الكاتب والباحث السياسي مهند محمود شوقي
الدولة لا تبدأ من مبنى حكومي، ولا من ختم رسمي، ولا حتى من دستور مكتوب مهما كان متقدمًا. الدولة تبدأ عندما يشعر المواطن أن هناك قانونًا واحدًا يسري على الجميع، وأن هناك مؤسسة تستطيع أن تقول للسلطة نفسها: هذا حق، وهذا تجاوز، وهذه مسؤولية يجب أن يتحملها صاحبها.
في العراق، حيث تبدلت الأنظمة وتعاقبت الأزمات وتداخلت السياسة بالأمن والاقتصاد، لم يكن هذا السؤال سهلًا في أي وقت. لكن القضاء ظل واحدًا من أكثر المفاتيح أهمية في قصة الدولة العراقية؛ لأنه المؤسسة التي يفترض أن تعيد الجميع، مهما اختلفت مواقعهم، إلى نقطة واحدة اسمها القانون.
منذ القانون الأساسي العراقي عام 1925، كان القضاء حاضرًا في بناء الدولة الحديثة. وبعد قرابة قرن، ما زالت المسألة نفسها مطروحة، ولكن في ظروف مختلفة: كيف يمكن أن تتحول النصوص الدستورية إلى دولة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للقضاء.
ليس فقط كم حكمًا صدر، ولا كم قضية أغلقت، وإنما هل يستطيع المواطن أن يثق بأن حقه لا يضيع؟ وهل تستطيع الدولة أن تستعيد أموالها عندما تُنهب؟ وهل يمكن أن يصل القانون إلى شخص يمتلك نفوذًا سياسيًا أو اقتصاديًا؟ وهل تستطيع المؤسسات أن تعمل من دون أن تخشى مراكز القوة خارجها؟
هذه الأسئلة تضع القضاء في قلب معركة بناء الدولة.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح الفساد واحدًا من أبرز الملفات التي يختبر فيها القضاء قدرته على حماية الدولة، فالفساد ليس رقمًا في تقرير مالي، ولا قضية تخص جهة حكومية بعينها. عندما تضيع أموال الدولة، تتراجع الخدمات، وتتأخر المشاريع، وتزداد كلفة التنمية، ويبدأ المواطن بفقدان ثقته في المؤسسات.
لهذا فإن مكافحة الفساد لا تنتهي عند إدانة المتهم. هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: أين ذهبت الأموال؟
وهنا جاءت خطوات القضاء باتجاه استرداد الأموال والأصول لتمنح المعركة معنى أكثر واقعية، ففي يوليو/تموز 2026 أعلن مجلس القضاء الأعلى استرداد 375 كيلوغرامًا من الذهب في إحدى قضايا الفساد، بينها 358 كيلوغرامًا جرى استردادها بالتنسيق مع إقليم كوردستان، مع استمرار الإجراءات لاسترداد الأموال المنقولة وغير المنقولة المتحصلة من الجريمة.
قد يبدو الرقم كبيرًا، لكنه في الحقيقة يقول شيئًا أبسط: مكافحة الفساد لا تعني فقط أن يدخل المتهم قاعة المحكمة، وإنما أن يعود المال إلى المكان الذي خرج منه.
وهذا جانب مهم من الدور الذي يحاول القضاء العراقي ترسيخه في مواجهة الفساد. فمجلس القضاء الأعلى أوضح أن المحاكم المختصة بمكافحة الفساد تعمل على هدفين متلازمين: محاسبة مرتكبي الجرائم المالية والإدارية، واسترداد أموال الدولة.
وهنا تظهر أهمية رئاسة فائق زيدان لمجلس القضاء الأعلى في هذه المرحلة، فالرجل يقود مؤسسة تعمل في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا في المنطقة، حيث تتقاطع ملفات الفساد مع السياسة والاقتصاد والأمن، وحيث لا يمكن لأي خطوة قضائية كبيرة أن تمر من دون أن تلامس مصالح متشابكة.
لكن زيدان لا يتحدث عن القضاء بمعزل عن الدولة. في أكثر من مناسبة، وضع استقلال القضاء وسيادة القانون في إطار بناء الدولة الدستورية، مؤكدًا أن القضاء العراقي يعمل، وفق الدستور والقانون، بعيدًا عن تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية أو أي جهة أخرى.
وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل القضاء أكثر من مؤسسة للفصل في النزاعات.
القضاء القوي لا يحتاج إلى أن يكون سياسيًا حتى يكون مؤثرًا. يكفي أن يكون مستقلًا، وأن يطبق القانون عندما تكون القضايا صعبة، وأن يصل إلى المال العام عندما يكون الطريق إليه معقدًا، وأن يحمي الحقوق عندما تكون موازين القوة غير متساوية.
ومن هنا نصل إلى القضية التي أصبحت في السنوات الأخيرة جزءًا من النقاش حول مستقبل الدولة العراقية: حصر السلاح بيد الدولة.
هذه ليست قضية منفصلة عن القضاء، ولا هي مجرد ملف أمني. جوهرها هو السؤال القديم نفسه: من يملك القرار داخل الدولة؟
الدستور العراقي واضح في هذا الجانب، فالمادة التاسعة تحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، بينما تجعل المادة 110 وضع سياسة الأمن الوطني وإنشاء القوات المسلحة وإدارتها من الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.
