محمد علي محيي الدين
يحتل الدكتور عبد الرزاق محيي الدين مكانة رفيعة في تاريخ الثقافة العراقية الحديثة، إذ جمع بين العالم اللغوي، والناقد الأدبي، والشاعر المجدد، والأستاذ الجامعي، والإداري الأكاديمي، فكان واحداً من أبرز الوجوه التي أسهمت في ترسيخ الدراسات البلاغية والأدبية في العراق خلال القرن العشرين. ولم يكن حضوره العلمي مقتصراً على قاعات الدرس، بل امتد إلى المجامع اللغوية العربية، والمنتديات الثقافية، والهيئات العلمية، ليصبح اسماً بارزاً في حركة النهضة الفكرية العربية.
ولد عبد الرزاق أمان جواد محيي الدين في النجف الأشرف سنة 1910، في أسرة علمية عريقة تعود جذورها إلى جبل عامل في جنوب لبنان، واستقرت في النجف منذ قرون، وأسهمت في الحياة الدينية والفكرية للمدينة. وفي هذه البيئة العلمية تشكلت شخصيته الأولى، فارتدى العمامة في شبابه، ونهل من علوم اللغة والفقه والأصول والمنطق والبلاغة على أيدي كبار علماء النجف، حتى غدا من المتفوقين في المناظرة والجدل والتحليل، وهي خصائص سترافقه طوال مسيرته العلمية والنقدية.

ولم يقف عند حدود الدرس التقليدي، بل كان من أوائل الداعين إلى إصلاح التعليم الديني وتحديث مناهجه، مؤمناً بأن النهضة لا تتحقق إلا بتجديد الفكر وأساليب التعلم. لذلك انضم إلى النخبة التي أسست جمعية منتدى النشر في النجف، وأسهم مع عدد من الأدباء الشباب، ومنهم محمود الحبوبي وصالح الجعفري، في إطلاق حركة أدبية جديدة سعت إلى إخراج الأدب النجفي من عزلته وربطه بالتيارات الفكرية الحديثة. وقد سجل الشيخ علي الخاقاني في كتابه شعراء الغري جانباً من تلك المعارك الأدبية والفكرية التي كان محيي الدين أحد أبرز أبطالها.
وكانت شخصيته الإصلاحية جريئة في زمن لم يكن يتسامح كثيراً مع الآراء الجديدة؛ فقد وقف إلى جانب دعوة السيد محسن الأمين العاملي في إصلاح بعض الممارسات الدينية، ودافع عن قيم التسامح والوحدة الإنسانية، كما دعا إلى تجاوز العصبيات المذهبية والطائفية، وهو ما أثار حوله كثيراً من الجدل، لكنه ظل متمسكاً بقناعاته الفكرية، مؤمناً بأن النهضة الحقيقية تبدأ بحرية العقل.
وفي مطلع الثلاثينيات لفت الأنظار بموهبته الشعرية، ولاسيما بعد مشاركاته في المحافل الأدبية التي كانت تشهد سجالات بين دعاة التجديد وأنصار المدرسة التقليدية. كما تأثر في مرحلة من شبابه بالأفكار الاجتماعية والإصلاحية التي كانت تتداولها بعض الأوساط الثقافية في النجف، وهو ما انعكس على قصائده التي تناولت قضايا الإنسان والعدالة الاجتماعية، ومن أشهرها قصيدة “ربة الدل” التي أثارت نقاشاً واسعاً بسبب جرأتها الفكرية.

