الدكتور ياسين الزيباري
لقد أمر الله عباده بإقامة الأسرة ، و هو أروع نظام عرفته البشرية ، و تـــتــكــون الأسرة من الزوجين ، و لاطعم للأسرة بغير الذرية ، والبيت بغير ضوضاء الصغار أشبه بالمقبــرة ، و يكون الله في عون من لم يكن له نصيب منها ، و لا يريد المرء أن يــتـــفــوّق عليه غير ذريــتــه ، و من أجمل ماقرأت عن محبة الوالد لولده مايقول التهامي وهويداعب ولده الصغير الذي جعله على صدره ، وهويضرب صدر والده برجله والوالد في أشد الفرح ، فقال :
وفرشت قلبي كي تدوس فيه بالقدم فو الله لوفعلت لما وجدت له ألم
و يقوم الوالد بمختلف الأعمال ، في سبيل توفير القوت للعائلة ، فيقطع الفيافي والصحاري ، و يمتهن مختلف المهن المتواضعة في هذا الطريق ، بل ويدخل في سلك الحرب وهو مستعد للموت في كل وقت من أجل عائلته غالبا ً، وأحيانا ً يقتسمون التفاحة الواحدة إلى عشرة أجزاء ، ومن إهتمام العائلة بالعيال إرسالهم إلى المدرسة ،
و في العطلة يظهر الأغنياء فيرسلون أولادهم إلى مختلف الدورات للتقوية والإستعداد للموسم القادم ، ويغدقون الأموال الطائلة في هذا المنوال ، ويأخذونهم إلى مختلف الدول للنزهة ، ويبقى السؤال هنا ؟؟؟ يتجه أولاد الفقراء إلى العمل ، وأحيانا ًيمتهنون مهنا ً متواضعة وقد تستغل طيبتهم و و صفاؤهم ، وقد ترهقهم الذلة والمسكنة ، والذي دفعني إلى كتابة هذا المقال قصتان مؤلمتان ، ينعصر القلب بهما ، قبل أيام من كتابة هذه المقالة ( تموز 2026 م ) ، تعــَـــرّض طالب في مرحلة المتوسطة و هو يعمل في مزارع البطاطة تحت حــــَــر ّ الشمس لعدة ساعات ، و دهسته ماكنة الحراثة ، و تكلـــَّـــم أحدهم فقال : هذا قضاء ٌ ، و قــــَــدر بكل بساطة ، هل وصلت الأرواح إلى هذا الإبتذال ، لماذا لانقول التقصير ، و رخص قيمة البشر ، و عدم الحرص ، فأيـــــن الدين ، و القانون ، و الأخلاق ، و الإنسانية …. و القصة الثانية : بينما كنت أنا وحفيدي الصغير ، نمشي بعد المغرب في المنطقة ، و هو يخطو خطوات أحيانا ً ، و أحمله أحيانا ً ، سلــَّـــم علي َّ أحد الأطفال وقد اسمــر َّ وجههه من الشمس ، و بــــَـــدت عليه ملامح الإرهاق ، و الثياب الرثــــَّــــة … أستاذ … تسمح أمشي معكم ؟؟ ؟ قــلـــت تفضل … وبدأ الحديث : ماذا تعمل هنا ؟؟؟ قال : أعمل في محل بيع الدجاج ، في أي صف أنت ؟؟؟ قال في الصف الثالث الإبتدائي ، يعني عمره تسع سنوات ، فقلت له : ماهو عملك ؟؟ قال : كل مايتطلبه من ذبح الدجاج ، وسلخه ، ونظافته ، ونظافة المحل ، فقلت له : كم ساعة تعمل في النهار فقال : عشر ساعات من الساعة السادسة صباحا ً ، أنا افتح المحل وأرتب الأمور ، نعمل حتى الساعة الثانية عشرة ، ثم نــتناول طعام الغداء .. فقلت : و ماهو غداؤكم ؟؟؟ قال : كباب ، أتناول ثلاثة ( أشياش ) كباب ، مع الببسي ، ونأخذ إستراحة ، ثم نتناوب العمل حتى السادسة مساءً ، فقلت له : وكم هي أجرتك اليومية ، فقال : عشرة آلاف دينار ، أعطي خمسة آلاف لأمي ، وخمسة آلاف أدخرها ، فقلت له : وكم جمعت ؟؟؟ فقال أربعمائة ألف دينار ، لكي اشتري بها ملابس المدرسة ، فقلت له : و في وقت الدوام ، ماذا تعمل ؟؟؟ قال : أعمل يومين في الأسبوع .
