هورين حسن قامشلو
تتكشف فصول مأساة مستمرة يعيشها المهجّرون قسراً من مدينة سري كانيه (رأس العين) ومحيطها، حيث انطلقت القافلة الأولى للعودة الجماعية (تضم أكثر من 400 عائلة، بنحو 2500 شخص) يوم أمس تاريخ 10آب عام 2026 عائدة إلى ديارها في سري كانيه تنفيذاً لتفاهمات ميدانية.
ومع ذلك، رافقت هذه العودة اشتباكات ومشاجرات واعتداءات فورية على العائدين عند محاولتهم استعادة منازلهم المستولى عليها من قِبل القاطنين (المستوطنين)الحاليين، مما دفع بالجهات الأمنية إلى تعليق رحلات العودة مؤقتاً لحين استتباب الأمن وتأمين الحماية للمدنيين، ممّا يحول حلم العودة إلى امتداد لمعاناة النزوح ومحاولة انتحارية محفوفة بالانتهاكات التي تمس حياتهم وحرياتهم وأملاكهم.
إن التهجير القسري الذي طال عشرات الألاف من سكان هذه المدينة، لم يكن حدث عابر أو نتاج مؤقت لعمليات عسكرية بل تحول بمرور السنوات إلى نزيف دائم يتفاقم يوماً بعد يوم.
حياة النزوح والشتات..مأساة اللجوء الممتد
يُقيم مهجّرو مدينة سري كانيه (رأس العين) بشكل أساسي في مخيمين رئيسيين يقعان في ريف مدينة الحسكة الغربي، واللذين تم إنشاؤهما خصيصاً لاستيعاب موجات النزوح عقب أحداث احتلال المدينة في تشرين الأول عام 2019
1-مخيم واشوكاني ويقع بالقرب من بلدة التوينة في ريف الحسكة الغربي، يضم قرابة 16,730 فرداً (يتوزعون على نحو 2,361 عائلة).
ومخيم سري كانيه في منطقة الطلائع ضمن مدينة الحسكة ويضم قرابة 15,583 فرداً (يتوزعون على نحو 2,576 عائلة).
وهذه المخيمات تفتفر إلى الحد الأدنى من البنية التحتية والخدمات الطبية والتعليمية، وتتضاعف هذه المعاناة الإنسانية مع تقلب الفصول السنوية حيث قسوة الصيف ولهيب حرارته التي تحول الخيام إلى أفران خانقة وتساعد في انتشار الأمراض ال جلدية والأوبئة بين الأطفال وكبار السن فضلاً عن خطر الزواحف والعقارب إلى قسوة الشتاء والبرد القارس والأمطار والسيول التي تجرف الخيام المهترئة وتغرق الأسر في مستنقعات من الطين وغياب لوسائل التدفئة الآمنة وانعدام المحروقات.
ومع تراجع المساعدات الإغاثية الدولية الأساسية المقدمة بل وانعدامها والتدهور الحاد في الوضع المعيشي.
هذه الظروف جمة تضع العائلات أمام خيارين أحلاهما مر ،الرفض النفسي والمبدئي لفكرة التوطين الدائم في المخيمات والحنين الجارف إلى الجذور والديار يدفع الكثير من الأفراد والأسر إلى اتخاذ قرارات يائسة بمغامرة العودة.
يركب هؤلاء المخاطر الأمنية الكبيرة ظناً منهم أن جدران منازلهم الأصلية قد تقيهم ذل الحاجة والنزوح ليفاجؤوا فور وصولهم بواقع ميداني وعسكري أشد قسوة ممّا تركوه خلفهم.
انتهاكات واعتداءات ممنهجة عند الوصول الى عتبة المدينة.
وثقت المنظمات الحقوقية المستقلة والشهادات الحية من أبناء المدينة أن قرار العودة إلى مدينة سري كانيه قرار بالغ الخطورة على السلامة النفسية والجسدية.
حيث تواجه العائلات والأفراد فور اقترابهم من المدينة أو وصولهم إلى الحواجز العسكرية المسيطرة عليها من قبل الجماعات المسلحة سلسلة من الانتهاكات المنظمة التي تهدف إلى ثنيهم عن البقاء أو ابتزازهم حتى الرمق الأخير ويمكن إبراز هذه الاعتداءات في ما يلي:
1-الاحتجازوالاعتقال التعسفي: يتعرض العديد من العائدين، وخاصة فئة الشباب والرجال للاحتجاز الفوري عند الحواجز أو بعد دخولهم بأيام قليلة.
تتم هذه الاعتقالات بناء على تهم فضفاضة وذرائع كيدية مثل”التعامل مع جهات معادية” أو “عدم الحصول على موافقات أمنية مسبقة” والهدف الحقيقي من هذه الممارسة هو زرع الرعب في نفوس الراغبين بالعودة وقطع الطريق أمام أي حراك جماعي لاستعادة سري كانيه.
2-الابتزاز المالي الممنهج وفرض الإتاوات:تتحول عمليات الاعتقال أو حتى مجرد السماح بالمرور إلى تجارة مربحة تشرف عليها شبكات عسكرية ومحلية.
ويجبر العائدون أو أقاربهم على دفع مبالغ مالية طائلة بالعملات الأجنبية كفدية لإطلاق سراح المحتجزين أو كرسوم عبور وتأمين غير قانونية.
هذه الإتاوات تستنزف المدخرات البسيطة التي قد تكون متبقية مع العائلات النازحة، وتتركهم في حالة فقر مدقع فور دخولهم مدينتهم.
3-الاعتداءات الجسدية والنفسية والمعاملة المهينة.
في ظل غياب أي سلطة قضائية مستقلة أو آليات للمحاسبة والمراقبة، يتمتع عناصر الحواجز بسلطة مطلقة تؤدي غالباً إلى ممارسات مهينة تحط من الكرامة الإنسانية.
