د. عصام البرّام
ثمانون عاماً من النضال والبناء
في السادس عشر من آب عام 1946، وفي مرحلة تاريخية بالغة التعقيد أعقبت الحرب العالمية الثانية، تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليبدأ مسيرة سياسية ونضالية أصبحت واحدة من أبرز صفحات التاريخ السياسي الكوردي والعراقي الحديث. ومنذ ذلك اليوم، لم يكن الحزب مجرد تنظيم سياسي، بل تحول، عبر عقود طويلة من الصراع والتضحيات، إلى عنوان بارز للحركة السياسية الكوردستانية، وإلى مؤسسة ذات حضور مؤثر في المشهد العراقي والإقليمي والدولي.
ثمانون عاماً مرت على تأسيس الحزب، تبدلت خلالها الأنظمة السياسية، واندلعت الحروب، وتغيرت موازين القوى في المنطقة، لكن القضية الكوردستانية بقيت حاضرة في الوعي السياسي، فيما واصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسيرته بقيادة شخصيات ورموز ارتبطت بمراحل مفصلية من تاريخ كوردستان، وفي مقدمتها الملا مصطفى البارزاني، الذي قاد الحزب في سنواته الأولى، ثم مسعود بارزاني الذي تولى رئاسة الحزب منذ عام 1979، واستمر في قيادته خلال مراحل التحول الكبرى في العراق وكوردستان. وتشير وثائق الحزب إلى أن تأسيسه تم في السادس عشر من آب 1946، وأن اسمه تحول من الحزب الديمقراطي الكوردي إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني في المؤتمر الثالث عام 1953.
لقد كانت العقود الأولى من عمر الحزب مليئة بالمواجهات السياسية والعسكرية، ولا سيما في مواجهة الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على حكم العراق. وكانت ثورات وانتفاضات الشعب الكوردي، بما حملته من تضحيات ونزوح ومعاناة، جزءاً أساسياً من الذاكرة السياسية التي شكلت وجدان الحزب وأنصاره. وفي مراحل عديدة، كان الجبل ملاذاً للمقاتلين، وكانت البيشمركة عنواناً للمقاومة والدفاع عن الحقوق، في ظروف لم تكن فيها الخيارات السياسية السلمية متاحة بالقدر الذي أصبحت عليه لاحقاً.
لكن قراءة مسيرة الحزب بعد ثمانية عقود لا ينبغي أن تتوقف عند صفحات النضال المسلح، فالأهم أن هذه المسيرة انتقلت تدريجياً من مرحلة الثورة والمقاومة إلى مرحلة المؤسسات والحكم والإدارة والتنمية. وبعد التحولات الكبرى التي شهدها العراق، ولا سيما بعد عام 2003، برز إقليم كوردستان بوصفه تجربة سياسية وإدارية لها خصوصيتها، وأصبحت أربيل مركزاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً مهماً في العراق والمنطقة.
من الجبل إلى المؤسسات: تحول النضال إلى مشروع سياسي
تكمن أهمية تجربة الحزب الديمقراطي الكوردستاني في أنه لم يتعامل مع النضال بوصفه غاية نهائية، وإنما كان الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الكورد إدارة شؤونهم ومؤسساتهم والحفاظ على هويتهم وحقوقهم هدفاً أساسياً. ومن هنا جاء الانتقال التدريجي من مرحلة الثورة إلى مرحلة المؤسسات، ومن خطاب المواجهة إلى خطاب السياسة والحوار والتفاوض وبناء العلاقات.
وقد أصبحت أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، خلال العقود الأخيرة نقطة التقاء سياسية ودبلوماسية مهمة. ففي المدينة التي كانت في مراحل سابقة تعاني من آثار الحروب والصراعات، نشأت مؤسسات حكومية وبرلمانية، وافتتحت البعثات والقنصليات ومكاتب المنظمات الدولية، وأصبحت تستقبل الوفود السياسية والاقتصادية والدبلوماسية من مختلف أنحاء العالم.
وهذا التحول يعكس، في جانب منه، قدرة الحركة السياسية الكوردستانية على إعادة تعريف أدواتها. فالعلاقات الدولية لم تعد تقوم فقط على شرح معاناة الماضي، وإنما أصبحت مرتبطة بالمصالح المشتركة، والاستثمار، والأمن، والطاقة، والتجارة، ومكافحة الإرهاب، والتعليم والثقافة والسياحة.
وخلال السنوات التي واجه فيها العراق تنظيم داعش، اكتسب إقليم كوردستان أهمية دولية إضافية، وكان لقوات البيشمركة دور بارز في الحرب ضد التنظيم. وأسهم ذلك في تعزيز الاتصالات بين الإقليم والدول والمنظمات الدولية، وفي ترسيخ حضور أربيل في النقاشات المتعلقة بأمن العراق والمنطقة ومستقبلها.
وفي الوقت نفسه، تطورت علاقة الإقليم مع المجتمع الدولي من علاقة قائمة على التضامن السياسي إلى شبكة واسعة من المصالح والشراكات. وأصبح الاستثمار الأجنبي أحد أبرز وجوه هذا الانفتاح؛ إذ تشير بيانات هيئة الاستثمار إلى أن أكثر من 1650 مشروعاً استثمارياً حصلت على تراخيص في الإقليم بين عامي 2006 و2025، بقيمة استثمارات معلنة تبلغ نحو 80 مليار دولار، بينها نحو 14 مليار دولار للاستثمار الأجنبي المباشر والمشاريع المشتركة.
أربيل.. صورة جديدة لكوردستان
حين ينظر المرء اليوم إلى أربيل، يجد مدينة تختلف كثيراً عن صورتها في العقود الماضية. فالأحياء الحديثة، والطرق والجسور، والمراكز التجارية، والفنادق، والمشاريع السكنية، والجامعات، والمرافق الصحية، والمطار الدولي، كلها تشكل ملامح مدينة تسعى إلى أن تكون مركزاً إقليمياً للأعمال والسياسة والسياحة والثقافة.
