شيوخ العشائر ومواجهة الأخبار المضللة

د. محمد طه الهدلوشي

نحو سلطة اجتماعية لحماية الوعي المحلي

لم تعد الأخبار المضللة في المجتمعات المعاصرة مجرد ظاهرة إعلامية عابرة يمكن التعامل معها بوصفها أخطاء في نقل المعلومات، بل أصبحت إحدى الأدوات المؤثرة في تشكيل المواقف العامة وإدارة الصراعات وإثارة المخاوف وإعادة توجيه السلوك الجمعي. ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، انتقلت المعلومة من المجال المؤسسي المنظم إلى فضاء مفتوح يستطيع فيه أي فرد أن يكون منتجاً للمحتوى وناقلاً له ومفسراً للأحداث، الأمر الذي أوجد بيئة تتداخل فيها الحقيقة مع الإشاعة، والخبر مع الرأي، والمعلومة الدقيقة مع المادة المصممة عمداً للتضليل. وفي المجتمع العراقي، الذي يحتفظ ببنية عشائرية واجتماعية فاعلة إلى جانب مؤسسات الدولة، تبرز أهمية البحث في الدور الذي يمكن أن يؤديه شيوخ العشائر في مواجهة الأخبار المضللة، ليس باعتبارهم بديلاً عن المؤسسات الإعلامية أو الأمنية أو القضائية، وإنما بوصفهم أصحاب تأثير اجتماعي قادرين على التدخل في لحظات التوتر، وإبطاء انتشار الإشاعة، وإعادة توجيه الجمهور نحو التحقق والعقلانية.

إن سلطة شيخ العشيرة في البيئة المحلية لا تقوم حصراً على البناء التقليدي للزعامة، بل تستند في جانب مهم منها إلى الثقة المتراكمة وإلى القدرة على التواصل المباشر مع الأفراد والعائلات وإلى معرفة دقيقة بالبنية الاجتماعية للمجتمع المحلي. وهذه الخصائص تمنحه قدرة تختلف عن قدرة الخطاب الرسمي؛ فالمؤسسة قد تصدر بياناً صحيحاً، إلا أن وصوله إلى الجمهور لا يعني بالضرورة اقتناع الناس به، بينما يستطيع الفاعل الاجتماعي الذي يحظى بالثقة أن يفسر المعلومة ويضعها في سياقها ويمنع تأويلها بطريقة تؤدي إلى التوتر. من هنا تتحول الزعامة العشائرية، إذا أُحسن توظيفها، من سلطة لمعالجة النزاع بعد وقوعه إلى سلطة وقائية تساهم في منع البيئة النفسية والاجتماعية التي تسمح للنزاع بالظهور أصلاً.

وتزداد خطورة التضليل حين يرتبط بموضوعات تمس الكرامة أو السمعة أو الانتماء أو العلاقات بين الجماعات. فالخبر الكاذب الذي يتعلق بشخصية عامة قد يبقى في حدود الجدل، أما الإشاعة التي تنسب فعلاً عدائياً إلى عشيرة أو منطقة أو جماعة فقد تتحول بسرعة إلى استنفار اجتماعي، خصوصاً إذا رافقتها صور قديمة أو مقاطع مجتزأة أو تسجيلات صوتية مجهولة المصدر. وفي هذه الحالات لا يكون الضرر معرفياً فقط، بل يصبح أمنياً واجتماعياً. وقد يدفع التسرع في تصديق المحتوى إلى مواقف لا يمكن التراجع عنها بسهولة، لأن الإشاعة عندما تنتقل إلى المجال العشائري قد ترتبط بالاعتبار والكرامة والرد، فتتحول المعلومة غير الموثقة إلى فعل اجتماعي حقيقي.

