(الشيوعيون العراقيون) ما لهم وما عليهم!

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثمة تاريخ عراقي لا يجوز أن نقرأه بعقلية المنتصر، ولا أن نكتبه بقلم الخصومة السياسية. ومن بين أكثر صفحات هذا التاريخ التباساً وإثارة للجدل، تأتي تجربة الشيوعيين العراقيين؛ أولئك الذين كانوا في وقت ما جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي والسياسي، ثم وجدوا أنفسهم، بعد عقود من الصراع، أمام عراق مختلف وساحة سياسية لم تعد تشبه تلك التي خرجوا منها.

والحقيقة التي ينبغي قولها من دون مجاملة هي أن بعض الشيوعيين أصابتهم نرجسية العقيدة. كان بعضهم يتحدث كما لو أن الماركسية قد أغلقت كتاب التاريخ، وأن ما قاله ماركس أو لينين لا يحتاج إلى مراجعة، وأن الحزب وحده يمتلك مفاتيح تفسير المجتمع. وكان من السهل أن يتحول النقاش معهم من حوار حول فكرة إلى امتحان في (الوعي الطبقي)، ومن اختلاف في الرأي إلى تصنيف سياسي وأخلاقي.

ومن هنا نشأت مشكلة لا تخص الشيوعيين وحدهم، وإنما كل من يحول السياسة إلى عقيدة مغلقة: حين يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة كاملة، يتوقف عن الاستماع إلى الآخرين. لكن الإنصاف، وهو شرط الكتابة عن التاريخ، يفرض علينا ألا نضع هذه النرجسية في ميزان واحد مع كل ما قدمه الشيوعيون العراقيون.

كان للشيوعيين العراقيين فضل لا يستطيع أحد إنكاره في نشر ثقافة القراءة والكتاب. كم من شاب عراقي دخل عالم الكتب من باب الشيوعية، ثم خرج منه أوسع أفقاً، حتى وإن غادر الحزب والماركسية لاحقاً؟

لقد قادتنا تلك التجربة إلى ماركس وإنجلز ولينين وغرامشي، وإلى الاقتصاد السياسي والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع. والأهم أنها دربتنا على ألا نقرأ الخبر السياسي كما هو، بل أن نسأل عما وراءه: من يملك؟ من ينتج؟ من يربح؟ من يخسر؟ وما علاقة السلطة بالثروة؟ لقد كانت الماركسية، بالنسبة إلى كثير من أبناء أجيالنا، مدرسة في الشك المنهجي قبل أن تكون مدرسة في اليقين الأيديولوجي. وهذه مفارقة تستحق التوقف.

فحتى الذين لم يصبحوا شيوعيين استفادوا من الشيوعيين في شيء بالغ الأهمية: تعلموا أن يقرأوا. وهذا ليس إنجازاً صغيراً في بلد كانت فيه السياسة كثيراً ما تختزل في الهتاف، والزعامة في الشخص، والولاء في التصفيق.

لقد كان الكتاب، بالنسبة إلى كثير من الشباب العراقي، مدخلاً إلى عالم آخر؛ عالم الأسئلة والبحث والمقارنة واكتشاف الأفكار. ومن هذه الزاوية، فإن تأثير الحركة الشيوعية لم يكن حزبياً فقط، بل كان ثقافياً وفكرياً امتد إلى أجيال لم تنتمِ إلى الحزب أصلاً.

لكن المشكلة بدأت عندما انتقلت بعض النخب الشيوعية من نقد السلطة إلى ممارسة سلطة رمزية على الآخرين. صار المثقف الشيوعي أحياناً يتحدث من برج معرفي، وينظر إلى خصمه لا باعتباره إنساناً مختلفاً، بل باعتباره حالة من (الوعي المتخلف) تحتاج إلى إعادة تأهيل.

