الحسكة.. التجييش الإعلامي يحاصر السلم الأهلي

عزالدين ملا

ما يجري في محافظة الحسكة لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد سجال سياسي أو اختلاف في وجهات النظر، فالمشهد تجاوز حدود النقاش المشروع إلى حملات ممنهجة تستند إلى إثارة المخاوف، واستحضار ذاكرة الصراع، وإعادة رسم خطوط الانقسام بين العرب والكرد، عبر خطاب يختلط فيه السياسي بالقومي، والواقعي بالعاطفي.

الحقيقة أن خطاب الكراهية لم يغب عن المشهد السوري في أي مرحلة، لكنه كان يرتفع وينخفض تبعاً لمستوى المواجهات العسكرية والتحولات السياسية. أما اليوم، فإن ما يثير القلق ليس مجرد عودة هذا الخطاب وإنما انتقاله إلى مستوى أكثر تنظيما وتأثيرا، بالتزامن مع الحديث عن مسار الدمج بين الحكومة السورية وقسد وفق اتفاق 29 كانون الثاني 2026. فكلما اقتربت الأطراف من طاولة التفاوض، بدا وكأن منصات التواصل الاجتماعي تتحول إلى ساحات حرب موازية، تُدار فيها معارك نفسية وإعلامية، هدفها تعبئة الجمهور، ورفع سقف المخاوف، وتكريس الانقسام بين المكونات الاجتماعية.

ولعل أخطر ما في هذه الحملات أنها لم تعد تقتصر على الاختلاف السياسي المشروع، أو على النقد المتبادل بين القوى المتنافسة، وإنما أخذت تتجه نحو إعادة إنتاج خطاب يقوم على التخوين والشيطنة واستدعاء الذاكرة المثقلة بالصراعات، وكأن المجتمع في الحسكة يقف على أعتاب مواجهة وجودية بين العرب والكرد، لا أمام خلاف سياسي يمكن معالجته بالحوار والتفاوض.

ولا يمكن إنكار أن مسار التفاهمات بين دمشق وقسد والإدارة الذاتية تثير كثيراً من الأسئلة والهواجس. فهناك من يرى فيه فرصة لإنهاء حالة الانقسام التي فرضتها سنوات الحرب، وإعادة توحيد المؤسسات السورية ضمن صيغة جديدة تضمن الاستقرار. وفي المقابل، هناك من ينظر إليه بعين القلق، سواء من الكرد الذين يخشون خسارة المكاسب السياسية والإدارية التي تحققت خلال السنوات الماضية، أو من العرب الذين لديهم، بدورهم، مخاوف تتعلق بشكل الإدارة المقبلة، وتوزيع السلطات، ومستقبل التمثيل السياسي، فضلاً عن شريحة واسعة من السوريين، كرداً وعرباً، الذين دفعوا أثمانا باهظة خلال سنوات الثورة، ويخشون أن تتحول التسويات إلى مجرد إعادة إنتاج للأزمة بصيغ مختلفة.

هذه الهواجس مشروعة، ومن الطبيعي أن يرافق أي تحول سياسي نقاش واسع، واعتراضات، وانتقادات، لأن السياسة بطبيعتها تقوم على اختلاف المصالح والرؤى. لكن ما ليس طبيعيًا هو أن تتحول هذه المخاوف إلى حملات تعبئة تستند إلى إثارة الغرائز القومية، أو إلى نشر الشائعات، أو إلى تصوير أي مكون اجتماعي باعتباره عدواً ينبغي الاستعداد لمواجهته. فمثل هذا الخطاب لا يخدم أي مشروع سياسي، ولا يعزز موقف أي طرف على طاولة المفاوضات، بل يضعف الجميع، لأنه يهدد البيئة الاجتماعية التي يُفترض أن تستند إليها أي تسوية مستقبلية.

إن الحسكة ليست مجرد محافظة سورية عادية، بل هي واحدة من أكثر المناطق حساسية وتعقيدًا من الناحيتين الديموغرافية والسياسية. فهي تضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن، ومكونات أخرى عاشت لعقود طويلة ضمن نسيج اجتماعي واحد، رغم اختلافاتها الثقافية والقومية. وحتى خلال سنوات الحرب، وعلى الرغم من تعدد القوى العسكرية والإدارية، بقي المجتمع المحلي قادرا في كثير من الأحيان على احتواء التوترات ومنعها من التحول إلى اقتتال أهلي واسع، بفضل العلاقات الاجتماعية ودور الوجهاء وإدراك الجميع أن أي صدام داخلي ستكون كلفته أكبر من أي مكسب سياسي مؤقت.

