محمد علي الحيدري
واشنطن
بعد أشهر من الحرب الأميركية مع إيران، لم يعد السؤال في واشنطن مقتصراً على أهداف العمليات العسكرية أو كلفتها أو نتائجها، بل عاد إلى الواجهة سؤال أقدم من الأزمة نفسها: من يملك، دستورياً وسياسياً، قرار إدخال الولايات المتحدة في الحرب؟
النص الدستوري يبدو، للوهلة الأولى، واضحاً. فالمادة الأولى من الدستور تمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، بينما تجعل المادة الثانية الرئيس قائداً أعلى للقوات المسلحة. لكن المسافة بين النصين تحولت، خلال العقود الماضية، إلى واحدة من أكثر مناطق النظام السياسي الأميركي التباساً.
ومن كوريا إلى فيتنام، ومن العراق وأفغانستان إلى العمليات العسكرية المتعددة في الشرق الأوسط، توسعت عملياً قدرة الرئيس على استخدام القوة المسلحة من دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس. ومع كل أزمة جديدة كانت السلطة التنفيذية تكتسب مساحة إضافية، فيما يتراجع الدور العملي للمؤسسة التي منحها الدستور سلطة إعلان الحرب.
الحرب مع إيران أعادت هذا التناقض إلى قلب النقاش السياسي الأميركي بصورة يصعب تجاهلها.فقد شهد الكونغرس خلال الأشهر الأخيرة أكثر من محاولة لتقييد العمليات العسكرية ضد إيران وربط استمرارها بتفويض تشريعي صريح. ولم تعد هذه المحاولات مجرد موقف حزبي للديمقراطيين، بعدما انضم إليها عدد من الجمهوريين الذين يرون أن اتساع العمليات العسكرية من دون تفويض واضح يفتح باباً دستورياً يصعب إغلاقه مستقبلاً.
الأهمية هنا ليست في أرقام التصويت وحدها.
فتكرار طرح قرارات تحد من صلاحيات الرئيس في الحرب يشير إلى أن الاعتراض لم يعد موقفاً عابراً فرضته لحظة سياسية، بل تحول إلى خلاف متكرر داخل الكونغرس حول الأساس الدستوري لاستمرار الحرب.
في جوهر النقاش يقف “قرار صلاحيات الحرب” لعام 1973، الذي أقره الكونغرس في أعقاب تجربة فيتنام بهدف إعادة التوازن بين الرئيس والسلطة التشريعية. ويضع القانون قيوداً زمنية وإجرائية على استمرار استخدام القوات الأميركية في أعمال عدائية من دون تفويض من الكونغرس.
لكن التجربة التي امتدت أكثر من نصف قرن أظهرت مشكلة أساسية: القانون موجود، إلا أن الرؤساء من الحزبين قاوموا باستمرار أي تفسير يمكن أن يجعل الكونغرس صاحب الكلمة الحاسمة في إدارة العمليات العسكرية.
وهنا تتجاوز قضية إيران الخلاف بين ترامب والديمقراطيين. فالمشكلة لم تبدأ مع ترامب، ولم تكن حكراً على الجمهوريين. رؤساء ديمقراطيون وجمهوريون على السواء استخدموا القوة العسكرية استناداً إلى صلاحيات القائد الأعلى، أو تفويضات سابقة، أو تفسيرات قانونية تمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً في التعامل مع التهديدات الخارجية.
لكن إيران وضعت المسألة في صيغة أكثر حدة، لأن العمليات تحولت إلى نزاع ممتد، بينما لم يصدر الكونغرس إعلان حرب أو تفويضاً محدداً للحرب الحالية.
أنصار الصلاحيات الرئاسية الواسعة يقدمون حجة ليست بلا أساس. فالرئيس، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن الأمن القومي، لا يستطيع انتظار عملية تشريعية طويلة كلما تعرضت القوات الأميركية أو المصالح الأميركية لخطر عاجل. وفي عالم تتحرك فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة خلال دقائق، يصعب إدارة الأمن القومي وفق الإيقاع البطيء للكونغرس.
