الأزمات تصنع العلاقات العامة والعلاقات العامة تصنع الثقة

د. زيد محمد كاظم

تكشف الأزمات حقيقة المؤسسات أكثر مما تصنعها. ففي الأوقات العادية تبدو معظم المؤسسات ناجحة في التواصل مع جمهورها، وتحرص على نشر إنجازاتها وإبراز نشاطاتها، لكن عند وقوع أزمة حقيقية تتغير المعايير، وتسقط الشعارات، ويصبح السؤال الوحيد الذي يطرحه الناس: هل كانت المؤسسة مستعدة؟ وهل استطاعت أن تحافظ على ثقة جمهورها؟ لقد أثبتت التجارب أن الأزمة ليست مجرد حدث طارئ، بل اختبار لقدرة الإدارة على اتخاذ القرار، واختبار للعلاقات العامة في إدارة الاتصال. فالمؤسسة التي تملك خطة واضحة للتعامل مع الأزمات تستطيع الحد من الخسائر، بينما تتحول الأزمة في المؤسسات غير المستعدة إلى سلسلة من الأخطاء المتراكمة، تبدأ بالصمت، ثم تتبعها الشائعات، وتنتهي بفقدان ثقة الجمهور.

في العراق، لا تكاد تخلو مؤسسة من مواجهة أزمة، سواء كانت خدمية، أو تعليمية، أو صحية، أو اقتصادية. لكن الفارق لا يكمن في وجود الأزمة، بل في طريقة إدارتها. فكثيرًا ما شهدنا مؤسسات تتأخر في إصدار توضيح رسمي، أو تكتفي ببيانات مقتضبة لا تجيب عن أسئلة الناس، فتترك المجال مفتوحًا للإشاعات والتفسيرات المتضاربة. وفي المقابل، استطاعت مؤسسات أخرى أن تحتوي الموقف بسرعة، لأنها أدركت أن الجمهور يحتاج إلى الحقيقة قبل أن يبحث عنها في مكان آخر.

يرى الباحث الأمريكي تيموثي كومبس أحد أبرز المتخصصين في إدارة الأزمات، أن الأزمة لا تضر المؤسسة بقدر ما تضرها طريقة استجابتها لها. فالجمهور لا يحاسب المؤسسة على وقوع الأزمة فقط، بل على مستوى الشفافية والسرعة والمسؤولية في التعامل معها. ولذلك، فإن الاتصال الفعال أثناء الأزمة لا يقل أهمية عن القرار الإداري نفسه. وقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة نماذج متعددة تؤكد هذه الحقيقة. فعند حدوث أزمات صحية أو خدمية أو تعليمية، كانت بعض المؤسسات تبادر إلى عقد المؤتمرات الصحفية، وتخصيص خطوط ساخنة، ونشر التحديثات أولًا بأول، مما أسهم في طمأنة الجمهور وتقليل مساحة الشائعات. وفي المقابل، اختارت مؤسسات أخرى الصمت، أو تأخرت في التواصل، فوجدت نفسها أمام موجة من الانتقادات وفقدان الثقة.

وتبرز الجامعات العراقية مثالًا مهمًا في هذا السياق. فعند حدوث تغييرات مفاجئة في جداول الامتحانات، أو تعليق الدوام، أو تعديل التعليمات، يترقب الطلبة بيانًا رسميًا واضحًا. وإذا تأخر هذا البيان، تبدأ الأخبار غير الرسمية بالانتشار، ويصبح الطالب أسيرًا للتخمينات. وهنا تظهر أهمية العلاقات العامة في تقديم المعلومة بسرعة ووضوح، لأن التأخير في الاتصال قد يكون أكثر ضررًا من الأزمة نفسها. كما أن المؤسسات الخدمية تواجه الاختبار ذاته. فعندما يحدث انقطاع في خدمة الكهرباء أو الماء، أو خلل في أحد المرافق العامة، لا ينتظر المواطن حلولًا فورية بقدر ما ينتظر تفسيرًا صادقًا لما حدث، وجدولًا زمنيًا واضحًا للمعالجة. فالصراحة لا تلغي الأزمة، لكنها تمنع انهيار الثقة.

ومن الأخطاء الشائعة أن بعض الإدارات تعتقد أن الاعتراف بالمشكلة يضعف صورتها. بينما تشير التجارب العالمية إلى العكس تمامًا؛ فالمؤسسات التي تعترف بالخطأ، وتوضح أسبابه، وتعلن إجراءات المعالجة، تحافظ على احترام جمهورها أكثر من تلك التي تلجأ إلى الإنكار أو إخفاء المعلومات. كما أن العلاقات العامة الناجحة لا تبدأ بعد وقوع الأزمة، بل قبلها بوقت طويل. فهي تبني جسور الثقة مع الجمهور في الظروف الطبيعية، وتحرص على التواصل المستمر، وتدرب المتحدثين الرسميين، وتضع خططًا استباقية لمواجهة السيناريوهات المحتملة. وعندما تقع الأزمة، تجد المؤسسة نفسها تتحدث إلى جمهور يثق بها، لا إلى جمهور يشكك في كل كلمة تصدر عنها.

وفي بيئة إعلامية تتسارع فيها الأخبار عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الوقت يسمح بردود الأفعال البطيئة. فكل دقيقة صمت قد تتحول إلى عشرات المنشورات، ومئات التعليقات، وآلاف التفسيرات. ولهذا أصبحت سرعة الاستجابة جزءًا من إدارة السمعة، وليست مجرد إجراء إعلامي. وأن الأزمة قد تتحول إلى فرصة إذا أُديرت بحكمة. فكم من مؤسسة خرجت من أزمة أقوى مما كانت عليه، لأنها تعاملت معها بمهنية، واحترمت جمهورها، وحولت الخطأ إلى درس للتطوير. وفي المقابل، انهارت سمعة مؤسسات أخرى، ليس بسبب حجم الأزمة، وإنما بسبب سوء إدارتها، وغياب الشفافية، وضعف التواصل.

إن العلاقات العامة ليست فريقًا يُستدعى عندما تشتعل الأزمة، بل شريك أساسي في صنع القرار، وقراءة اتجاهات الرأي العام، وتقديم المشورة للإدارة قبل أن تتفاقم المشكلات. فالمؤسسة التي تمنح العلاقات العامة هذا الدور الاستراتيجي تكون أكثر قدرة على حماية سمعتها، وأكثر استعدادًا لمواجهة المتغيرات. الأزمات لا تصنع المؤسسات القوية، لكنها تكشفها. والعلاقات العامة لا تستطيع منع كل أزمة، لكنها تستطيع أن تمنع تحولها إلى أزمة ثقة. وعندما تنجح المؤسسة في الصراحة، وسرعة الاستجابة، واحترام حق الجمهور في المعرفة، فإنها لا تدير أزمة فحسب، بل تبني رصيدًا من الثقة يبقى حاضرًا حتى بعد انتهاء العاصفة. فالثقة هي الإنجاز الأكبر الذي يمكن أن تحققه العلاقات العامة، لأنها الاستثمار الوحيد الذي تزداد قيمته كلما واجهت المؤسسة اختبارًا جديدًا.

قد يعجبك ايضا