لهذا يحتاج مفهوم المسؤولية العشائرية في العصر الرقمي إلى إعادة تعريف. فكما كان الشيخ يتحمل مسؤولية ضبط ردود الأفعال عند وقوع خلاف في القرية أو المدينة، أصبح من الضروري أن يمتد هذا الدور إلى المجال الإلكتروني. ولا يعني ذلك مراقبة الناس أو تقييد حقهم في التعبير، بل تأسيس ثقافة اجتماعية ترى أن إعادة إرسال خبر غير موثق قد تكون لها عواقب خطيرة. إن الضغط على زر المشاركة لم يعد فعلاً تقنياً محايداً، لأنه قد ينقل الاتهام إلى مئات الأشخاص خلال دقائق، وقد يمنحه انتشاراً يجعل نفيه لاحقاً أقل تأثيراً من الخبر الأصلي. ومن ثم فإن أخلاق المسؤولية التي كانت تضبط الكلمة في المجلس ينبغي أن تتوسع لتشمل الكلمة والصورة والتسجيل في المنصة الرقمية.

ويستطيع شيوخ العشائر أن يؤدوا دوراً مهماً في بناء ما يمكن تسميته بالوعي المحلي المقاوم للتضليل. وهذا الوعي لا يقوم على مطالبة الناس بعدم تصديق أي شيء، لأن الشك المطلق لا يقل خطراً عن التصديق المطلق، وإنما يقوم على مجموعة من العادات العقلية البسيطة: معرفة مصدر الخبر، وعدم الاكتفاء بعنوان مثير، والبحث عن تاريخ الصورة أو المقطع، وانتظار المعلومات الرسمية في الحوادث الحساسة، والتمييز بين الخبر والتعليق، وعدم نشر الاتهامات المتعلقة بالأفراد والعائلات قبل التثبت منها. وعندما تتحول هذه القواعد إلى أعراف اجتماعية فإن المجتمع يصبح أقل قابلية للاستغلال من الجهات التي تستثمر الانفعال والخوف.

ومن المهم هنا إدراك أن الشاب الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لساعات يومياً يعيش في بيئة معرفية تختلف عن البيئة التي تشكلت فيها الزعامة العشائرية التقليدية. ولذلك فإن الحفاظ على تأثير الشيخ لا يتحقق برفض التكنولوجيا أو النظر إليها باعتبارها خطراً في ذاتها، بل بفهمها والتعامل مع منطقها. فالمنصات الرقمية سريعة، وتمنح الأفضلية للمحتوى المثير، وتجعل الصورة أو المقطع القصير أكثر انتشاراً من الشرح الطويل. ومن ثم فإن الرسالة الاجتماعية المضادة للتضليل تحتاج هي الأخرى إلى سرعة ووضوح واختصار، وإلى استخدام القنوات التي يتابعها الشباب بالفعل. وقد يكون تسجيل قصير وهادئ يصدر في اللحظة المناسبة أكثر فاعلية من بيان مطول يصل بعد أن تكون الإشاعة قد انتشرت.

كما ينبغي ألا ينفرد شيخ العشيرة بهذه المهمة، بل الأفضل بناء شبكة محلية للتثبت تتعاون فيها الزعامة الاجتماعية مع المختصين والإعلاميين والمؤسسات الرسمية والجامعات والمدارس ومنظمات المجتمع المدني. فهناك أخبار تحتاج إلى معرفة قانونية، وأخرى تحتاج إلى تحليل تقني، وثالثة تتعلق بالأمن أو الصحة أو الاقتصاد، ولا يستطيع شخص واحد أن يكون مرجعاً في جميع المجالات. قيمة الشيخ هنا تكمن في قدرته على توجيه الناس إلى المصدر الصحيح وإضفاء الشرعية الاجتماعية على ثقافة التحقق، لا في ادعاء امتلاك الحقيقة في كل موضوع. وكلما كانت العلاقة بين المرجعية الاجتماعية والمرجعية العلمية والمؤسساتية واضحة، ازدادت قدرة المجتمع على مقاومة التضليل.

إن مفهوم السلطة الاجتماعية لحماية الوعي المحلي لا ينبغي فهمه باعتباره سلطة قسرية، بل باعتباره قدرة على التأثير الأخلاقي وتوجيه السلوك. فالمنع بالقوة قد يدفع الأخبار إلى الانتقال في قنوات أكثر غموضاً، بينما بناء الاقتناع يجعل الفرد نفسه يتوقف قبل المشاركة. وفي هذا السياق يمكن لشيوخ العشائر أن يؤسسوا أعرافاً جديدة تحرّم اجتماعياً التشهير الإلكتروني وإشعال النزاعات ونشر التسجيلات غير الموثقة والتلاعب بسمعة الأسر. وإذا أصبحت هذه الأفعال موضع استنكار اجتماعي، فإن كلفتها المعنوية سترتفع، وسيصبح الأفراد أكثر حذراً في التعامل معها.

