الحركة الوطنية العراقية

د. مؤيد الونداوي

(القسم الثاني)
عندما اندلعت الثورة العراقية الكبرى في 30 حزيران 1920، وعندما بات صناع السياسة والقرار يطلعون على حجم الخسائر في صفوف القوات البريطانية -الهندية حينها وكذلك الخسائر المادية طالب البرلمان البريطاني ان تقوم السلطات البريطانية في بغداد بتقديم عرض شامل لاعمالها من احتلال بلاج مابين النهرين في 1914 ولغاية انطلاق هذه الثورة في العراق. وهكذا جرى ارسال تقرير مطول اعدته السكرتيرة الشرقية غير ترود بيل. في خاتمة التقرير اردت باب خاص بالحركة الوطنية العراقية وهو تقرير مطول وجدت من المفيد ان اعرض اهم ما ورد فيه.

في القسم الأول انتهينا الى إشارة الانسة غير ترود بيل قولها “ان بغداد، هي مركز الطموحات السياسية والأكثر تطوراً منها في سائر بلاد الرافدين، وكيف ان الاستفتاء الذي اجراه نائب الحاكم المدني ولسن في مطلع عام 1919 قد كشف اين كانت تتجه رؤى سكان العراق ومستقبلهم. واليوم نواصل في القسم الثاني استكمال الموضوع.

خلال السنة التالية اي عام 1920 أُحرز بعض التقدم نحو إنشاء مؤسسات محلية. فمنذ البداية، كانت الإدارة تتبع سياسة استخدام العرب إلى أقصى حد ممكن؛ فإذا كان الإنكليز يتولون توجيه سير العمل، فإن الملاك الأدنى كان يُجنّد محلياً. وانطبق هذا المبدأ بالقدر نفسه على الأعمال السياسية وأعمال الإيرادات، وعلى دائرة الأوقاف التي كان يديرها العرب بالكامل تحت مدير بريطاني، ودائرة المعارف التي كانت عربية بالكامل، باستثناء المدير البريطاني ومساعديه المباشرين.

وفي الدائرة القضائية، كان القضاة العرب يجلسون في المحاكم الشرعية ومحاكم الصلح منذ البداية، ومع ازدياد عدد المحاكم عُيّن العرب في معظم المناصب المستحدثة. ومع استقرار الظروف، رُقّي أبناء البلد إلى مناصب أعلى مسؤولية. وعُيّن مساعدون سياسيون عرب لدى الضباط السياسيين في الألوية، وفي حالات كثيرة استُبدل مساعد الضابط السياسي البريطاني بنائب مساعد ضابط سياسي عربي، يدير منطقته مباشرةً تحت إشراف مقر اللواء.

وكان هنالك ثمة صعوبة إضافية تتمثل في أن مصادر استمداد الموظفين المحليين تكاد تقتصر على مدينتي بغداد والبصرة، ولا سيما بغداد. فحتى المراكز الإقليمية مثل الحلة والعمارة لا تضم طبقة متعلمة نسبياً بالقدر الكافي لتوفير أفراد لخدمة الحكومة؛ أما بين سكان القبائل في الأرياف، فلا يعرف القراءة والكتابة إلا سيد عابر الحظ أو كاتب شيخ، بينما يكون الشيخ نفسه أمياً في الغالب.