لكن هذه الحجة تصبح أكثر إشكالية عندما تنتقل العمليات من الرد على خطر عاجل إلى حرب تمتد أسابيع وأشهراً.
فالفرق كبير بين منح الرئيس قدرة على حماية القوات الأميركية في ظرف طارئ، ومنحه عملياً سلطة تقرير دخول البلاد في حرب مفتوحة ثم مطالبة الكونغرس بتمويلها بعد وقوعها.
ومن هنا يصبح الخلاف على إيران خلافاً على تعريف الحرب نفسها.
إذا كان الرئيس يستطيع بدء العمليات، وتحديد أهدافها، وتوسيعها، والاستمرار فيها لفترة طويلة من دون تفويض تشريعي محدد، فما الذي تبقى عملياً من سلطة الكونغرس في إعلان الحرب؟
المفارقة أن الكونغرس نفسه يتحمل جانباً من المسؤولية عن هذا التراجع. فعلى مدى عقود، كان المشرعون أكثر استعداداً للاعتراض على الحروب من استعدادهم لتحمل المسؤولية السياسية الكاملة عن قرار بدئها أو إنهائها. الحرب قرار مكلف انتخابياً؛ فإذا نجحت استفاد الرئيس، وإذا فشلت يستطيع أعضاء الكونغرس القول إنهم لم يتخذوا قرار الدخول فيها أصلاً.
وهكذا نشأ نوع من التوازن غير المكتوب: الرئيس يمتلك المبادرة العسكرية، والكونغرس يحتفظ بحق الاعتراض والتمويل والرقابة، لكنه نادراً ما يستخدم سلطاته بطريقة تفرض نهاية واضحة للعمل العسكري.
إيران ربما بدأت تغير هذه المعادلة.
فتكرار التصويت داخل الكونغرس، وانضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين، يشير إلى أن القضية لم تعد محصورة في المعارضة الحزبية لترامب. ثمة قلق مؤسساتي أوسع من أن يصبح حق الرئيس في استخدام القوة العسكرية سلطة شبه مفتوحة لا يستطيع الكونغرس استعادتها إلا بعد أن تكون الحرب قد أصبحت واقعاً.
وهذا النقاش يزداد أهمية مع اقتراب انتخابات نوفمبر.
فإذا تغيرت الأغلبية في الكونغرس، قد تصبح صلاحيات الحرب واحدة من ساحات المواجهة الكبرى بين السلطة التشريعية والبيت الأبيض. أما إذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية، فسيظل السؤال قائماً داخل الحزب نفسه بين جناح يدافع عن الرئيس وجناح آخر، يضم أصواتاً محافظة، يرى أن منح السلطة التنفيذية قدرة غير محدودة على خوض الحروب يتعارض أصلاً مع التقليد الدستوري الذي يفترض أن المحافظين يدافعون عنه.
المعركة، إذن، ليست فقط حول إيران.. إنها حول تحول تاريخي حدث بهدوء داخل النظام الأميركي: انتقال مركز الثقل في قرار الحرب من مبنى الكابيتول إلى البيت الأبيض.
وقد كتب الآباء المؤسسون الدستور وهم يخشون ترك قرار الحرب بيد شخص واحد، ولذلك وزعوا السلطة بين رئيس يقود القوات المسلحة وكونغرس يمتلك حق إعلان الحرب والتمويل.
بعد أكثر من قرنين، يبدو السؤال مختلفاً قليلاً لكنه أكثر إلحاحاً:
إذا كان الكونغرس لا يستطيع منع حرب لم يعلنها، ولا إنهاء حرب لم يفوضها، فهل ما زال يمتلك فعلاً سلطة الحرب التي منحه إياها الدستور؟
الحرب مع إيران ستنتهي في يوم ما، بتسوية أو هدنة أو بانتصار يدعيه هذا الطرف أو ذاك. لكن السؤال الدستوري الذي أعادته إلى واشنطن قد يبقى بعدها طويلاً.
لأن المسألة في النهاية لا تتعلق بمن يملك قرار الحرب على إيران فحسب، بل بمن سيملك قرار الحرب الأميركية المقبلة.