ومن أبرز المشكلات أن الإشاعة كثيراً ما تصل قبل المعلومة الرسمية، لأن الجمهور يبحث عن تفسير سريع للحوادث. وهنا تظهر الحاجة إلى آليات اتصال محلية يمكن تفعيلها عند الأزمات. فإذا وقع حادث قابل لإثارة نزاع، يمكن لشيوخ الأطراف المعنية الاتفاق على عدم إصدار اتهامات أو أحكام قبل ظهور المعلومات الأساسية، وعلى نشر رسالة مشتركة تدعو إلى الهدوء. إن الساعات الأولى قد تكون حاسمة، لأن منع التصعيد في بدايته أسهل بكثير من محاولة السيطرة عليه بعد أن يصبح قضية كرامة وموقفاً عاماً.

ويتصل بذلك دور المجالس والمضايف العشائرية، التي يمكن أن تتطور من فضاءات للتواصل التقليدي إلى مراكز لنشر الثقافة الرقمية المسؤولة. فالمضيف يستطيع إضافة وظائف معرفية جديدة؛ كاستضافة متخصصين في الإعلام والأمن الرقمي، وتنظيم لقاءات للشباب حول كيفية التحقق من الأخبار، وشرح مخاطر الابتزاز الإلكتروني وانتحال الحسابات والتزييف العميق. وبذلك يصبح المكان التقليدي نفسه جسراً إلى ثقافة رقمية حديثة، ويقدم نموذجاً لحداثة لا تلغي الموروث بل تعيد توظيفه.

وتكتسب تقنيات الذكاء الاصطناعي أهمية متزايدة، لأن القدرة على صناعة صور ومقاطع صوتية ومرئية مقنعة أصبحت أكبر من السابق. وقد يجد المجتمع نفسه أمام تسجيل صوتي منسوب إلى شيخ أو مسؤول أو شخصية اجتماعية لم يصدر عنه أصلاً، أو أمام صورة مركبة تبدو حقيقية. وهذا التطور يعني أن قاعدة (رأيت بعيني) لم تعد كافية للحكم على صحة المحتوى الرقمي. ومن هنا ينبغي إدخال مفهوم التزييف العميق ضمن برامج التوعية المحلية، لأن المجتمعات التي لا تدرك إمكان التلاعب بالصوت والصورة ستكون أكثر عرضة للاستجابة لمواد مصنعة لإثارة النزاع.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي للأخبار المضللة. ففي أوقات الانتخابات أو الأزمات قد تستخدم الشائعات لإضعاف الثقة بين الجماعات أو لتشويه أشخاص أو دفع الجمهور نحو مواقف معينة. وهنا ينبغي الحفاظ على استقلال الوظيفة الاجتماعية للشيخ عن التحول إلى أداة لترويج خطاب مضلل. فكلما ارتبطت الزعامة الاجتماعية بجهة بطريقة تجعلها تعيد نشر مواد غير موثقة، فقدت جزءاً من قدرتها على القيام بدور الوسيط الموثوق. ولذلك فإن حماية الوعي المحلي تتطلب التمييز بين الموقف السياسي وبين المسؤولية الاجتماعية في عدم تقديم الإشاعة باعتبارها حقيقة.

والأمر نفسه ينطبق على الخطاب الطائفي والقومي والمناطقي. فالمعلومة المضللة تصبح أكثر قدرة على الانتشار عندما تؤكد حكماً مسبقاً موجوداً لدى الجمهور. فإذا كانت هناك صورة نمطية سلبية عن جماعة معينة، فإن الناس قد يصدقون خبراً مسيئاً عنها بسرعة أكبر. ومن ثم فإن مكافحة التضليل تحتاج إلى معالجة التحيزات الاجتماعية، وليس فقط تصحيح المعلومات. وهنا يستطيع شيوخ العشائر، عبر خطابهم ومواقفهم وعلاقاتهم المتبادلة، تأكيد أن المسؤولية فردية، وأن خطأ شخص لا يمكن أن يتحول إلى اتهام لجماعة كاملة.