وكان عام 1932 نقطة تحول في حياته؛ إذ ألقى قصيدة وطنية في احتفال أقيم لاستقبال مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ومحمد علي علوبة باشا، بحضور الملك غازي ووزير المعارف عبد المهدي المنتفكي، فنال إعجاب الحاضرين، وكان ذلك سبباً في اختياره ضمن البعثة العراقية إلى مصر سنة 1933.
في القاهرة التحق بكلية دار العلوم، وتخرج سنة 1937 حاصلاً على الشهادة الأولية في الأدب العربي، ثم عاد إلى العراق ليعمل مدرساً في دار المعلمين الابتدائية، حيث أمضى خمس سنوات في إعداد أجيال جديدة من المعلمين. ولم يكتف بما حققه، فعاد سنة 1944 إلى جامعة فؤاد الأول بالقاهرة لإكمال دراساته العليا، فنال درجة الماجستير عن رسالته “أبو حيان التوحيدي: سيرته وآثاره” بإشراف الدكتور أمين الخولي، وهي دراسة كشفت عن قدرته على الجمع بين التحقيق التاريخي والتحليل الأدبي.
عاد بعدها إلى العراق أستاذاً في دار المعلمين العالية، التي أصبحت فيما بعد إحدى أهم المؤسسات الجامعية في البلاد، قبل أن يعود مرة ثالثة إلى القاهرة، فيحصل سنة 1956 على الدكتوراه عن أطروحته “أدب المرتضى من سيرته وآثاره”، بإشراف الدكتورة سهير القلماوي، ومناقشة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وهو إنجاز عزز مكانته بين كبار الباحثين العرب.
ومنذ عودته إلى بغداد بدأ أكثر مراحل حياته العلمية خصوبة، فدرّس البلاغة والنقد والأدب العربي في كلية التربية بجامعة بغداد، ونال الأستاذية سنة 1960، ثم تولى عمادة الكلية، قبل أن يُعين نائباً لرئيس جامعة بغداد عام 1963، حيث كان من الرواد الذين أسهموا في ترسيخ التعليم الجامعي الحديث وتطوير مناهجه، وجعلوا الجامعة مركزاً للإنتاج العلمي لا مجرد مؤسسة للتدريس.
ولم يقتصر نشاطه على الجامعة، فقد انتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي، ثم أصبح نائباً لرئيسه، ورئيساً له سنة 1965، واستمر في هذا المنصب أربع دورات متتالية، حتى أُبعد بقرار سياسي سنة 1979. كما انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة خلفاً للعلامة محمد رضا الشبيبي، ثم عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، والمجمع الأردني، والمجمع العلمي الهندي، ومؤسسة التعريب في الرباط، ومؤسسة آل البيت، فضلاً عن انتخابه نائباً لرئيس اتحاد المجامع اللغوية العربية، وهو حضور يعكس المكانة التي بلغها في الأوساط العلمية العربية.

وإلى جانب نشاطه الأكاديمي، كانت له مساهمات سياسية وفكرية، إذ تولى عدداً من المسؤوليات العامة، وشارك في مشاريع الوحدة العربية، كما تعرض للاعتقال أكثر من مرة بسبب مواقفه الوطنية، وهو ما يكشف عن شخصية لم تفصل بين الثقافة وقضايا المجتمع، بل رأت في المعرفة رسالة ومسؤولية.
أما نتاجه العلمي، فقد تنوع بين التأليف والتحقيق والشعر والدراسات الفكرية. ومن أبرز مؤلفاته: “أبو حيان التوحيدي: سيرته وآثاره”، و”أدب المرتضى من سيرته وآثاره”، و”من أجل الإنسان في العراق”، و”خواطر وملاحظات حول التعليم العالي في العراق” بالاشتراك مع الدكتور نوري جعفر، و”أسطورة الأدب الرفيع” بالاشتراك مع الدكتور علي الوردي، فضلاً عن دواوينه الشعرية وتحقيقاته لعدد من كتب التراث، ومئات البحوث والمقالات التي نشرت في الصحف والمجلات العراقية والعربية.
ورغم اتساع اهتماماته، بقيت البلاغة العربية محور مشروعه العلمي؛ فقد نظر إليها بوصفها أداة لفهم النصوص والكشف عن جمالياتها، لا مجرد قواعد جامدة، ولذلك ترك أثراً واضحاً في أجيال من الباحثين والدارسين الذين تتلمذوا على يديه في جامعة بغداد.
توفي عبد الرزاق محيي الدين في 27 نيسان/أبريل 1983، بعد مسيرة علمية وفكرية حافلة، وأثارت وفاته حزناً واسعاً في الأوساط الثقافية العربية، فأقيمت له مهرجانات تأبينية في بغداد والقاهرة ودمشق وعمان والمغرب، وجُمعت الدراسات والمراثي التي كتبت عنه في مؤلفات خاصة، كما صدرت أعماله الكاملة في اثني عشر جزءاً، وأُعلن عن مشروع موسوعي يضم تراثه الفكري والأدبي.
وقد اعتمدت هذه السيرة على ما أورده يوسف عز الدين في كتابه «الشعراء العراقيون في القرن العشرين»، وما سجله الشيخ علي الخاقاني في «شعراء الغري»، فضلاً عن الأعمال الكاملة لعبد الرزاق محيي الدين، وهي مصادر تؤكد أن الرجل كان أحد أبرز أعلام البلاغة والأدب في العراق، وأن أثره تجاوز حدود الجامعة ليصبح جزءاً من تاريخ الثقافة العربية الحديثة.