عبدالحميد زيباري
لا تستقيم دولة، ولا يستقر اقتصاد، ولا يُبنى مستقبل، في ظل مجتمع يُدار بعقلية “السلاح المنفلت” وتتجاذب فيه القوة خارج أطر القانون. إن ما كشف عنه المؤتمر الصحافي المشترك لرئيس دائرة العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، اللواء مقداد ميري، واللواء منصور علي سلطان مدير مديرية السيطرة وتنظيم السلاح، لم يكن مجرد عرض لإنجازات رقمية، بل كان بمثابة “تشخيص صادم” لحجم التركة الثقيلة التي يكابدها العراق اليوم في محاولته لاستعادة هيبة الدولة.
الأرقام المعلنة -والتي تنبع من صلب عمل اللجنة الوطنية الدائمة لحصر السلاح بيد الدولة المشكلة بموجب القرار (21) لسنة 2018 والبادئة فعلياً في كانون الثاني 2023- تصيب المتابع بالذهول.
فنحن أمام خطة استراتيجية تمتد حتى عام 2030، مقسمة على أربع مراحل (من بنك المعلومات إلى التسجيل ثم الضبط والتفتيش وصولاً للتنمية المستدامة)، لكن المحصلة الحالية تفتح الأعين على حجم الخلل الهيكلي الذي يعانيه الجسد العراقي.
كيف لنا أن نستوعب غلق (71) مقراً وهمياً تدعي انتماءها لهيئة الحشد الشعبي، وغلق (119) محلاً لبيع الأسلحة، ومتابعة أكثر من (143) ألف قطعة سلاح مسروقة؟ أي بيئة أمنية هذه التي تجعل اللجنة تلاحق عشرات الآلاف من قطع السلاح المسربة من وإلى الشركات الأمنية، والوزارات المدنية، بل وحتى ضبط (49) طائرة مسيرة تُعامل اليوم -وبحق- وفق قانون مكافحة الإرهاب إذا حيزت خارج نطاق القانون؟
إن النقطة الأكثر إثارة للاهتمام تتجلى في استجابة الشارع. فعندما بدأت اللجنة عملها برعاية رئيس مجلس الوزراء وقيادة وزارة الداخلية وبمشاركة القضاء والجهات الأمنية والمدنية، كان جدار “عدم الثقة” سميكاً بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
لكن إلغاء الرسوم وجعل التسجيل مجانياً أثمر عن تسجيل أكثر من نصف مليون قطعة سلاح، مع إقبال يومي متزايد. هذا التحول يعكس حقيقة ناصعة: المواطن العراقي ليس “مغروماً” بالسلاح، بل كان يقتنيه لشعوره بالخوف وفقدان الحماية، وما إن لمس جدية وحصانة قانونية حتى سارع لتنظيم وضعه.
ولكن، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة لهذه اللجنة في تعقب كل ما يهدد السلم الأهلي -من أسلحة خفيفة، إلى “الدقات العشائرية”، وحتى الألعاب النارية التي تسببت بـ (324) إصابة خلال العام الحالي- فإن هذه الأرقام ذاتها تضعنا أمام سؤال سياسي وأخلاقي لا مفر منه:
ماذا كانت تفعل الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ عام 2003 وحتى الأمس القريب؟
كيف لحكومات كُتبت برامجها بأسماء أحزاب وقوى سياسية تنادي بالديمقراطية والحكم الرشيد، أن تغض الطرف عن هذا الكم الهائل من السلاح المنفلت الذي أكل من جرف الاستثمار، ورسخ مفهوم اللادولة؟ ما هو ذنب المواطن العراقي ليُحرم من أبسط الخدمات والمستشفيات والتعليم، ثم يُترك في مواجهة غابة من السلاح المدجج الذي يهدد حياته عند كل أزمة سياسية أو عشائرية؟
إن وجود أكثر من نصف مليون قطعة سلاح مجازة حيازةً في البيوت -وهذا مجرد الجزء الفاطس من جبل الثلج- دليل قاطع على أن العراق يخوض معركة قيصرية لإعادة الأوضاع إلى نصابها الطبيعي مقارنة بدول العالم المستقرة.
إن خطة حصر السلاح بيد الدولة حتى عام 2030 ليست خياراً ثانوياً أو رفاهية سياسية، بل هي شرط الوجود الأول لجمهورية العراق. فالأمن لا يستتب بالوعود الشفهية، والازدهار الاقتصادي لن يطرق باب بلاد تحوم فوقها مسيرات غير قانونية وتُحسم في حاراتها النزاعات ببنادق ومقرات وهمية. لقد حان الوقت لتتحمل القوى السياسية كافة مسؤوليتها التاريخية ودعم هذا المسار، بدلاً من استخدام السلاح كأداة للضغط والتوازن السياسي على حساب دماء واستقرار العراقيين.