كما أن التعاون بين شيوخ العشائر في المناطق المختلطة يمكن أن يشكل خط دفاع مبكراً أمام محاولات التحريض. ويمكن تصور مجالس تنسيق اجتماعي تتبادل المعلومات عند ظهور شائعة حساسة، وتتواصل مع الجهات المختصة قبل اتخاذ أي موقف، ثم تصدر رسالة موحدة تمنع تفسير الصمت باعتباره قبولاً بالإشاعة. وتكتسب الرسالة المشتركة أهمية خاصة عندما تصدر عن شخصيات تمثل جماعات مختلفة، لأنها تنقل الأزمة من منطق المواجهة بين الهويات إلى منطق المسؤولية المشتركة عن السلم الأهلي.

ومن الجوانب المهمة أيضاً العلاقة بين الأخبار المضللة والنزاعات العشائرية التقليدية. فقد تبدأ بعض الخلافات اليوم بمنشور أو تعليق أو صورة أو حساب وهمي، ثم تنتقل من الشاشة إلى الواقع. وقد يؤدي تعليق كتبه شاب بانفعال إلى توتر بين عائلتين إذا فُهم باعتباره موقفاً جماعياً. لذلك يجب ترسيخ قاعدة واضحة مفادها أن السلوك الإلكتروني الفردي لا يمثل بالضرورة جماعته، وأن معالجة الإساءة الرقمية ينبغي أن تمر بالقانون والحوار والتحقق من هوية الحساب، خصوصاً مع سهولة انتحال الأسماء وإنشاء الحسابات المزيفة.

ويبرز هنا دور القانون باعتباره شريكاً لا منافساً للعرف الاجتماعي. فالأخبار المضللة قد تتضمن تشهيراً أو ابتزازاً أو تهديداً أو تحريضاً، وهي مسائل تحتاج إلى إجراءات قانونية. ومن الخطأ أن تتحول المعالجة العشائرية إلى بديل عن القانون في الجرائم الرقمية، لأن ذلك قد يؤدي إلى توسيع النزاع. الدور الأكثر فاعلية للشيخ يتمثل في منع رد الفعل الجماعي، وتشجيع المتضرر على استخدام المسارات القانونية، والمساهمة في تهدئة البيئة المحيطة حتى تعمل المؤسسات المختصة. بهذا المعنى يصبح العرف سنداً للاستقرار وسيادة القانون، لا نظاماً موازياً له.

ويمكن للمرأة في البيئات العشائرية أن تكون شريكاً مهماً في حماية الوعي المحلي، ولا سيما أن كثيراً من الأخبار والشائعات تنتقل داخل شبكات أسرية واجتماعية لا تصل إليها الخطابات العامة بالسهولة نفسها. كما أن النساء والفتيات قد يكنّ هدفاً خاصاً للابتزاز والتشهير الرقمي. ولذلك فإن أي استراتيجية عشائرية لمواجهة التضليل ينبغي أن تشمل أصواتاً نسائية تربوية وأكاديمية واجتماعية قادرة على التوعية والوصول إلى الأسر، وأن ترفض استخدام مفهوم السمعة بطريقة تجعل الضحية تتحمل مسؤولية الجريمة الواقعة عليها.

أما الشباب فهم المحور الأهم في هذه العملية. فبدلاً من النظر إليهم باعتبارهم مصدراً للمشكلة بسبب الاستخدام المكثف للمنصات، ينبغي التعامل معهم باعتبارهم جزءاً من الحل. ويمكن اختيار شباب من أبناء العشائر يمتلكون معرفة تقنية وإعلامية لتكوين فرق تطوعية للتوعية والتحقق تعمل بالتنسيق مع المختصين ولا تمارس الرقابة على الأفراد. إن الجمع بين المكانة الاجتماعية للشيخ والمعرفة الرقمية للشباب يقدم نموذجاً لتكامل الأجيال، ويمنع الفجوة بين القيادة التقليدية والعالم الإلكتروني الجديد.

