سيادة الدستور وحسابات الردع: قراءة تفكيكية في حوار مسرور بارزاني مع “الجزيرة”

 

فينوس بابان

ممارسة السيادة في زمن السيولة الإقليمية
لم تكن إطلالة رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني، عبر شاشة الجزيرة مجرد حوار إعلامي تقليدي لإعادة سرد المواقف المعلنة بل جاءت بمثابة وثيقة موقف استراتيجي صيغت بأدوات الهندسة السياسية الجريئة لتحديد حدود اللعبة في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، عبر نبرة تجمع بين التهدئة الدبلوماسية والصلابة المؤسسية قدّم السيد مسرور بارزاني مراجعة شاملة لواقع النظام الفيدرالي العراقي مقتطعاً الروايات الجاهزة ومُعيداً تعريف علاقة أربيل بالمركز وبالعمقين الإقليمي والدولي.
تفكيك المركزية المقنّعة.. إعلان أزمة النظام الفيدرالي
تشكل مقولة بارزاني الحاسمة إن العراق الفيدرالي لا يزال يُحكم بقوانين وإجراءات مركزية جوهر العقدة السياسية في بغداد بعد عام 2005، لم يهاجم بارزاني أصل الفكرة الاتحاديّة بل كشف عورة الممارسة السياسية التي حاولت تحويل الدستور من مرجعية توافقية حاسمة إلى كتالوج انتقائي تُنفّذ منه البنود التقييدية وتُعطّل فيه حقوق الإقليم الدستورية.
الرسالة الموجهة إلى بغداد.. استقرار العراق شرطه احترام قواعد اللعبة الفيدرالية وإن محاولة تقويض الصلاحيات الاقتصادية والإدارية للإقليم تحت عباءة المركزية الإدارية لن تؤدي إلا إلى تعميق الانسداد السياسي.
الرسالة الموجهة للداخل والدول المعنية.. إعادة تأكيد أن الخلاف مع بغداد ليس صراعاً على مكاسب فئوية أو موازنات وقتية بل هو صراع مبدئي على طبيعة شكل الدولة وحماية الكيان الدستوري للإقليم كوردستان أمام محاولات التآكل المؤسسي.
المعادلة الأمنية وتفنيد ذرائع الاستهداف (استراتيجية تحويل العبء)
حين يكشف رئيس الحكومة عن تعرض الإقليم لـ أكثر من 1000 هجوم بالصواريخ والمسيرات فهو يمارس عملية إزاحة قوية للغموض السياسي، حيث يبدأ المسار التحليلي من هذا الرصد الرقمي الصريح لينتقل مباشرة إلى إسقاط الذرائع وإبطال السرديات الموازية عبر النفي القاطع لوجود أي قوات قتالية أمريكية أو صلة بإسرائيل وصولاً إلى إحراج الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي ونقل العبء الأخلاقي والأمني إليهما.
دحض السرديات الموازية.. نجح رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني في تجريد الأطراف المهاجمة من غطائها الأيدولوجي وذرائعها الأمنيّة.
اختبار السيادة الاتحادية.. وضع السيد مسرور بارزاني بغداد أمام مسؤوليتها المباشرة، فإذا كانت الاتهامات مجرد ذريعة فإن استهداف أربيل اعتداء على السيادة الوطنية يوجب حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
ملف الطاقة والأمن الاقتصادي (تسييس القرارات القضائية)
شكل المسار الاقتصادي بعداً محورياً في إطلالة رئيس حكومة إقليم كوردستان لا سيما في تفكيك أدوات الضغط المالي وقرارات المحكمة الاتحادية المتعلقة بالنفط والموازنة:
التأكيد على الحق الدستوري.. رفض السيد مسرور بارزاني تحويل الاستحقاقات المالية لحكومة الإقليم كوردستان إلى ورقة ابتزاز سياسي أو منحة مشروطة، مؤكداً أن إدارة الثروات يجب أن تخضع للنصوص الدستورية الصريحة التي تضمن الشراكة لا التبعية.
الاستقلالية المالية كركيزة للسيادة.. شدد الخطاب على أن ضرب البنية التحتية للطاقة وتجميد الصادرات ليس مجرد أزمة أرقام بل محاولة ممنهجة لإضعاف نموذج التنمية المستقل الذي يمثله إقليم كردستان.

الحياد النشط وترسيم التوازنات الإقليمية
تجلت الحنكة السياسية لرئيس حكومة إقليم كوردستان في كيفية إدارة التوازنات في منطقة تعج بالمحاور الصفرية تموضَع الإقليم في منطقة الحياد الاستراتيجي الجاذب للاستقرار:
العلاقات مع أنقرة (واقعية المصلحة الاقتصادية والأمنية).. وصف العلاقات بأنها جيدة جداً يعكس إدراكاً لضرورة الشراكة الجيواقتصادية وحماية المنافذ ومطاردة التهديدات الأمنية المتبادلة وفق أطر رسمية.
الانفتاح على دمشق (استباق الهندسة الإقليمية الجديدة).. إشارة السيد مسرور بارزاني إلى تطور العلاقات مع دمشق ودعم حقوق الكورد في سوريا تحمل رسالة مفادها أن أربيل تلعب دور الراعي التوفيقي للمكون الكوردي وتسعى لحل أزمات المنطقة عبر الحوار والاعتراف الدستوري بالحقوق.
التماسك الداخلي كشرط للتفاوض الخارجي
لم يُغفل رئيس حكومة إقليم كوردستان البعد التنظيمي والسياسي الداخلي للإقليم موضحاً أن الاستحقاقات الانتخابية والوحدة الوطنية هي الركيزة التي يستند إليها الإقليم في مواجهة الضغوط الخارجية، فالصلابة السياسية في التفاوض مع بغداد أو الفاعلين الإقليميين تتطلب جبهة كوردستانية متماسكة تحمي المؤسسات الشرعية وتمنع التدخلات الجانبية.
أربيل كارتكاز جيوسياسي وركيزة للتوازن الوطني
لم تكن مضامين خطاب السيد مسرور بارزاني مجرد مرافعة دفاعية عن خيارات إقليم كوردستان الدستورية بقدر ما كانت إطلاقاً لرؤية استراتيجية متكاملة لإعادة ترسيم قواعد الاستقرار في العراق والمنطقة، تتلخص الأطروحة في حقيقة جيوسياسية مفادها: أن بناء عراق فيدرالي مقتدر وضامن لسيادته لا يتم عبر الاستقطاب أو محاولات تحجيم الشركاء بل من خلال تجذير الشراكة المتكافئة والالتزام الصارم بالدستور، إن أربيل عبر هذا الخطاب، تُعيد تموضُعها لا كطرف في أزمة بل كـ “صمام أمان” وفاعل محوري لا غنى عنه لإنجاح مشاريع التنمية العابرة للحدود وترسيخ أمن الطاقة وصياغة بيئة إقليمية قائمة على التوازن والاحتواء الدبلوماسي.

قد يعجبك ايضا