هورين حسن
ثمة أماكن في هذا العالم لا تزول ملامح الحزن عنها مهما تعاقبت السنون، وكأن تفاصيل الفاجعة قد حُفرت في صخورها لتتحدى النسيان، على سفوح جبل خيري وقرب ضفاف نهر خازر في قضاء شيخان، يقف “كهف دكان” شاهداً حياً وصامتاً على واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي ارتكبتها آلة القمع التابعة لنظام البعث البائد في الثامن عشر من آب/أغسطس عام 1969.
اليوم، وبعد مرور 56 عاماً على تلك المأساة، ما تزال الجدران المتفحمة للكهف تنضح برائحة الموت والرماد وما تزال أسرار الضحايا معلقة بين الصخور المنتحبة.
في أحضان الجبل
بدأت المأساة عندما شنت القوات العسكرية هجوماً برياً وجوياً
عنيفاً، استهدف القرى الآمنة في منطقتي عقرة وشيخان.
وتحت وطأة القصف المدفعي الذي لم يرحم بيوت الطين، لم يجد أهالي قرية دكان من ملاذٍ يحتمون به سوى كهف قريتهم، ظناً منهم أن أحضان الجبل ستكون أحنّ عليهم من قسوة البشر.
هرع الأطفال والنساء والشيوخ العزل، يحملون معهم أمل القيامة والنجاة، ليتجمعوا في عتمة الكهف الضيق .
لكن الملاذ الآمن سرعان ما تحول إلى فخ مميت، حاصرت القوات المهاجمة مدخل الكهف، وبدلاً من إبداء أي رحمة تجاه المدنيين المفزوعين، أغلقت المنافذ وأضرمت النيران بضراوة عند المدخل.
تحولت المغارة المظلمة في لحظات إلى أتون مستعر، وامتصت النيران المتصاعدة أنفاس الأبرياء، لتختنق صرخات الاستغاثة قبل أن تصل إلى السماء .
محرقة البراءة: الأرقام تتحدث بمرارة
لم تكن المجزرة مجرد حدث عسكري، بل كانت تصفية وحشية للقرية بأكملها، حيث حصدت ألسنة اللهب والدخان أرواح ما بين 66 إلى 77 شهيداً كردياً من سكان المنطقة العزل، وحين نمعن في تفاصيل الضحايا، تتبدى بشاعة الجريمة في أقصى صورها:
-الأطفال والرضع: التهمت المحرقة أرواح 37 طفلاً، من بينهم 7 أطفال رضّع لم يبلغوا عامهم الأول؛ قضوا قبل أن يدركوا ذنبهم في هذا العالم.
– النساء والأجنة: استشهدت في العتمة 29 امرأة، من بينهنّ 6 نساء حوامل، حيث دُفنت الأجنة في أرحام الأمهات قبل أن ترى النور.
– الشيوخ العاجزون: قضى في الكهف رجال طاعنون في السن وأشخاص ذوو إعاقة، عجزوا عن الفرار من الموت المتربص بهم.
الموقف الحكومي والدعم المعلق: بين بغداد وأربيل
في ميزان العدالة والإنصاف، ما تزال قضية دعم عوائل ضحايا “كهف دكان” تراوح مكانها بين وعود المؤسسات الرسمية وتطلعات الأهالي المكلومين.
فمن جهة الحكومة الاتحادية في بغداد، وباعتبارها الوريث القانوني والمالي للدولة العراقية، يرى الحقوقيون والمراكز التوثيقية أنها ملزمة دستورياً بتحمل المسؤولية الكاملة لتعويض ذوي الضحايا مادياً ومعنوياً، ورغم إدراج القضية سابقاً ضمن ملفات المحكمة الجنائية العراقية العليا، لم يجرِ البت النهائي بالتعويضات نتيجة تقليص مهام المحكمة، ممّا ترك الملف معلقاً دون إنصاف مالي مباشر حتى الآن ومع ذلك، شهد منتصف عام 2026 تفاهمات جديدة بين بغداد وأربيل لتشكيل فريق مشترك يهدف إلى تسريع فتح ملفات المقابر الجماعية المشابهة وتعديل القوانين الاتحادية لإنصاف الضحايا.
-أما على صعيد حكومة إقليم كردستان العراق، فتتحرك الجهود عبر قنوات برلمانية ووزارية؛ حيث تجري لجنة الشهداء والإبادة الجماعية والسجناء السياسيين في برلمان كردستان زيارات تفقدية دورية للكهف للقاء الناجين وعوائل الشهداء بهدف حصر مطالبهم القانونية والمعيشية ومتابعتها مع الجهات ذات الصلة.
وتعمل وزارة شؤون الشهداء والمؤنفلين في الإقليم على توفير الرعاية المعنوية وإحياء هذه الذكرى الأليمة، مع الدفع المستمر لإنشاء نصب تذكاري رسمي في قرية دكان التابعة لناحية قسروك لتخليد أسمائهم.
كما تبرز مطالبات ملحة من المراكز الحقوقية في الإقليم بضرورة التعجيل بفحص الحمض النووي (DNA) للرفات قبل دفنها بشكل رسمي لضمان هويتها وتوثيقها دولياً كجريمة إبادة جماعية .
ندوب لا تندمل وعدالة معلقة
وسط هذه القيامة المصغرة، لم يكتب القدر النجاة سوى لتسعة أشخاص فقط.
خرج هؤلاء الناجون التسعة من جوف المحرقة وهم يحملون على أجسادهم حروقاً بليغة وتشوّهات عميقة، لكن الندوب الأكثر عمقاً استقرت في أرواحهم التي ظلت أسيرة لتلك اللحظات الرهيبة.
اليوم، وبعد عقود طويلة، ما تزال عظام الضحايا موزعة ومغيبة في أربع مقابر جماعية قريبة لم تُفتح رسمياً حتى الآن
وما تزال قرية دكان مهجورة ومدمرة، ينتظر أهلها من يعيد الحياة إلى أراضيهم ويمنحهم الدعم لإعمارها، بينما تظل المطالبات القانونية قائمة لتدويل القضية بوصفها جريمة إبادة جماعية .
صرخة في وادي الصمت
إن مرور 56 عاماً دون تقديم دعم حقيقي وعادل لعوائل فاجعة “كهف دكان”، يثبت أن الضحايا يقتلون مرتين؛ مرة بالنار والبارود في عهد الجلاد، ومرة بالإهمال والتجاهل في زمن الديمقراطية الموعودة.
إن العدالة لا تكتمل بالبكاء على الأطلال وتذكر الفاجعة سنوياً، بل تبدأ بحرث المقابر الجماعية لانتشال رفات الأبرياء، وبناء قرية دكان المدمرة من جديد، وتقديم تعويضات تحفظ كرامة من بقي حياً من عوائل الشهداء والناجين المكلومين.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى “كهف دكان” شاهداً ليس فقط على وحشية النظام البائد، بل وعلى خذلان الأنظمة المتعاقبة التي فضّلت عتمة السياسة والتسويف على نور الحق والإنصاف.