محمد علي الحيدري
واشنطن
قبل أن يصل الناخب الأميركي إلى صندوق الاقتراع في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تكون معركة أخرى شديدة الأهمية قد قطعت شوطاً بعيداً في تحديد شكل الكونغرس الذي سينتخبه. إنها معركة الخرائط الانتخابية، حيث لم يعد السؤال مقتصراً على أي حزب يستطيع إقناع عدد أكبر من الأميركيين، بل أصبح يمتد إلى سؤال أكثر تعقيداً: في أي دوائر سيصوت هؤلاء الأميركيون، وكيف رُسمت حدودها، ولمن تمنح تلك الحدود أفضلية سياسية؟
إعادة تقسيم الدوائر ليست جديدة في السياسة الأميركية. فالنظام الفيدرالي يمنح الولايات دوراً واسعاً في رسم الدوائر المخصصة لانتخابات مجلس النواب، وعادة ما يعاد رسمها بعد التعداد السكاني الذي يجري كل عشر سنوات. لكن ما يميز دورة انتخابات 2026 هو اتساع اللجوء إلى إعادة رسم الخرائط في منتصف العقد، بعيداً عن الإيقاع التقليدي المرتبط بالتعداد، وتحول العملية إلى مواجهة وطنية مباشرة بين الجمهوريين والديمقراطيين.
كانت تكساس نقطة الانطلاق الأبرز. فقد دفعت الأغلبية الجمهورية، بتشجيع من الرئيس دونالد ترامب، نحو خريطة جديدة يمكن أن تعزز فرص الحزب الجمهوري في عدد من مقاعد مجلس النواب. وأشعل ذلك سلسلة من التحركات المضادة في ولايات يقودها الديمقراطيون، وفي مقدمتها كاليفورنيا، فتحولت الخرائط المحلية إلى جزء من استراتيجية وطنية هدفها شيء واحد: السيطرة على مجلس النواب.
المحكمة العليا دخلت بدورها قلب المواجهة، ولم تعد القضية مجرد خلاف سياسي بين مجالس تشريعية محلية، وإنما أصبحت اختباراً جديداً للعلاقة بين السياسة الانتخابية والقضاء الفيدرالي. وما زاد من حدة الصراع أن كل حزب بات ينظر إلى إعادة رسم الدوائر لا باعتبارها إجراءً تقنياً، بل كسلاح انتخابي يمكن أن يكون حاسماً في معركة تتقرر أحياناً بفارق بضعة مقاعد فقط.
المفارقة أن الحزبين يقدمان حججاً متشابهة حين يكونان في موقع الدفاع، ثم يستخدمان الأدوات نفسها تقريباً عندما يمتلكان القدرة على الهجوم. الجمهوريون يقولون إن الولايات تمارس صلاحياتها الدستورية في تحديد دوائرها، بينما يرى الديمقراطيون أن إعادة الرسم في منتصف العقد محاولة لتغيير قواعد المنافسة بعد أن بدأت المباراة. لكن الديمقراطيين أنفسهم لجأوا إلى إعادة رسم الخرائط في الولايات التي تسمح لهم موازين القوى فيها بذلك، تحت عنوان مواجهة ما يعتبرونه محاولة جمهورية لهندسة الأغلبية في مجلس النواب.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الظاهرة لم تعد محصورة في تكساس وكاليفورنيا. فولايات أخرى بدأت تبحث بدورها عن وسائل لتعديل خرائطها الانتخابية، في مؤشر على أن منطق الرد بالمثل أصبح جزءاً من قواعد الصراع الانتخابي الجديد.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق. فالـ”جيريماندرينغ”، وهو المصطلح الأميركي المستخدم لوصف رسم الدوائر بصورة تمنح حزباً سياسياً أفضلية انتخابية، لا يحتاج بالضرورة إلى تغيير رأي ناخب واحد. يمكن للحزب أن يحصل على العدد نفسه من الأصوات على مستوى الولاية، لكن توزيع تلك الأصوات بين الدوائر قد يؤدي إلى نتائج مختلفة جذرياً في عدد المقاعد.
ولهذا أصبحت الخرائط ذات أهمية استثنائية في انتخابات 2026، لأن الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب ضيقة، وأي انتقال لعدد محدود من المقاعد يمكن أن ينقل رئاسة المجلس ولجانه وسلطاته الرقابية إلى الديمقراطيين.
الأكثر أهمية أن إعادة التقسيم لم تعد مجرد قضية حزبية، بل تطرح سؤالاً يتعلق بطبيعة التمثيل الديمقراطي نفسه. الأصل في الانتخابات أن يختار الناخبون ممثليهم، لكن الإفراط في هندسة الدوائر يفتح الباب أمام معادلة معكوسة يصبح فيها السياسيون، إلى حد ما، قادرين على اختيار الناخبين الذين سيقررون مستقبلهم.
وقد لا يكون في ذلك خرق مباشر للنظام الدستوري، لأن المحكمة العليا الأميركية سبق أن وضعت قيوداً على تدخل القضاء الفيدرالي في قضايا التلاعب الحزبي بالدوائر. إلا أن الشرعية القانونية لا تلغي المشكلة السياسية: إلى أي مدى تبقى الانتخابات تنافسية فعلاً عندما يستطيع الحزب المسيطر على مؤسسة تشريعية إعادة ترتيب الخريطة بما يزيد احتمالات بقائه في السلطة؟
لهذا فإن انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني لن تكون مجرد منافسة بين مرشحين جمهوريين وديمقراطيين. إنها أيضاً اختبار للخرائط التي سبقتهم إلى صناديق الاقتراع.
وقد تكون المفارقة الأشد تعبيراً عن اللحظة الأميركية أن ملايين الناخبين سيذهبون في نوفمبر لاختيار أعضاء مجلس النواب، بينما يكون جزء من نتيجة ذلك الاختيار قد تحدد سلفاً في غرف المجالس التشريعية ومحاكم الولايات والمحكمة العليا.
الديمقراطية الأميركية لن تتوقف عن العمل بسبب ذلك، ولن تصبح الانتخابات بلا معنى. لكنها تدخل مرحلة يصبح فيها السؤال عن عدالة قواعد المنافسة مهماً بقدر السؤال عن الفائز بها.
فالناخب سيظل صاحب الصوت الأخير، لكن المعركة السياسية المتصاعدة حول الخرائط تقول إن الأحزاب باتت تعرف أن الطريق الأقصر إلى الأغلبية قد يبدأ أحياناً قبل وقت طويل من فتح صناديق الاقتراع.