م.م زيد محمد كاظم
تخطئ كثير من المؤسسات عندما تظن أن صورتها الذهنية تُصنع عبر إعلان تلفزيوني جذاب، أو حملة إعلامية واسعة، أو منشورات أنيقة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالحقيقة التي تؤكدها تجارب المؤسسات الناجحة في العالم أن الانطباع الأول لا يبدأ من شاشة الحاسوب، بل من أول إنسان يلتقيه المراجع عند بوابة المؤسسة. هناك، عند موظف الاستعلامات، تبدأ قصة الثقة أو خيبة الأمل، ويُكتب الفصل الأول من علاقة الجمهور بالمؤسسة.
في العراق، اعتاد المواطن أن يقصد مؤسسة حكومية أو جامعة أو مستشفى وهو يحمل في ذهنه أسئلة كثيرة، لكنه في المقابل يحمل قلقًا أكبر من طريقة الاستقبال. فالكلمة الأولى التي يسمعها، وطريقة الترحيب، وسرعة تقديم المعلومة، واحترام وقته، كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تشكل الصورة الحقيقية للمؤسسة أكثر مما تفعله عشرات البيانات الصحفية.
ولعل المفارقة أن بعض المؤسسات تنفق مبالغ كبيرة على الترويج الإعلامي، بينما تهمل أبسط حلقات الاتصال المباشر مع جمهورها. فقد تجد صفحة إلكترونية حديثة، وهوية بصرية متقنة، ومنشورات تتحدث عن الجودة والتميز، لكنك ما إن تدخل المؤسسة حتى تواجه موظفًا لا يجيب عن استفسارك، أو يستقبلك بوجه عابس، أو يحيلك من مكتب إلى آخر دون اهتمام. هنا تنهار الحملة الإعلامية كلها أمام موقف واحد. يؤكد رائد الإدارة بيتر دركر أن “الثقافة التنظيمية تلتهم الاستراتيجية على الإفطار”، وهي عبارة تختصر واقع كثير من المؤسسات. فمهما كانت الخطط الإعلامية متقنة، فإنها تفشل إذا لم تكن ثقافة التعامل مع الجمهور قائمة على الاحترام والخدمة. فالعلاقات العامة ليست قسمًا معزولًا داخل المؤسسة، بل سلوك يمارسه كل موظف يتعامل مع الناس. أما الباحث جيمس جرونيج، أحد أبرز منظري العلاقات العامة، فيرى أن الاتصال الحقيقي يقوم على الحوار والثقة، لا على الرسائل الأحادية. وهذا يعني أن موظف الاستعلامات ليس مجرد موظف يقدم المعلومات، بل هو أول ممثل للعلاقات العامة، لأنه يجسد قيم المؤسسة أمام الجمهور.
في الجامعات العراقية، يبرز هذا الأمر بوضوح. فالطالب الجديد لا يبني انطباعه الأول من الموقع الإلكتروني أو صفحة الجامعة على “فيسبوك”، وإنما من الشخص الذي يستقبله عند دخوله الحرم الجامعي. فإذا وجد من يرشده باحترام، ويجيب عن أسئلته بصدر رحب، شعر بأن الجامعة بيئة تحتضنه. أما إذا قوبل بالإهمال أو الجفاء، فإن هذا الشعور السلبي يرافقه طويلًا، مهما شاهد لاحقًا من أخبار وإنجازات. وينطبق الأمر ذاته على المستشفيات. فالمريض لا يقيّم المؤسسة الصحية بعدد الأجهزة الحديثة فقط، بل بطريقة استقباله منذ اللحظة الأولى. موظف الاستعلامات الذي يوجه المراجع بسرعة، ويشرح له الإجراءات بهدوء، قد يخفف عنه جزءًا من توتره، بينما قد يزيده التعامل القاسي قلقًا حتى قبل أن يقابل الطبيب. وفي الدوائر الحكومية العراقية، كثيرًا ما يتداول المواطنون تجاربهم مع موظفي الاستعلامات أكثر مما يتحدثون عن المدير العام أو الوزير. فالناس لا يتعاملون يوميًا مع القيادات العليا، بل مع الموظف الذي يقف في الواجهة، ولذلك يصبح هذا الموظف مرآة للمؤسسة كلها.
وقد أدركت شركات عالمية مثل ديزني أن كل موظف، مهما كان موقعه، يمثل صورة المؤسسة أمام الجمهور، ولذلك تستثمر في تدريب العاملين على مهارات التواصل بقدر استثمارها في التسويق. كما جعلت شركات مثل ريتز كارلتون جودة التعامل مع الضيف جزءًا من هويتها المؤسسية، لأن التجربة الإنسانية هي التي تصنع السمعة، لا الشعارات وحدها. في المقابل، ما زالت بعض المؤسسات العراقية تنظر إلى موظف الاستعلامات على أنه وظيفة هامشية يمكن أن يشغلها أي شخص، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى مهارات في الاتصال، وإدارة المواقف، وفهم الجمهور، والقدرة على احتواء الغضب، وحل المشكلات الأولية. فاختيار الشخص المناسب لهذا الموقع ليس قرارًا إداريًا بسيطًا، بل قرار استراتيجي يتعلق بسمعة المؤسسة. كما أن العلاقات العامة لا ينبغي أن تنحصر في تنظيم المؤتمرات أو تغطية النشاطات أو كتابة الأخبار. فهذه مهام مهمة، لكنها تبقى جزءًا من منظومة أكبر عنوانها “إدارة تجربة الجمهور”. فحين يشعر المراجع بأن المؤسسة تحترمه، وتستمع إليه، وتقدر وقته، فإنه يصبح سفيرًا لها في المجتمع، وينقل تجربته الإيجابية إلى الآخرين.
فإن بناء الصورة الذهنية يبدأ من الداخل قبل الخارج. يبدأ من تدريب الموظفين، وترسيخ ثقافة الخدمة، وتعزيز قيم الاحترام، وتوحيد الرسالة التي تقدمها المؤسسة في كل نقطة اتصال مع جمهورها. فلا يمكن أن تتحدث الحملة الإعلامية عن التميز، بينما يعيش المراجع تجربة مليئة بالإرباك وسوء المعاملة. لقد تغير مفهوم العلاقات العامة في العالم، وأصبحت السمعة المؤسسية تُبنى من خلال التجربة اليومية التي يعيشها الجمهور، لا من خلال الرسائل الإعلانية فقط. والمؤسسات التي تدرك هذه الحقيقة هي التي تنجح في كسب ثقة الناس، لأن الثقة لا تُشترى، بل تُكتسب من خلال كل ابتسامة صادقة، وكل كلمة احترام، وكل خدمة تقدم بإخلاص. صورة المؤسسة لا تبدأ من لوحة إعلانية، ولا من منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تبدأ من الإنسان الذي يقف عند الباب ليستقبل الناس. فإذا كان هذا الإنسان يحمل قيم المؤسسة في سلوكه قبل كلماته، فإن أفضل حملة إعلامية ستكون هي التجربة التي يعود بها المراجع إلى بيته، ويحكيها للآخرين بثقة ورضا.