ومع ذلك، فإن سكان المدن الإقليمية يغارون من البغدادي ويستاؤون من وضعه وحده في مواقع السلطة؛ أما القبائل فتكره «الأفندي» وتشك فيه بدرجة أعمق. وهذه الكلمة، في استعمالهم، تكاد تكون مرادفة لكلمة «بغدادي»، إذ إن الطبقات المتعلمة في العاصمة تمثل، في نظرهم، خلاصة الأفندية. والفجوة بين بغداد والأقاليم واسعة. فموظف المدينة يتردد في الخدمة في المناصب الإقليمية، ومالك الأرض البغدادي لا يرى، في تسع حالات من عشر، أملاكه الواقعة خارج المدينة، بل يتركها ليُساء تدبيرها بواسطة وكيل. كما ان طبقة المثقفين، من أعلاها إلى أدناها، لا تعرف شيئاً عن ظروف الريف، ولم تبدأ بعد في إدراك وجوب دراستها ومعرفتها. وأولئك الذين يرفعون أصواتهم في المقاهي مطالبين بالحريات العربية، لا يقصدون في أذهانهم إلا حريات رواد المقاهي. وباستثناء الأسر ذات الأصل القبلي، وهي كثيرة في المدينة، لا يعرف البغدادي إلا القليل عن التنظيم القبلي، أو عن مكانة الشيخ ونفوذه في الخير أو الشر، أو عن خصائص القبائل المختلفة وعاداتها. وهو ينظر إلى مجموع السكان القبليين، الذين يقوم عليهم اقتصاد بلاد الرافدين في نهاية المطاف، بمزيج من الخوف والازدراء. ولذلك ليس غريباً أن رجل القبيلة، من جانبه، لا يحمل مشاعر ودّ تجاه ابن المدينة. وهذا التمايز الحاد بين الطبقات الحضرية والريفية للسكان يعقّد مشكلة الحكم بأكثر من وجه، ولا سيما في اختيار الموظفين المحليين.

ولم تكن نيتنا أن نكتفي بهيئات بلدية ناشئة، على الرغم من أن التأخر في عقد الصلح مع تركيا أجّل إنشاء الحكومة المدنية. وقد أعلن القائم بأعمال المفوض المدني ذلك في خطاب ألقاه في مأدبة أُقيمت في بغداد احتفاءً بعيد ميلاد الملك في 29 أيار/مايو 1919. وقال الكولونيل ولسون:

«لقد أعلنت الحكومة البريطانية بالفعل نيتها المساعدة في إنشاء شكل من الإدارة في العراق يكون مقبولاً لدى السكان، مع كفالة العدالة المتساوية والتنمية الاقتصادية وانتشار التعليم. وقد ترغبون في معرفة ما نقوم به فعلاً لإدخال نظام حكم يتيح لسكان العراق المشاركة، منذ البداية، في إدارة شؤونهم.

قُسمت بلاد الرافدين إلى عدة ألوية، منها البصرة والعمارة والمنتفق والكوت وبغداد والفرات. ويُقترح إنشاء مجلس أعيان في كل لواء، في أقرب وقت ممكن، يجتمع دورياً لإسداء المشورة إلى الحكومة في المسائل الإقليمية، مثل التعليم والزراعة والري والطرق وما إلى ذلك. وسيكون رئيس المجلس الضابط السياسي للواء، وأمينه أحد سكان العراق، ويكون عادةً مستشار الضابط السياسي. وفائدة ذلك أنه يتيح عرض الرأي المحلي ومناقشته على نحو وافٍ.

وتأخر تشكيل مجلس بلدي منتخب في بغداد بسبب المشاعر الحزبية التي أثارها استطلاع تقرير المصير. وفي أوائل الصيف عاد الموضوع موضع دراسة دقيقة، وكان قد تقرر اتخاذ الخطوة الأولى نحو الحكم الذاتي في المدينة بتعيين مساعد للحاكم العسكري. وفي أوائل حزيران/يونيو وصل إلى بغداد من حلب ناجي أفندي السويدي، فعُرض عليه منصب مساعد الحاكم السياسي وتسلّم عمله في 3 تموز/يوليو. وكان ناجي أفندي من أسرة بغدادية مرموقة، يُقال إنها تنحدر من العباسيين. واشتهر والده، يوسف أفندي، بتعاطفه مع القضية العربية. أما ناجي، وكان موظفاً هو الآخر، فبقي في القسطنطينية إلى الهدنة، ثم ذهب إلى سورية وعُيّن نائباً للحاكم العسكري في حلب. وعندما جاء إلى بغداد في حزيران/يونيو 1919، أبدى استعداده لتولي منصب في بلاد الرافدين. وعُرض عليه الاختيار بين منصبين: مستشار للسكرتير القضائي، أو مستشار للحاكم العسكري؛ فاختار الثاني. وأُبلغ بأن واجبه الأول والأهم هو مساعدة الحاكم العسكري في وضع الترتيبات الإدارية الجديدة للمدينة موضع التنفيذ.

