمن والاستقرار ومكافحة الفساد. وهنا تبرز المفارقة: هل يمثل هذا الحضور امتداداً لدور القضاء في حماية الدولة واستقرارها، أم أنه يعكس انتقال رأس السلطة القضائية إلى مساحة أوسع من الوظيفة القضائية التقليدية؟
وتزداد حساسية السؤال عندما يتعلق الأمر بتشكيل الحكومات واختيار شاغلي المناصب العليا؛ إذ يمكن النظر إلى هذا الدور من زاويتين متعارضتين: مساهمة في منع الانسداد السياسي وتقريب وجهات النظر من جهة، واحتمال اتساع الحضور السياسي لرأس السلطة القضائية من جهة أخرى.
وامتد هذا الحضور إلى المجال الخارجي أيضاً؛ ففي 13 آب 2026، زار السيد زيدان سوريا على رأس وفد قضائي عراقي، وبحث مع المسؤولين السوريين ملفات قانونية وقضائية مشتركة، من بينها ملفات مرتبطة بالمعتقلين وتنظيم داعش. ويمكن وضع الزيارة في إطار التعاون القضائي، إلا أن طبيعة الملفات المطروحة تكشف عن تداخل واضح بين القضائي والأمني والسياسي، وتطرح بدورها سؤالًا عن حدود “الدبلوماسية القضائية”.
وفي المقابل، فإن تداول تقارير في 17 آب 2026 عن مخطط محتمل لاستهداف السيد زيدان، وربط بعضها ذلك بمواقفه من ملفات حصر السلاح ومكافحة الفساد، يضيف بُعداً آخر للظاهرة. ومع التأكيد على أن هذه المعلومات تبقى تقارير متداولة وليست وقائع قضائية محسومة، فإن مجرد تعرض رئيس مجلس القضاء الأعلى لمثل هذه التهديدات يكشف مدى اقتراب موقعه من دوائر الصراع التي ارتبطت تقليدياً بالفاعلين السياسيين والأمنيين.
ويمكن استحضار تجربة جون مارشال، رئيس المحكمة العليا الأمريكية، لفهم الفرق بين التأثير القضائي والتأثير السياسي، فقد كان لمارشال تأثير بالغ في الحياة الدستورية والسياسية الأمريكية، إلا أن مصدر هذا التأثير كان أساساً الأحكام القضائية والاجتهاد الدستوري وترسيخ مبادئ العلاقة بين السلطات. أما الحالة العراقية، فتبدو أكثر تعقيداً، لأن حضور رئيس السلطة القضائية لا يظهر من خلال القضاء وأحكامه فحسب، بل أيضاً من خلال اللقاءات السياسية والتواصل مع القوى المختلفة والحضور في ملفات تتجاوز المجال القضائي المباشر.
لذلك، فإن تجربة السيد فائق زيدان لا ينبغي اختزالها في شخصه، ولا في المواقف المؤيدة أو المعارضة له، بل ينبغي أن تُقرأ بوصفها مؤشراً على طبيعة العلاقة المتغيرة بين القضاء والسياسة في العراق. فالمسألة ليست: هل السيد فائق زيدان سياسي؟ فهذا سؤال يحمل حكماً مسبقاً؛ وإنما السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن لرئيس السلطة القضائية أن يشارك في إدارة أزمات الدولة وصناعة توازناتها، دون أن تتسع هذه المشاركة على حساب استقلال القضاء وحياده؟
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما ازداد حضور القضاء في حماية الدولة واستقرارها، ازدادت الحاجة إلى حماية المسافة التي تفصل القضاء عن السياسة.
وربما يكون السؤال الأعمق: هل يشهد العراق اتساعاً لدور القضاء في حماية الدولة، أم اتساعاً لدور رئيس القضاء في إدارة الدولة؟ فالفارق بينهما هو الفارق بين قضاء يؤثر في السياسة من خلال القانون، وقضاء يصبح حاضراً في السياسة إلى جانب القانون.

قد يعجبك ايضا