نَحّاتُ سِراقِ البلد… صَوْلَةُ الفَجْر حين ينحتُ الفنُّ يدَ التغيير… ويُشرق العراق من جديد

الدكتورة نادية الجدوع

لم يكن النحات يبحث عن حجرٍ يصلح لتمثالٍ عابر.

كان يبحث عن حجرٍ يستطيع أن يحمل ذاكرة وطن.

وقف أمام كتلة الرخام طويلًا، مرّر كفّه على سطحها، ثم تراجع خطوات. كان يتأملها كما يتأمل الفنان وجهًا يعرف أن خلف ملامحه حكاية طويلة.

لم يكن يريد أن ينحت شخصًا.

كان يريد أن ينحت مرحلة.

رفع الإزميل.

وتوقّف.

ثم جاءت الضربة الأولى.

لم تكن ضربةً في الرخام فحسب؛ كانت إعلانًا بأن الفن يستطيع أحيانًا أن يقول ما تعجز عنه الخطب.

هكذا بدأت حكاية «سِراق البلد… صولة الفجر».

نصبٌ لا يمجّد السارق، ولا يمنح الفساد بطولةً، بل يحوّل ذاكرة الفساد إلى شاهدٍ تاريخي على ضرورة التغيير.

في أسفل النصب، جعل النحات الحجر خشنًا، متشققًا، مثقلًا بالنتوءات والانكسارات.

هناك يضع رموز مرحلةٍ أثقلت العراق بالهدر والفساد وتعطيل المشاريع وإضاعة الفرص، حيث تحولت ثروات البلد في مراحل مختلفة إلى أرقامٍ ضخمة لا يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.

لم ينحت أسماء.

فالأسماء تذهب، أما الدلالة فتبقى.

جعل الوجوه بلا ملامح واضحة؛ كأنها أقنعة سقطت عنها ألوانها، وأيدٍ تمتد نحو خزائن المال ثم تنكسر عند قاعدة النصب.

لا يريد النحات أن يخلّد الفاسدين.

يريد أن يخلّد العبرة.

ثم يبدأ الحجر بالصعود.

ومن قلب التشققات تظهر ملامح العراق.

مدن.

طرق.

مدرسة.

مستشفى.

مصنع.

نخلة.

وفوقها طفل يرفع رأسه نحو الشمس.

هنا يتغير إيقاع النحت.

لم تعد الضربات ثقيلة.

أصبحت دقيقة، محسوبة، هادئة.

كأن النحات يعرف أن بناء العراق يحتاج إلى صبرٍ أكثر مما يحتاج إلى ضجيج.

ثم يصل إلى قلب النصب.

هناك، ينحت يدًا ممتدة إلى الأمام.

وفي الرؤية الرمزية للعمل، يستلهم الفنان يد رئيس الوزراء علي الزيدي الذي يقود، في تصور المقال، حملة «صولة الفجر»؛ لا بوصفها يد شخص فقط، وإنما باعتبارها رمزًا ليد الدولة حين تقرر أن تتحرك.

لكن اليد ليست قبضة.

إنها كفٌّ مفتوحة.

لأن اليد التي نريدها للعراق ليست يدًا تستولي، بل يدٌ تبني.

يدٌ تحمي المال العام.

يدٌ تضع القانون فوق المصالح.

يدٌ تزرع.

يدٌ تشيد.

يدٌ تفتح أبواب العمل.

يدٌ تمتد إلى الفقير لا إلى الخزينة.

يدٌ تكتب مستقبل الدولة بدل أن تكتب صفقةً في الظلام.

ثم يصعد النحات بإزميله إلى أعلى النصب.

وهناك تبدأ أجمل لحظة.

الشمس.

لا ينحتها كاملة.

يترك نصفها خلف الأفق الحجري، ثم يجعل نصفها الآخر يخرج إلى السماء.

إنها ليست شمس يومٍ عادي.

إنها شمس العراق حين يستعيد ثقته بنفسه.

وتحتها ينحت كلمة:

الفَجْر

فالفجر ليس مجرد لحظةٍ بين الليل والنهار.

الفجر قرار.

والنهضة قرار.