وبناء على طلب الحاكم العسكري، الكولونيل بلفور، عيّن القائم بأعمال المفوض المدني لجنة برئاسة المستشار القضائي، تتألف من ضابطين بريطانيين وأربعة من أعيان بغداد، بمن فيهم ناجي أفندي، وسكرتير عربي، للنظر في تلك المقترحات. لكن ناجي أفندي استقال من منصبه في 14 تموز/يوليو، قبل أن يتاح للجنة أن تجتمع.

وفي رسالة استقالته، ذكر أن «توليه إدارة البلدية وتوجيه شؤونها قبل انتخاب المجلس واستكمال التنظيم لن يحقق النجاح المنشود، ولن يجلب الفوائد المقصودة». وكان هذا التفسير الغامض إلى حد ما هو التفسير الوحيد الذي قدمه. وغادر إلى حلب في الشهر التالي واستأنف منصبه السابق هناك، لكنه أعلن، قبل مغادرته وفي رسائل لاحقة، أنه سيكون مستعداً للعودة في أي وقت لاحق.

غادر ناجي أفندي إلى حلب في الشهر التالي واستأنف منصبه السابق هناك؛ لكنه أعلن، قبل مغادرته وفي رسائل لاحقة، استعداده للعودة في أي وقت إذا دعت الحاجة إليه. وقبل شخص سني بارز آخر المنصب الذي خلا في بغداد، بعد تعديلٍ ما في طبيعته، فعُيّن رئيساً لبلدية بغداد، كما عُيّن أحد أعيان الشيعة مديراً للكرخ، وهو القسم الأصغر من المدينة الواقع على الضفة اليمنى لنهر دجلة. وشكّل الحاكم العسكري لجنة تضم هذين الموظفين، وممثلين لشركتين بريطانيتين، وتسعة من وجهاء المدينة من المسلمين واليهود والمسيحيين، ودعاهم إلى النظر في مشروع أعدّه رؤساء الدوائر البريطانيون.

ونص المشروع الذي أقرّوه على مجلس بلدي يُختار بنظام الهيئات الانتخابية. وكان يُفترض أن تتألف الهيئة الناخبة الأولية من ملاك العقارات الذين تزيد أعمارهم على 21 سنة، ويدفعون ضريبة منزل لا تقل عن 41 روبية سنوياً. وقصرت هذه الشروط عدد الناخبين على 762، وهو عدد رآه أعيان بغداد كافياً لسكان يقاربون 200,000 نسمة. وبالمثل، عندما أُنشئت في الموصل، وهي مدينة يبلغ سكانها بين 60,000 و80,000، بلدية منتخبة على أساس قانون البلديات التركي في صيف 1920، بلغ عدد الناخبين، بحسب المؤهلات التي أقرتها لجنة الأعيان المحلية، نحو 450 ناخباً.

أما مجالس الألوية، فأولها تنظيماً كان في البصرة في تشرين الثاني/نوفمبر 1919. وتشكّلت مجالس أخرى خلال شتاء وربيع 1919–1920 في ألوية كركوك والحلة والديوانية وسامراء والعمارة وديالى والرمادي. أما مجلس بغداد فقد تأخر إلى ما بعد أول انتخابات بلدية، التي لم تكن قد جرت بعد بسبب صعوبات في إعداد سجل الناخبين. وكانت مجالس استشارية غير رسمية، مؤلفة من سكان المدن والشيوخ، موجودة منذ البداية في عدة ألوية، ولم تختلف عنها المجالس الجديدة من حيث المبدأ. واختار الضابط السياسي أعضاء يمثلون الطبقات والمصالح المختلفة، الحضرية والريفية، وكان هو نفسه رئيس المجلس. وحين يُتخذ قرار بشأن موضوع قيد البحث، يُرفع إلى المفوض المدني الذي تكون له الكلمة النهائية.

قد يعجبك ايضا