مصير شباب الكورد الفيليين المغيبين

زهير كاظم عبود

بحثت المحكمة الجنائية العراقية العليا ملف قضية الكورد الفيليين وماجري عليهم، وانتهت المحكمة الى اعتبار الجرائم التي ارتكبها نظام المجرم صدام حسين من جرائم الإبادة الجماعية، وجريمة ضد الإنسانية، غير ان أحدا لم يلتفت الى مصير الشباب الذين تم عزلهم من أبناء الفيليين والذين اخضعوا للتجارب الكيمياوية، وتم عزلهم داخل معتقلات شديدة الحراسة مثل سجن نقرة السلمان وسجن الاحكام الخاصة وسجن الفضيلية لم يتم الكشف عن الطرق التي مارسها النظام ضدهم؟ لم يتبين الأماكن التي تم اخضاعهم فيها للتجارب الكيمياوية؟ لم يتم كشف أماكن دفن رفاتهم او ما تبقى منهم؟ كما لم نتعرف على الأدوات والعناصر والذئاب البشرية التي اوغلت ونهشت وقامت بتلك التجارب؟ وبالرغم من الحملات التي قامت بها الحكومة وبالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية بالتحري والعثور على المقابر الجماعية، الا ان لم يلتفت أحد الى أماكن وجود الاف الشباب العراقيين من أبناء الفيليين الذين قضوا بتلك التجارب.
وإخضاع تلك المجاميع التي تمك عزلها عن أهلها الذين تم تسفيرهم الى التجارب الكيمياوية للقضاء عليهم بشكل نهائي يتم الاستدلال والتحقق من خلال المصادر والأدلة والوثائق التي تم جمعها والعثور عليها بعد العام ٢٠٠٣ ، ومنها وثائق الأجهزة الأمنية والاستخبارية في جهاز المخابرات والامن العامة والتي تضمنت قوائم بأسماء المعتقلين ، وأماكن احتجازهم وتاريخ نقلهم ، والاوامر الخاصة بتنفيذ تلك الجرائم ، وشهادات الشهود التي ادلى بها بعض ضباط الامن والحراس والتي تم ربطها بإضبارة القضية ، بالإضافة الى اسم المختبرات البيولوجية والكيميائية والعسكرية النائية ، مما يقتضي الاستماع لشهادات العاملين والمشرفين عليها ، مثل مجمع المثنى قرب سامراء ومواقع أخرى في منطقة سلمان باك والانبار ، وخلال الكشف عن عدد من المقابر الجماعية ومن خلال تحليل الحامض النووي والأدلة الجنائية تبين وجود جثث تأثرت بالمواد الكيمياوية والسمية قبل الدفن .
ان هذه المجموعة من شباب الفيليين تم عزلها واحتجازها دون وجود قضية تحقيقية تخصهم ودون تهمة ، وان الاحتجاز القسري وعزلهم عن اهاليهم يبين نية السلطة للقضاء عليهم ، خصوصا وان اعدادهم تتراوح بين ٢٠الف مواطن الى ٣٠ الف ، جميعهم تحت مظلة قرار مجلس قيادة الثورة المرقم ٦٠٠ لسنة ١٩٨٠ ، بعد ان تم الاستيلاء على أموالهم المنقولة وغير المنقولة وتجريدهم حتى من مستمسكاتهم الرسمية وغير الرسمية ، وتم اخضاع الجميع دون استثناء لبرنامج السلاح الكيميائي والبايولوجي كحقول تجارب ، وشملت الاختبارات قياس مدى فاعلية وتأثير الغازات السامة مثل غاز الخردل والسارين وغاز الاعصاب والجمرة الخبيثة والجرثومة المسببة للتسمم الغذائي ما تسمى بالانثراكس على تلك الأجساد الطاهرة للشهداء ، لمعرفة الجرعات القاتلة والتغييرات النسيجية على البشر ، وكان يشرف على العملية أطباء وضباط استخبارات لم يتم الاستماع الى شهاداتهم ، وتمت تصفية كل من يبقى حيا بعد أي تجربة حيث تم دفنهم في مقابر مجهولة ونائية ومغلقة منعا لتسرب أي معلومة عنهم ،وتم اعدام كل من لم تلحقه التجارب الكيمائية دون محاكمة ودون قضية تحقيقية واتهام أصلا ، حيث تم اعدامهم رميا بالرصاص وقسم اخر تم دفنهم بالشفلات وهم احياء ، وبعد كل هذا قامت السلطة بمحو الاثار ومسح الأسماء والمستندات لهؤلاء المعتقلين من السجلات الرسمية ، كما لم يتم الإبلاغ عن مصيرهم لأهاليهم ولاية جهة أخرى ، ولم ينسدل الستار حيث بقيت الاف العوائل بانتظار مصير أولادها ، وبانتظار ان يتم الكشف عن قبور الشباب ، وبقيت اللوعة والحزن والاسى ليس فقط على ما جرى على العوائل الفيلية من جريمة نكراء قامت بها السلطة ضد أبناء العراق الاصلاء ، انما حرنا وكمدا على تلك المجموعات من الشباب الذين تترقب عودتهم او معرفة مصيرهم لتهدا النفوس وتتوقف الدموع ، وان ما جرى كشفه ليس جميع من تم اعدامهم بل عددا من تلك المجموعات وبقيت اعداد منهم في طي المجهول ، وبالرغم من قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا باعتبار ما جرى للكورد الفيلية من احتجاز واخفاء قسري وتهجير وحجز الأموال والتجارب الكيمائية والاعدام من جرائم الإبادة الجماعية ومن الجرائم ضد الإنسانية ، الا ان اعداد كبيرة لم تزل غير معروف مصيرها والأماكن المدفونة فيها .
في الوقت الذي تم تفعيل قرار المحكمة الجنائية العراقية العليا في العام ٢٠١٠ الذي عد قضيتهم جريمة إبادة جماعية ، وقرار مجلس النواب لعام ٢٠١١ بالمعنى ذاته ، الا ان قانونا ينصفهم بقي في ادراج المجلس وظل معطلا وتم الاكتفاء بالبيانات والتأسي والتعاضد المعنوي ، الا ان البحث عن الضالعين بالجريمة والأدوات المتوحشة التي مسحت ضميرها والغت الرحمة من قواميسها في زمن صدام لم يتم القبض عليها ومحاسبتها سوى مجرم واحد ولا أحدا سواه ، ولم نزل نجدد المطالبات للسلطات الاتحادية ان تفي بالتزاماتها القانونية ، الا ان الاعتراف اللفظي يتكرر بينما يتعثر التنفيذ للكورد الفيلية دون سواهم .
الكشف عن الجناة ومرتكبي تلك الجرائم من أدوات المجرم صدام، ومتابعة قبور من تبقى من الفيليين الذين قضوا نحبهم بالتجارب الكيماوية وبالإعدام يمكن ان يخفف جزء من معاناتهم التي تفردوا بها .

قد يعجبك ايضا