لكن هذا التوازن يبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى، ليس بسبب الوقائع الميدانية فحسب، بل بسبب الخطاب الإعلامي الذي يضخ يومياً كميات هائلة من الكراهية والشكوك. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات لتبادل الأخبار، بل أصبحت أدوات لتشكيل الوعي الجمعي وصناعة الصورة الذهنية عن الآخر. وعندما يتكرر وصف مكون اجتماعي معين بأنه تهديد وجودي، أو يُختزل طرف سياسي بأكمله في صورة العدو، فإن ذلك يترك أثراً عميقاً في الرأي العام، ويخلق فجوات يصعب ردمها لاحقا، حتى لو نجحت القيادات السياسية في التوصل إلى اتفاقات.

ولا يقتصر الخطر على انتشار خطاب الكراهية فحسب، بل يمتد إلى حجم الشائعات التي تنتشر بسرعة هائلة في ظل غياب المعلومات الدقيقة. فكل إشاعة عن تحرك عسكري، أو اتفاق سري أو تغيير ديموغرافي تتحول خلال ساعات إلى مادة للتحريض، دون أي تحقق من صحتها. وفي بيئة خرجت للتو من حرب طويلة، تصبح الشائعة عاملًا أمنيًا بامتياز، لأنها تدفع الناس إلى اتخاذ مواقف مبنية على الخوف، لا على الحقائق.

من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وحدهم، بل تبدأ من القوى السياسية والإعلامية التي تمتلك القدرة على توجيه الرأي العام. فالمنافسة السياسية لا تعني تحويل المجتمع إلى رهينة للاستقطاب، ولا يجوز أن تتحول الخلافات حول شكل الدولة، أو طبيعة الإدارة، أو توزيع الصلاحيات، إلى دعوات ضمنية أو صريحة للصدام بين أبناء المنطقة الواحدة.

كما أن الحكومة السورية تتحمل مسؤولية أساسية في هذه المرحلة، ليس فقط باعتبارها طرفاً في عملية التفاوض، وإنما باعتبارها الجهة التي يُفترض أن تقدم رؤية وطنية جامعة تطمئن مختلف المكونات، وتؤكد أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية لن تكون على حساب الحقوق المتساوية للمواطنين. وفي المقابل، تقع على عاتق القيادات الكردية والعربية والوجهاء والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني، مسؤولية موازية في حماية السلم الأهلي وعدم السماح بتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مجتمعية مفتوحة.

لقد أثبتت التجربة السورية خلال السنوات الماضية أن الحروب لا تبدأ عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل عندما تنهار الثقة بين الناس وعندما تصبح الكراهية جزءاً من الخطاب اليومي، وعندما يُقنع كل طرف جمهوره بأن التعايش مع الآخر لم يعد ممكناً. لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحسكة اليوم ليس فشل المفاوضات بحد ذاته وإنما نجاح خطاب التحريض في تفكيك العلاقات الاجتماعية التي حافظت على قدر من التماسك، رغم كل ما مرت به المنطقة.

إن مستقبل الحسكة لن يُبنى بمنشورات غاضبة أو حملات تخوين أو سباقات في رفع سقف التهديد، بل بحوار سياسي صريح يعترف بالمخاوف المتبادلة ويبحث عن ضمانات حقيقية لجميع المكونات ويؤسس لعقد اجتماعي يقوم على الشراكة لا الغلبة وعلى المواطنة لا الاصطفاف القومي.

وفي لحظة تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، تبدو الحكمة السياسية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فكل كلمة تُكتب اليوم قد تفتح بابا للحوار، وقد تفتح في المقابل باباً لأزمة جديدة. وبين الخيارين لا تحتاج الحسكة إلى المزيد من الأصوات التي تؤجج المخاوف، بل إلى أصوات مسؤولة تدرك أن الحفاظ على السلم الأهلي ليس موقفا سياسيا منحازا لطرف دون آخر، بل هو الشرط الأول لأي مستقبل مستقر وأي تسوية قابلة للحياة في سوريا التي أنهكتها الحروب والانقسامات.

قد يعجبك ايضا