ولهذا، فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة ليس اختراعًا سياسيًا جديدًا، بل هو في جوهره حديث عن تنفيذ مبدأ دستوري يتعلق بسيادة الدولة ووحدة قرارها.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، تحدث فائق زيدان بوضوح عن الانتقال من “منطق الاستثناء” إلى “منطق السيادة الكاملة”، وربط ذلك بترسيخ الدولة الدستورية واحتكار القوة المسلحة وفق الدستور والقانون.
ثم جاءت خطوة أكثر وضوحًا في يونيو/حزيران، عندما شكر الجهات التي أعلنت موافقتها على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ودعا بقية الفصائل إلى الالتحاق بهذا المسار، معتبرًا ذلك طريقًا لتحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي.
ما يلفت الانتباه في هذا الموقف أن رئيس السلطة القضائية لم يقدمه باعتباره معركة سياسية، وإنما باعتباره جزءًا من الانتقال نحو دولة تكون فيها المؤسسات الدستورية صاحبة القرار.
وهنا تتضح العلاقة بين القضيتين.
لا يمكن أن تحارب الفساد بكفاءة إذا كانت الدولة ضعيفة أمام النفوذ. ولا يمكن أن تحمي الاستثمار إذا لم يكن القانون قادرًا على حماية الحقوق. ولا يمكن أن تكون هناك سيادة كاملة إذا تعددت مراكز القرار. ولا يمكن أن يشعر المواطن بأن القانون فوق الجميع إذا كان هناك من يعتقد أنه يستطيع أن يكون خارج نطاقه.
الدولة، في النهاية، ليست مجموعة مؤسسات متجاورة. إنها منظومة واحدة؛ القضاء فيها يحمي القانون، والحكومة تنفذه، والبرلمان يشرّع ويراقب، والمؤسسات الأمنية تحمي المجتمع والدستور، وكل طرف يعرف حدوده ومسؤوليته.
حين تختلط هذه الأدوار، تضعف الدولة. وحين تنتظم، تبدأ الدولة باستعادة عافيتها.
وهذا ما يجعل مهمة القضاء في العراق اليوم حساسة للغاية، فهو لا يستطيع وحده بناء الدولة، ولا يمكنه أن يحل محل الحكومة أو البرلمان، لكنه يستطيع أن يحمي الحدود التي لا ينبغي أن يتجاوزها أحد.
يمكن للقضاء أن يقول إن المال العام ليس ملكًا لمسؤول. ويمكنه أن يقول إن الجريمة لا تصبح مشروعة بسبب صاحبها. ويمكنه أن يقول إن الخلاف السياسي مكانه المؤسسات الدستورية. ويمكنه أن يقول إن سيادة القانون لا تتجزأ. هذه ليست عبارات كبيرة بقدر ما هي شروط بسيطة لأي دولة تريد أن تعيش طويلًا.
العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات عن هيبة الدولة بقدر ما يحتاج إلى أن يرى المواطن هذه الهيبة في حياته: في محكمة تنصفه، وفي مال عام يُسترد، وفي مسؤول يُحاسب، وفي مؤسسة لا تخضع لضغط خارج القانون، وفي قرار سيادي يصدر من مؤسسات الدولة.
وربما لهذا السبب أصبحت صورة القضاء في العراق مرتبطة بصورة الدولة نفسها. إذا نجح القضاء في أن يحافظ على استقلاله، وأن يواجه الفساد، وأن يسترد أموال الدولة، وأن يفرض احترام القانون، فإنه لا يحمي مؤسسة قضائية فحسب، بل يساعد على ترميم الثقة في الدولة. وهذه الثقة هي أصعب ما يمكن أن تبنيه الحكومات، وأسهل ما يمكن أن تخسره.
العراق قطع طريقًا طويلًا منذ تأسيس دولته الحديثة. دفع أثمانًا كبيرة بسبب الحروب والانقسامات والإرهاب والأزمات السياسية. واليوم، بعد كل ذلك، ربما تكون المعركة الأهم أقل ضجيجًا من المعارك السابقة: بناء دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى البحث عن حماية خارج مؤسساتها، ولا يحتاج المسؤول إلى البحث عن نفوذ خارج القانون.
في هذه اللحظة، يصبح القضاء جزءًا من مستقبل العراق، لا مجرد جزء من جهازه الإداري. ويصبح دور فائق زيدان، بما يمثله موقعه، مرتبطًا بهذا الاختبار الصعب: كيف يحافظ القضاء على استقلاله، وكيف يواجه الفساد، وكيف يحمي المال العام، وكيف يرسخ فكرة أن الدولة لا يمكن أن تكون قوية إذا كان القانون ضعيفًا؟
الإجابة لن تأتي من الخطب وحدها. ستأتي من الأحكام، ومن الأموال التي تعود إلى الخزينة، ومن الحقوق التي تُحمى، ومن المؤسسات التي تتعلم أن القانون ليس اقتراحًا يمكن قبوله أو رفضه.
في النهاية، لا تحتاج الدولة القوية إلى أن يخاف منها المواطن. تحتاجه أن يثق بها. أن يعرف أن القانون سيحميه عندما يكون الطرف الأضعف، وأن القضاء لن يسأل عن اسمه قبل أن يسأل عن حقه، وأن المال العام له حرمة، وأن القرار السيادي له عنوان واحد. وحين يصبح القانون هو المرجع الأخير للجميع، لا يعود القضاء مجرد حصن للعدالة؛ بل يصبح أحد الحصون التي تحمي الدولة نفسها.
. . .