ومن الضروري أن تتجنب حملات مكافحة التضليل الوقوع في مشكلة مضادة تتمثل في تصنيف كل رأي مخالف على أنه خبر كاذب. فحرية الرأي والنقد والنقاش جزء من المجتمع الصحي، والمطلوب هو التمييز بين الرأي الذي يمكن الاختلاف معه وبين الادعاء الواقعي الذي يمكن التحقق من صحته أو كذبه. وكل سلطة اجتماعية لا تراعي هذا التمييز قد تتحول من حماية الوعي إلى تقييد النقاش. ولذلك فإن المعيار ينبغي أن يكون التحقق والأدلة واحترام القانون، لا مدى توافق المعلومة مع موقف الشيخ أو الجماعة.

وتستطيع الجامعات العراقية ومراكز الدراسات أن تسهم في تأهيل هذا الدور عبر برامج قصيرة ومبسطة للقيادات الاجتماعية حول التربية الإعلامية والرقمية. فالمطلوب ليس تحويل شيوخ العشائر إلى خبراء تقنيين، بل تعريفهم بأنماط التضليل وأساليب التحقق الأساسية وكيفية التواصل أثناء الأزمات. ويمكن أن تتضمن البرامج تمارين على صور ومقاطع مزيفة وحالات واقعية، بحيث يصبح لدى المشاركين تصور عملي عن السرعة التي يمكن أن تتحول بها المعلومة غير الدقيقة إلى أزمة اجتماعية.

كما يمكن تأسيس أدلة اتصال موثوقة على مستوى المحافظات والأقضية تتضمن قنوات المؤسسات التي يمكن الرجوع إليها عند ظهور أخبار تتعلق بالأمن أو الخدمات أو الكوارث أو الصحة. فالجزء الأكبر من مقاومة الإشاعة يعتمد على وجود بديل موثوق وسريع. وإذا كان المواطن أو الشيخ لا يعرف الجهة التي يستطيع سؤالها، فإنه سيبقى أسيراً لما تتداوله المنصات. إن بناء الثقة بين المؤسسات والقيادات المحلية جزء من البنية الوقائية للأمن المجتمعي.

إن مواجهة الأخبار المضللة لا تتحقق عبر تصحيح كل إشاعة بعد انتشارها، لأن حجم المحتوى يجعل ذلك مستحيلاً تقريباً، وإنما عبر بناء مجتمع يمتلك مناعة معرفية. والمناعة هنا هي أن يتعلم الفرد أن الخبر المثير يحتاج إلى تحقق أكبر لا إلى مشاركة أسرع، وأن المحتوى الذي يدفعه فوراً إلى الغضب قد يكون مصمماً تحديداً لاستغلال هذا الغضب. وحين تتحول هذه الفكرة إلى ثقافة محلية يصبح المجتمع أقل قابلية للتلاعب.

وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى شيخ العشيرة بوصفه حارساً للتوازن الاجتماعي لا حارساً للمعلومة وحدها. فالمعلومة شأن معرفي، أما آثارها فتدخل في مجال العلاقات والثقة والسلم الأهلي. وقد لا يستطيع الشيخ أن يحدد تقنياً إن كان مقطع ما مزيفاً، لكنه يستطيع أن يمنع بناء موقف عدائي عليه قبل فحصه. وهذه الوظيفة بالغة الأهمية، لأنها تفصل بين تلقي المحتوى وبين اتخاذ القرار الاجتماعي استناداً إليه.

إن التحول المطلوب في الدور العشائري هو الانتقال من الاستجابة المتأخرة إلى الوقاية المبكرة. فالزعامة التي تنتظر وقوع النزاع ثم تتحرك للمصالحة تؤدي وظيفة مهمة، لكن الزعامة التي تمنع الإشاعة من إنتاج النزاع تؤدي وظيفة أكثر تقدماً. وهذا التحول ينسجم مع مفاهيم الأمن المجتمعي الحديثة التي تركز على الإنذار المبكر وبناء الثقة وتقليل عوامل الخطر قبل تحولها إلى أزمات.

