في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الثلاثون
على إيقاع النبض…

مضيتُ بخطى حثيثة عبر الطرقات …أعدو ونبضاتي تتسارع لا تعباً، بل شوقاً للوصول إلى داري في قريتي… كنتُ أبحث عن ركن هادئ ألملم فيه شتات فكري، وأندس تحت غطائي حيث الأمان والسكينة… وبينما تسابقني خطاي، ظلت هناك فكرة واحدة تخترق ذهني وتملأ عليّ وجودي… فكرة أنني كبرتُ وأصبحتُ أعرف تماماً ما يبتغيه قلبي…

كم فرحتُ بتلك الفرحة الخاطفة التي غمرتني منذ أن رأيتُها لأول مرة… كانت تطلّ كالضوء ونظراتي تبعث إليها بسلامٍ خفيّ كلما أطلت … لم يكن في قلبي تجاهها سوى دفء يُشبه الأمان، وكانت نظرات الهيام الساكنة في عينيّ تجد طريقها إليها بلمسٍ رقيق، متمنياً أن تجمعنا الصدفة عند عتبات الطريق.. ويا لجمال تلك الصدف…

لماذا يرتجف الفؤاد حين نكبر ونستوعب مشاعرنا؟ ولماذا يسكنني حنينٌ دائمٌ لرؤيتها؟

كم حاولتُ أن أمنحها مساحتها، وأن تكون نظراتي هادئة رقيقة لا تشوبها لاهفة تُربكها… كنتُ ألمح الخجل الرائع يرتسم على وجنتيها كلما التقت أعيننا، وهو خجلٌ أراه زينةً ورقةً لا خطراً ولا خوفاً… لقد نضجتُ وأدركتُ أن الحب الحقيقي حمايةٌ ورعاية، وأن وجودها في حياتي لم يكن يوماً إرهاقاً بل هو الأمل بحد ذاته… وكما يُقال إن الحب العميق كالبئر يتسع لكل نبل، لذلك فإنني رغم كل نضجي، أجد في داخلي طفلاً يبتسم في حضورها…

كنتُ أبحث عن الأسباب كي أراها، أختلق الصدف الجميلة لكي اسافر اليها…علّي ألمح ابتسامتها… لم أيأس يوماً، بل كان شعوري بالحب يزداد عمقاً وإصراراً…

كنتُ أحياناً أخشى أن أكون ثقيلاً عليها، وأتمنى لو أبتعد قليلاً … كي لا أسبب لها أي إرباك… لكن الشوق كان أقوى… وفي رحلة غير متوقعة، التقينا وجهاً لوجه في مكان هادئ… بقيتُ مشدوهاً بجمالها، مبتسماً دون أن أملك القدرة على الكلام… تمتمتُ بكلمات حب دافئة لم أدرِ كيف خرجت، وحين مددتُ يدي بكل لطف لتمس طرف أصابعها، شعرتُ برعشة حانية تشبه الحلم…

التفتُّ حولي متأملاً هذا الواقع الجميل، تنفستُ الصعداء وقلتُ لها بهمسٍ خفيض يملؤه الود والرجاء:

«أرجوكِ.. لا تبتعدي، ففي قربكِ كل الأمان.»

قد يعجبك ايضا