والتنمية قرار.

والبناء قرار.

والتغيير الحقيقي يبدأ عندما تتحول إرادة الدولة من الكلام إلى الإنجاز.

وهنا يصبح عنوان النصب أكثر عمقًا:

«سِراق البلد» ليس وصفًا للعراق، بل وصفٌ لمرحلةٍ يريد العراق أن يتجاوزها.

فالعراق ليس بلد السارقين.

العراق بلد الشرفاء.

بلد الجندي.

بلد المهندس.

بلد الطبيب.

بلد المعلم.

بلد الفلاح.

بلد العامل.

بلد المرأة العراقية التي وقفت في أصعب الظروف.

بلد العقول التي بنت حضارةً عرف منها العالم الكتابة والقانون والمدن الأولى.

فلا يجوز أن تختصر حضارة العراق في ملفات فساد، ولا أن تختصر ثرواته في جيوب الفاسدين.

العراق أكبر.

**وأعمق.

وأقوى.

وأقدم من كل مرحلة عابرة.**

وعندما يقترب النحات من نهاية العمل، لا يضع في أعلى النصب أسماء المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بملفات فساد.

لا يمنح أحدًا منهم شرف الخلود.

يضع رموز الفساد في أسفل الحجر، مكسورةً، متداعيةً، محاصرةً بجدار الزمن.

أما في الأعلى، فيضع العراق.

راية.

وشمسًا.

وأفقًا.

ويدًا للبناء.

وطفلًا ينظر إلى المستقبل.

كأن النصب كله يقول:

كانت هناك سنواتٌ أثقلت الوطن… لكن الوطن لم ينكسر.

ثم تأتي الضربة الأخيرة.

يرفع النحات إزميله.

يضرب.

تسقط قطعة صغيرة من الرخام.

وفجأة تظهر الشمس كاملة.

يصمت الفنان.

ينظر إلى عمله.

ثم يبتسم.

لقد لم ينحت تمثالًا.

لقد نحت رسالة.

رسالة تقول إن المال العام أمانة، وإن المنصب مسؤولية، وإن الدولة لا تُبنى بالفساد، وإن العراق يستطيع أن ينتقل من اقتصادٍ يستهلك ثرواته إلى اقتصادٍ يستثمرها، ومن مشاريع متعثرة إلى مشاريع منجزة، ومن سؤال:

«من أخذ؟»

إلى السؤال الأكبر:

«ماذا سنبني؟»

وهنا تكمن قيمة الفن.

الفنان لا يستطيع وحده أن يغيّر الدولة، لكنه يستطيع أن يجعل الحجر شاهدًا على التغيير.

والصحفي لا يستطيع وحده أن يبني مدينة، لكنه يستطيع أن يضع الحقيقة أمام الناس.

والمسؤول لا يُقاس بما يقوله عن البناء، وإنما بما يتركه البناء خلفه.

لهذا، فإن «صولة الفجر» في هذا النصب ليست صولةً على أشخاص.
إنها صولة على الفساد، واليأس، والهدر، وثقافة الإفلات من المسؤولية.

إنها صولة من أجل دولةٍ أقوى.

واقتصادٍ أكثر إنتاجًا.

ومدنٍ أكثر جمالًا.

ومؤسساتٍ أكثر هيبة.

ومواطنٍ يشعر أن ثروة بلده تتحول أخيرًا إلى حياةٍ أفضل.

وعندما يقف العراقي أمام هذا النصب بعد سنوات، لن يبحث عن وجه الفاسد.

سيبحث عن وجه العراق.

وسيجد الشمس.

وسيقرأ الرسالة:

العراق لم يكن يومًا بلد السارقين.
العراق بلد الحضارة والشرفاء.
وما كان عابرًا من فسادٍ لا يستطيع أن يهزم وطنًا عمره آلاف السنين.

فإذا كان الحجر قد حفظ ذاكرة الماضي، فإن الشمس المنحوتة في أعلاه تحفظ وعد المستقبل.

والفجر حين يأتي إلى العراق…

لا ينبغي أن يكون مجرد شروق شمس.

بل شروق دولة.

قد يعجبك ايضا