هنا تألمت كثيرا ً ، و أتــتــنــي أفكار : وتذكرت حينما كــــنـــّــــا صغارا ً ، نعود من المدينة إلى القرية في الصيف ، و كان الوالد يأخذنا إلى حصاد الحمص ، والذي كانت أغصانه مليئة بالمادة المالحة التي تحرق الأيادي ، و حرقة الأصابع ، حتى حدوث الصديد والقيح فيها بعد الكفوف ، و نعمل في الشمس طوال النهار ، و في الليل نضع اللبن المجفف على وجوهنا لاستعادة النضارة ، وأحيانا ً كنا نعمل كل النهار في زراعة الشلب ، و في الماء ، و تنظيم واحات الشلب ، بدون أحذية ، و كان يقول لنا : أنا لست بحاجة إلى عملكم ، و أستطيع أن استعين بالعمال ، ولكن أريد أن أعلمكم مكانة العلم ، حينما تدرسون تتذوقون حلاوته ، وأنتم تلبسون الثياب النظيفة وتعملون تحت الظلال لا تضربكم شمس القيظ ، ومن ناحية أخرى ، فمن المهم إذا كان الوالد يعمل بعمل جيد لامانع أن يأخذ ولده لتعلم الصنــعة ، بحدود معينة ، ولكن إن كان الوالد يعمل بعمل متواضع ، فنرى أن لايشرك ولده معه ، حتى لايعيــَّــــر به في المستقبل ، و في هذا ذكر العدل الثقة : أن َّ الملك كان يذهب إلى الحلاق ، وعند الإنتهاء يقول ولده له مبارك ، فهذا يعطيه شيئا ً وذلك يعطيه شيئا ً ، ولما بلغ الولد أشــدّه ، و أنهى الدراسة الإعدادية ، طلب الوالد من الملك أن يقبل ولده في السلك العسكري ، فقال له الملك : إبنك لايصلح لهذه المهنة ، لأنها مقدسة ، تخص عزيزي النفس ، وابنك قد تعلـــَّـــــم أخذ الأموال الزهيدة من الناس .
نقترح أن تكون هناك منظمات خاصة في هذا المضمار بدراسة أحوال الطلبة ، الفقراء ، وفتح الدورات الخاصة بهم ، لتطوير معلوماتهم ومهاراتهم ، ومنحهم بعض المال تشجيعا ً لهم ، و لعوائلهم ، و من ناحية ثانية فإنهم يبتعدون عن كثير من الأخطار عليهم ، و على غيرهم ، وفي هذا أشار القانون ( 14 ) لسنة ( 2025 م ) يُحظر تشغيل الأطفال قبل بلوغهم الخامسة عشرة سنة ، ويجوز تدريبهم متى بلغت سنهم أربع عشرة سنة بما لا يعوقهم عن مواصلة التعليم ، وتشير إحصائية بأن َّحوالي ( 160) ، مليون طفل في العالم ، يعملون ، وهم خارج التعليم .
( http : // www aLjazeera . net )
وقد لاتكون هذه الإحصائية دقيقة ، ولكنها لا تخلو من الحالة المأساوية التي تمر بها هذه الشريحة التي تكون هي الطليعة في مستقبل الأيام ، ويأتي هنا دور أهل الخير ، والمنظمات التي ملأت الدنيا بأقوالهم ، وبياناتهم ، فأين هم من هذه المآسي التي ينعرض لها الأطفال وغيرهم من المشردين في شتى أرجاء الدنيا .