وهنا تصبح العقيدة سجناً لصاحبها. فالذي يقرأ ماركس ولا يقرأ خصوم ماركس لا يمارس فكراً؛ إنه يمارس ولاءً. والذي يرفع شعار الطبقة العاملة ثم لا يرى العامل إلا رقماً في خطاب سياسي، لم يفهم جوهر العدالة الاجتماعية. والذي يتحدث عن الإنسان لكنه لا يحتمل اختلاف الإنسان معه، يقع في التناقض الذي كان ينبغي أن يحذره.

الفكرة التي لا تقبل النقد تتحول، عاجلاً أم آجلاً، إلى عقيدة مغلقة، والعقيدة المغلقة لا تختلف كثيراً، في بنيتها النفسية، عن أي يقين سياسي أو ديني أو قومي يرفض الاعتراف بالآخر. وهنا تحديداً تكمن مشكلة النرجسية السياسية: ليست في الفكرة نفسها، وإنما في اعتقاد صاحبها أن الفكرة تمنحه حق الوصاية على الآخرين. ومع ذلك، فإن الحديث عن الشيوعيين العراقيين لا يمكن أن يكتمل من دون الحديث عن الشهداء. لقد دفع كثير من الشيوعيين العراقيين أثماناً قاسية بسبب انتمائهم ومواقفهم: سجون، ومطاردات، وتعذيب، وإعدامات، ومنافي، وأسماء كثيرة غابت عن الحياة وبقيت في ذاكرة الحزب وذاكرة العراق.

ولا أعتقد أن من الإنصاف أن نختلف مع فكرة أولئك الرجال ثم نقلل من شجاعتهم. قد تكون الفكرة التي يموت الإنسان من أجلها قابلة للنقد، وقد يثبت التاريخ خطأ بعض خياراته، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنه واجه الموت مؤمناً بما اختار. الشهادة ليست برهاناً على صحة العقيدة، لكنها برهان على قوة الإيمان بها. وهذا فرق جوهري.

لذلك فإن شهداء الحركة الشيوعية العراقية يستحقون أن يقرأ تاريخهم بعيداً عن المزايدات الحزبية. فقد كانوا جزءاً من تاريخ العراق، شئنا أم أبينا، مثلما كان ضحايا التيارات السياسية الأخرى جزءاً من هذا التاريخ. إن احترام الشهداء لا يعني تقديس أفكارهم، كما أن نقد أفكارهم لا يبرر محو تضحياتهم.

ثم جاء عام 2003، وانقلبت المعادلة. سقط نظام البعث، وسقطت معه منظومة سياسية كاملة، لكن العراق لم يدخل إلى الدولة الحديثة التي حلم بها كثيرون؛ بل دخل إلى نظام سياسي جديد تأسس على المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية، وتوزعت فيه الدولة بين القوى السياسية، حتى أصبحت السلطة، في كثير من الأحيان، طريقاً إلى الغنيمة لا وسيلة إلى الخدمة العامة.

وهنا كان السؤال الذي لا يزال مطروحاً: أين ذهبت كل تلك النظريات عن الطبقات والاستغلال والعدالة؟ لقد أصبح العراق بعد 2003 مثالاً صارخاً على اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وبين المواطن والدولة، وبين الخطاب السياسي والممارسة السياسية.

صارت الوظيفة العامة غنيمة، والوزارة حصة، والعقد الحكومي باباً، والمال العام مجالاً مفتوحاً للنهب، فيما بقي المواطن يبحث عن كهرباء وماء وفرصة عمل ودولة تحميه. وفي مثل هذا الواقع كان من الطبيعي أن تعود أسئلة اليسار إلى الواجهة، ولكن من دون أن تعود بالضرورة الأحزاب اليسارية نفسها. فالناس لا تحتاج اليوم إلى محاضرة في (الصراع الطبقي) بقدر حاجتها إلى تفسير واضح:

لماذا يزداد الفقر في بلد غني؟ لماذا تتضخم الثروة الخاصة مع ضعف الدولة؟ لماذا تتحول السياسة إلى سوق للمصالح؟ ولماذا يصبح المال العام ملكاً لمن يمتلك النفوذ، فيما يدفع المواطن العادي ثمن الفساد من حياته ومستقبله؟ هذه أسئلة درب الشيوعيون أجيالاً على طرحها. لكن المأساة أن بعض الخطاب اليساري بقي أسير الماضي، بينما تغير المجتمع والعالم.