كما يتعرض العائدون للشتم، والتهديد بالطرد أو التصفية الجسدية إلى جانب التحقيقات القاسية والمطولة التي تترك ندوباً نفسية عميقة لدى النساء والأطفال بشكل خاص.
سياسات التغيير الديموغرافي واستباحة المنازل والممتلكات.
تتجلى ذروة المأساة والوجع الإنساني عندما يصل العائدون إلى أحيائهم السكنية القديمة، حيث يصطدمون بواقع أن ممتلكاتهم وعقاراتهم التي أفنوا عقوداً من عمرهم لبنائها قد تحولت إلى أملاك مستباحة بالكامل.
لا يقتصر الأمر على السلب والنهب، بل يتعداه إلى سياسات ممنهجة لتغيير هوية المنطقة.
-التوطين القسري والاستيلاء: تعاني سري كانيه من تغييرات ديموغرافية واسعة النطاق، حيث جرى توطين عائلات غريبة وعوائل المسلحين في منازل المهجّرين قسراً.
وعندما يحاول المالك الأصلي المطالبة ببيته، يُجابه بالرفض القاطع والتهديد بالسلاح والسجن، ويُجبر على رؤية الغرباء يستبيحون خصوصية منزله دون رادع.
-نهب المحتويات وتدمير البنية التحتية: تعرضت غالبية المنازل والمحال التجارية لعمليات “تعفيش” واسعة شملت الأثاث، الأجهزة الكهربائية، وحتى النوافذ والأبواب وأسلاك الكهرباء الجدارية، مما جعل البيوع والعقارات غير صالحة للسكن دون ترميم باهظ التكلفة.
-طمس الحقوق العقارية وتلف الوثائق: يواجه السكان عقبات إدارية وقانونية معقدة جداً لإثبات ملكيتهم.
فمعظم العائلات فقدت وثائقها العقارية الرسمية (الطابو) أثناء الهروب الجماعي تحت القصف، كما تعرضت السجلات العقارية الرسمية في الدوائر الحكومية بالمدينة للتلف أو التزوير أو النقل غير القانوني.
وفي ظل غياب المحاكم المحايدة والمستقلة، يجد المواطن نفسه عاجزاً تماماً عن سلوك أي مسار قانوني لإنصافه واستعادة حقه المسلوب.
توصيات ملّحة لحماية المهجّرين وضمان حقوقهم.
بناء على التحديات القانونية والإنسانية والميدانية الجسيمة التي تواجه ملف مهجري سري كانيه، وإدراكاً لخطورة استمرار هذا الوضع على السلم الأهلي والمستقبل الحقوقي للمنطقة.
نوصي الجهات الدولية والمحلية باتخاذ الخطوات العاجلة التالية:
-تفعيل الرقابة الدولية المستقلة: مطالبة الأمم المتحدة، وعبر مجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية لتقصي الحقائق في سوريا، بإنشاء آلية مراقبة دولية دائمة ومستقلة داخل سري كانيه لتوثيق الانتهاكات والاعتداءات اليومية، والحد من تغول القوى العسكرية على المدنيين.
-إبطال إجراءات التغيير الديموغرافي بشكل فوري: إلزام القوى الميدانية المسيطرة بإلغاء كافة قرارات ومراسيم مصادرة “أملاك الغائبين”، وإخراج كافة الأفراد والمجموعات غير القانونية التي جرى توطينها في منازل المهجرين، وإعادة العقارات إلى أصحابها الأصليين بلا قيد أو شرط.
-تأمين بيئة آمنة وطوعية للعودة: حث الأطراف الدولية الفاعلة على الضغط الحقيقي لوقف سياسة الاعتقالات التعسفية والتعذيب عند الحواجز، وتقديم ضمانات قانونية مكتوبة ومعلنة تحمي العائدين من الملاحقات الأمنية الكيدية والابتزاز المالي.
-تأسيس لجان قانونية لتوثيق الملكية العقارية: دعم تشكيل لجان قانونية متخصصة ومحايدة تضم حقوقيين وقضاة (بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية) تعنى بجمع وأرشفة وثائق الملكية البديلة (مثل عقود البيع، فواتير الخدمات، شهادات الشهود) وحفظها رقمياً لإثبات الحقوق العقارية للمواطنين ومنع تزوير السجلات.
-تعزيز الدعم الإنساني والقانوني الشامل: دعوة المنظمات الإنسانية لزيادة تدفق المساعدات الإغاثية لخيام النزوح لدعم صمود السكان الحاليين، مع إنشاء مراكز استشارية قانونية تقدم الدعم القضائي المجاني للمهجرين لمساعدتهم في توثيق قضايا السلب والنهب والاعتداء ورفعها أمام المحافل الجنائية الدولية.
في الختام ستبقى قضية سري كانيه جرحاً نازفاً في الجسد السوري، وشاهداً حياً على عجز المجتمع الدولي، ما لم يتم التعامل مع جوهر المشكلة المتمثل في حماية الإنسان وصون حقوقه العقارية والشخصية.
إن العودة إلى الديار يجب ألا تكون مغامرة انتحارية تؤدي بصاحبها إلى غياهب السجون أو التعرض للاعتداء المهين، بل يجب أن تتحول إلى مسار آمن ومكفول تحميه القوانين والمواثيق الدولية.
إن إنهاء حقبة التهجير القسري المظلمة يبدأ من اعتراف واضح بالحقوق المستباحة وإعادتها لأهلها، لكي لا تظل خيام النزوح مكاناً للموت البطيء، ولا تظل المنازل والمزارع غنائم حرب مستباحة بيد العابثين.