ولا تعني هذه الصورة أن مسيرة التنمية اكتملت أو أن التحديات اختفت. فما زالت هناك تحديات اقتصادية ومالية وخدمية، وما زالت الحاجة قائمة إلى تنويع الاقتصاد، وتطوير الصناعة والزراعة، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز فرص العمل أمام الشباب. لكن ما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل تحولاً لا يمكن تجاهله.
ففي عام 2026 أعلنت حكومة إقليم كوردستان أن قيمة الاستثمارات المرخصة والمنفذة في قطاعات مختلفة تجاوزت 25.298 مليار دولار ضمن 856 مشروعاً، مع تركيز على الإسكان والسياحة والصناعة وقطاعات أخرى. كما تتواصل مشاريع كبيرة لتطوير شبكة الطرق، حيث أُنجزت 810 مشاريع طرق وجسور بين 2019 و2026، بطول إجمالي يبلغ 3055 كيلومتراً من الطرق الجديدة أو التي جرى تأهيلها.
وفي أربيل تحديداً، تظهر فرص ومشاريع في الصناعة والصحة والطاقة والنقل والسياحة، بما في ذلك خطط لمناطق صناعية، ومشاريع للطاقة الشمسية، ومرافق صحية، ومشاريع للنقل العام وتطوير منطقة مطار أربيل الدولي.
وهنا تتجسد إحدى أهم نتائج المسيرة السياسية: الانتقال من الدفاع عن الأرض إلى بناء الإنسان والمكان. فالتنمية ليست مجرد أبنية شاهقة وطرق حديثة، وإنما هي أيضاً تعليم وصحة وثقافة وخدمات وفرص اقتصادية وشعور بالأمن والاستقرار.
الدبلوماسية والعلاقات الاجتماعية.. الوجه الآخر للمسيرة
إن الحضور الذي اكتسبته أربيل على المستوى الدولي لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكم سياسي وأمني واقتصادي واجتماعي. فقد أدركت القيادة الكوردستانية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، أن الانفتاح على العالم وبناء علاقات متوازنة مع الدول الكبرى والإقليمية يمثلان جزءاً أساسياً من حماية مصالح الإقليم وتعزيز مكانته.
ومن هنا، أصبحت أربيل مساحة للحوار بين أطراف متعددة، ومركزاً لاستقبال الوفود الدولية، ومنصة للتواصل بشأن ملفات العراق والمنطقة. كما أن العلاقات التي نسجها الإقليم مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول المنطقة لم تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت إلى مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن والتعليم والثقافة والاستثمار.
وفي الداخل، تبقى العلاقات الاجتماعية والتعايش بين مكونات الإقليم من الملفات المهمة التي رافقت التجربة الكوردستانية. فقد احتضنت أربيل ومناطق الإقليم مكونات دينية وقومية متعددة، وأسهم ذلك في تكريس صورة كوردستان باعتبارها فضاءً للتنوع والتعايش. وهذه المسألة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر أساسي في بناء الاستقرار، لأن التنمية لا يمكن أن تزدهر من دون مجتمع يشعر بمكانته وحقوقه وكرامته.
وبعد ثمانين عاماً، يمكن النظر إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني باعتباره حركة سياسية مرت بمراحل متباينة: مرحلة التأسيس، ومرحلة الثورة والنضال، ومرحلة الصراع مع الدكتاتورية، ثم مرحلة المشاركة في بناء المؤسسات السياسية في العراق وإقليم كوردستان، وصولاً إلى مرحلة الدبلوماسية والتنمية والانفتاح الاقتصادي.
إن الاحتفال بالذكرى الثمانين لا ينبغي أن يكون مجرد استذكار لتاريخ مضى، بل مناسبة للتأمل في المستقبل. فالتحدي الحقيقي أمام أي حركة سياسية بعد ثمانية عقود هو قدرتها على تحويل إرثها التاريخي إلى مشروع متجدد يخدم الأجيال المقبلة. وكوردستان اليوم أمام فرصة كبيرة لتطوير ما تحقق، وتنويع اقتصادها، وتعزيز مؤسساتها، وتوسيع علاقاتها الدولية، وترسيخ التعايش، والاستثمار في الإنسان قبل الحجر.
من جبال بارزان، حيث ارتبطت بدايات المسيرة بالنضال والتضحيات، إلى أربيل التي تتسع اليوم للمؤسسات والجامعات والشركات والبعثات الدبلوماسية والمشاريع العمرانية، تمتد ثمانية عقود من التاريخ. وبين الماضي والحاضر مسافة طويلة قطعتها أجيال من الكوردستانيين، وما تزال الطريق مفتوحة أمام جيل جديد يحمل مسؤولية تحويل الاستقرار إلى تنمية مستدامة، وتحويل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، وتحويل العلاقات الدولية إلى شراكات، وتحويل إرث النضال إلى مستقبل من البناء والسلام.
وهكذا، فإن الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليست فقط ذكرى حزب، وإنما محطة لاستعادة ثمانية عقود من تاريخ سياسي واجتماعي طويل؛ تاريخ انتقل فيه المشروع الكوردستاني من مرحلة إثبات الوجود والدفاع عن الحقوق إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ مكانة أربيل وكوردستان في محيطهما العراقي والإقليمي والدولي. وفي هذا التحول تكمن دلالة السنوات الثمانين: أن النضال الحقيقي لا ينتهي عند تحقيق المكاسب السياسية، بل يستمر في بناء الإنسان، وصيانة المجتمع، وتطوير المدن، وتعزيز السلام، وفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.