وتحتاج هذه الرؤية إلى ميثاق أخلاقي اجتماعي يمكن أن تتوافق عليه العشائر والقيادات المحلية، يقوم على عدم تبني الاتهام قبل التثبت، وعدم تعميم خطأ الفرد على جماعته، ورفض التشهير الإلكتروني، وعدم استخدام التسجيلات المجهولة أساساً للمواقف، وإحالة الجرائم الرقمية إلى الجهات المختصة، وتشجيع الاعتذار والتصحيح عند نشر معلومات خاطئة. مثل هذا الميثاق لا يحتاج بالضرورة إلى قوة قانونية حتى يكون مؤثراً؛ فالقيمة الحقيقية له تأتي من تحوله إلى معيار اجتماعي للسلوك المسؤول.

وإذا نجحت هذه المقاربة فإنها ستعيد صياغة صورة شيخ العشيرة في المجتمع المعاصر. فالشيخ لن يكون مجرد امتداد لنظام اجتماعي موروث، بل فاعلاً يتكيف مع التحولات ويستثمر مكانته في حماية المجتمع من أخطار جديدة. وتلك القدرة على التجدد هي التي تحدد استمرار المؤسسات الاجتماعية؛ فالمؤسسة التي تبقى أسيرة الوظائف القديمة قد تفقد تأثيرها، أما التي تحافظ على قيمها الأساسية وتعيد تفسير وظائفها في ضوء الواقع الجديد فإنها تصبح أكثر حضوراً.

إن العراق بما يمتلكه من تنوع اجتماعي وقومي وديني ومناطقي يحتاج إلى جميع مصادر الاستقرار الممكنة، شرط أن تعمل داخل إطار الدولة والقانون والمواطنة. وشيوخ العشائر يمثلون أحد هذه المصادر عندما يستخدمون نفوذهم لخفض التوتر وتشجيع الحوار وحماية الأفراد من التعميم والتحريض. وفي المقابل، فإن توظيف النفوذ العشائري في نشر معلومات غير موثقة أو في تأجيج الخلافات يمكن أن يضاعف أثر التضليل، ولذلك فإن المسؤولية هنا كبيرة بقدر حجم التأثير.

وفي المحصلة، تكشف قضية الأخبار المضللة عن تحول عميق في مفهوم القيادة الاجتماعية. فالقيادة في العصر الرقمي لم تعد تقاس فقط بالقدرة على جمع الناس أو حل الخصومات، بل بالقدرة على حماية قدرتهم على التفكير الهادئ في بيئة تستهدف انتباههم وانفعالاتهم باستمرار. ومن هذا المنطلق يمكن لشيوخ العشائر أن يؤدوا دوراً متقدماً في بناء الوعي المحلي إذا انتقلوا من التعامل مع المنصة الرقمية باعتبارها عالماً بعيداً عنهم إلى اعتبارها امتداداً للمجال الاجتماعي الذي تقع عليهم مسؤولية أخلاقية تجاه استقراره.

إن بناء سلطة اجتماعية لحماية الوعي المحلي لا يعني إنشاء رقابة عشائرية على المعلومات، وإنما تأسيس ثقافة مجتمعية تجعل الحقيقة قيمة مشتركة، وتجعل التثبت سلوكاً محترماً، وتجعل التحريض والتشهير والتضليل أفعالاً مرفوضة أخلاقياً واجتماعياً. وعندما يلتقي تأثير الشيخ مع وعي الشباب وخبرة المختصين وسرعة الإعلام المهني وفاعلية القانون، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه من الشائعة ومن الجهات التي تحاول تحويل اختلافاته الطبيعية إلى صراعات. وهكذا يمكن للزعامة العشائرية أن تنتقل من دورها التاريخي في حفظ التوازن بعد وقوع الخلاف إلى دور مستقبلي أكثر عمقاً: حماية المجال المعرفي الذي تتشكل فيه المواقف قبل أن تتحول إلى أفعال، وبناء سياج من الثقة والعقلانية حول الوعي المحلي، بما يعزز السلم الأهلي ويجعل المجتمع شريكاً واعياً في مواجهة أحد أخطر تحديات العصر الرقمي.

قد يعجبك ايضا