وهنا أقول للشيوعيين الذين ما زالوا يحملون راية الماركسية: لا تجعلوا ماركس صنماً جديداً. ماركس نفسه كان ناقداً قبل أن يكون صاحب مذهب. ومن يقرأه قراءة حقيقية يعرف أن أهمية مشروعه لا تكمن في حفظ النصوص، وإنما في محاولة فهم حركة المجتمع وتناقضاته. فكيف نستخدم منهجاً نقدياً لنرفض النقد؟ وكيف ندعو إلى تحرير الإنسان ثم نضعه داخل قوالب حزبية جاهزة؟ وكيف نحتفي بتاريخ الشهداء ثم نخشى مراجعة الأخطاء التي قادت إلى بعض الهزائم؟

إن الوفاء الحقيقي للشهداء ليس أن نكرر شعاراتهم إلى الأبد، بل أن نمتلك الشجاعة التي امتلكوها هم أنفسهم: شجاعة الموقف، وشجاعة السؤال، وشجاعة دفع ثمن القناعة. فالذي يطالب الآخرين بمراجعة تاريخهم، عليه أن يمتلك شجاعة مراجعة تاريخه أيضاً.

لقد تغير العراق، وتغير العالم. سقطت أنظمة وظهرت أخرى، وانتهى زمن الأحزاب التي كانت تظن أنها ستعيش إلى الأبد. أما الكتاب فقد بقي. والسؤال بقي. والإنسان بقي. وهذه ربما أهم الأشياء التي ينبغي أن نتذكرها ونحن نراجع تجربة الشيوعيين العراقيين. لا نريد منهم اعتذاراً عن كونهم شيوعيين، ولا نريد منهم أن يطلبوا منا أن نصدق كل ما فعلوه أو قالوه. نريد فقط قراءة ناضجة لتجربة عراقية كبيرة؛ فيها النبل والخطأ، فيها الثقافة والنرجسية، فيها الحلم والانكسار، وفيها رجال ونساء دفعوا حياتهم ثمناً لأفكار آمنوا بها.

تختلف مع الشيوعيين، نعم، لكن لا تمحهم من تاريخ العراق. انتقد نرجسيتهم، نعم، لكن لا تنكر أنهم فتحوا أمام أجيال عراقية أبواب الكتاب والفكر والتحليل. واختلف مع ماركس، نعم، لكن لا تستطيع أن تنكر أن القراءة الماركسية جعلت الاقتصاد والسياسة والمجتمع مترابطة في ذهن أجيال كاملة. وارفض أخطاء الأحزاب، كلها، لكن لا تساوي بين من عاش للسلطة ومن مات بسبب موقفه منها.

فالعراق الذي نحتاجه اليوم ليس عراقاً شيوعياً، ولا بعثياً، ولا طائفياً، ولا قومياً. إنه عراق يستعيد الإنسان من بين أنياب العقائد، ويستعيد الدولة من بين أيدي الأحزاب، ويستعيد المال العام من أفواه الفاسدين، ويستعيد الكتاب من رفوف النسيان. وعندها فقط يصبح نقد الماضي مفيداً للمستقبل.

أما أخطر ما يمكن أن نفعله، فهو أن نستبدل نرجسية الشيوعي بنرجسية خصومه، ونكرر الخطأ نفسه بأسماء جديدة. فالنرجسية السياسية لا لون لها ولا حزب. إنها تبدأ في اللحظة التي يقول فيها الإنسان: أنا وحدي أمتلك الحقيقة.

قد يعجبك ايضا