السيادة العراقية ليست ساحة لتصفية الحسابات

عرفان الداوودي

إن استهداف أربيل بطائرات مسيّرة مفخخة، أياً كانت الجهة التي تقف وراءها، يمثل عملاً مرفوضاً ومداناً قانونياً وسياسياً، وانتهاكاً خطيراً لسيادة العراق وأمن مواطنيه، ومحاولة لجر إقليم كوردستان إلى صراعات وحروب لا علاقة لشعبه بها.

والأخطر من الاعتداء نفسه هو محاولة تبريره لاحقاً بالقول إن الهجمات استهدفت «مقرات إسرائيلية». فهذا الادعاء، حتى لو قيل لتبرير العمل عسكرياً أو سياسياً، لا يمنح أي جهة حق استخدام الأراضي العراقية أو إطلاق الطائرات المسيّرة باتجاه مدن الإقليم ومؤسساته وأماكن سكن المسؤولين. العراق دولة ذات سيادة، وأراضيه ليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ومن الناحية القانونية، فإن استخدام القوة داخل أراضي دولة ذات سيادة، من دون تفويض من مؤسساتها الدستورية المختصة أو مسوغ قانوني معترف به، يثير مسائل خطيرة تتعلق بانتهاك السيادة وسلامة الأراضي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كما أن استهداف منشآت مدنية أو إدارية أو مناطق مأهولة يضع مرتكبيه أمام مسؤولية قانونية وسياسية لا يمكن إسقاطها بمجرد إطلاق شعارات أو تبريرات سياسية.

إن حكومة إقليم كوردستان، ومؤسساتها الأمنية والمدنية، جزء من المنظومة الدستورية العراقية، واستهدافها لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حادثاً محلياً أو خلافاً سياسياً عابراً، بل باعتباره مساساً بأمن العراق وسيادته وبسلامة مواطنيه.

لقد أكد السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، أن هذه الهجمات لن تثني القيادة عن أداء واجباتها وحماية المواطنين. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى كل من يراهن على الترهيب: المسيّرات لا تصنع سياسة، والقنابل لا تبني دولة، والتهديد العسكري لا يستطيع إلغاء إرادة شعب.

لقد اختار إقليم كوردستان طريق المؤسسات والتنمية والاستقرار، ورفض أن يكون طرفاً في الحروب بالوكالة. ومن حقه، بل من واجبه، أن يحافظ على أمن مواطنيه ومؤسساته، وأن يطالب الحكومة الاتحادية بتحمل مسؤوليتها الدستورية في حماية سيادة العراق ومنع استخدام أراضيه منصةً للهجمات على أي جهة.

وهنا تقع المسؤولية على عاتق بغداد قبل غيرها: لا يكفي إصدار بيانات الإدانة بعد وقوع الهجمات، بل المطلوب اتخاذ إجراءات عملية لمعرفة مصادر إطلاق الطائرات المسيّرة، وتحديد الجهات المسؤولة، وإحالتها إلى القضاء وفق القانون، ومنع تكرار الاعتداءات.

كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع هذه الانتهاكات بجدية، لأن التساهل مع الهجمات العابرة للحدود يشجع على تكرارها ويحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي.

إننا ندين بأشد العبارات استهداف أربيل وأي اعتداء على المدنيين والمؤسسات الدستورية العراقية، ونرفض في الوقت نفسه منطق «الاستهداف الوقائي» أو «استهداف مقرات جهة ثالثة» كذريعة لانتهاك الأراضي العراقية.

إذا كانت هناك مشكلة مع أي جهة، فالعراق ليس ساحة المعركة، وأربيل ليست صندوق بريد للرسائل العسكرية.

السيادة ليست شعاراً يرفع في البيانات ثم يُنتهك في الميدان. والسيادة تعني أن لا تُطلق طائرة مسيّرة من خارج الحدود باتجاه مدينة عراقية، وأن لا تُستخدم أرض العراق لتنفيذ أجندات الآخرين.

إن حماية أربيل ليست مسؤولية الكورد وحدهم، بل مسؤولية الدولة العراقية بكل مؤسساتها. وحماية السيادة العراقية ليست قضية سياسية أو حزبية، وإنما قضية وطنية ودستورية تمس كل عراقي.

وسيظل الرد الأقوى على لغة الطائرات المسيّرة هو التمسك بالقانون، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتوحيد الصف العراقي، وحماية المواطنين، ومواصلة البناء والتنمية، وعدم السماح بتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

فمن يريد مواجهة سياسية فليجلس إلى طاولة الحوار، ومن لديه اعتراض فليقدمه عبر المؤسسات والقانون؛ أما الطائرات المفخخة والصواريخ فلا يمكن أن تكون بديلاً عن القانون، ولا يمكن أن تكون طريقاً لبناء السلام والاسقرار .

قد يعجبك ايضا