کرکوك بین خرق الدستور و تصریح الرئیس مسعود بارزاني

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا

تقف قضية كركوك والمادة 140 من الدستور العراقي في قلب النقاش الوطني والأكاديمي حول مستقبل الاستقرار والديمقراطية في العراق، حيث تتجسد فيها تقاطعات التاريخ، والعدالة الانتقالية، وصيانة حقوق المكونات الأصيلة التي تعرضت لمظالم عرقية وسياسية ممتدة.
إن التعاطي مع هذا الملف الحيوي يتطلب قراءة موضوعية شاملة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، بالاستناد إلى التوثيق الأكاديمي والالتزام بالنصوص الدستورية التي جرى التصويت عليها بأغلبية شعبية جامعة.
لقد عانى الشعب الكوردي في كركوك والمناطق المسماة بالمختلف عليها من سياسات تغيير ديموغرافي واضطهاد ممنهج عقوداً طويلة، وهو ما تجسد في قرارات الترحيل القسري ومصادرة الأراضي والتجرد من الهوية الحضرية والتاريخية للمدينة.
ومن هذا الرؤیة الأكاديمية والوطنية، جاءت المادة 140 لتمثل خارطة طريق قانونية ودستورية صريحة تهدف إلى إنهاء هذه التركات الثقيلة عبر آلية ثلاثية المراحل تبدأ بالتطبيع، ثم الإحصاء، وتختتم بالاستفتائه لمعرفة إرادة السكان الأصليين.
ومع ذلك، فإن القراءة الأخيرة والتصريحات الصادرة عن سيادة محافظ كركوك المحترم بشأن هذه المادة تستدعي قراءة نقدية بناءة من منظور الدستور والمصلحة الوطنية العليا، إذ إن التعامل مع النص الدستوري بوصفه نصاً قابلاً للتأجيل أو إعادة التفسير خارج الأطر القانونية المعتمدة يضعف من ركائز الثقة بين مكونات المحافظة، ويختزل الحقوق التاريخية للكورد وبقية المكونات في مجرد ملف إداري أو توافقات سياسية عابرة.
وفي هذا السياق الدستوري والديمقراطي يبرز الواجب الوطني والرقابي للنواب الكورد في مجلس النواب العراقي.
إذ تقع على عاتقهم مسؤولية أخلاقية وسياسية لمساءلة وطرح ما صدر عن إدارة كركوك ومحافظها من ممارسات وتصريحات تتجاوز الأطر الدستورية، واستخدام الأدوات البرلمانية الكفيلة بحماية الدستور ومنع أي استهانة بالمواد الملزمة التي تمس حقوق المواطنين الكورد وكرامة عائلاتهم.
إن القراءة الوطنية الرشيدة تقتضي التأكيد على أن المادة 140 ليست مجرد تسوية سياسية مؤقتة، بل هي مادة دستورية ملزمة ونافذة بحكم قرارات المحكمة الاتحادية العليا، وأن التقاعس عن تطبيقها أو التشكيك في جدواها الإجرائية ينعكس سلباً على مفهوم المواطنة الشاملة والسلم الأهلي.
ويجسد هذا الموقف الدستوري القاطع ما أكده الرئيس مسعود بارزاني مراراً بشأن هوية كركوك وضرورة الالتزام بالدستور، حين صرح موضحاً الرؤية الكوردستانية الثابتة، “إن كركوك هي رمز التآخي والتعايش، لكننا لن نساوم أبداً على هويتها الكوردستانية، وتطبيق المادة 140 الدستورية هو الحل الوحيد والمسار القانوني الكفيل بإنهاء المظالم وتثبيت الاستقرار.”
إن بناء كركوك كنموذج للتعايش السلمي والتنمية المستدامة يستوجب بالضرورة الاعتراف الصريح والكامل بالمظالم التاريخية التي لحقت بالكورد، والتنفيذ الأمين للالتزامات الدستورية دون استجلاء لقراءات اجتهادية تفرغ المادة 140 من جوهرها القانوني والأخلاقي، وهو ما يختصره المبدأ الراسخ الذي أرساه القائد الخالد مصطفى بارزاني حين أكد على جوهر العدالة والعيش المشترك بقوله الخالد:
“نحن في العراق نحتاج إلى حكومة ديمقراطية وعادلة… تجيء عن طريق انتخابات حرة، وأن تكون لها قوانين عادلة يصنعها الشعب بنفسه”، ليبقى الاستحكام إلى القانون والمواطنة العادلة السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق المغتصبة وترسيخ دولة المؤسسات التي تحمي الجميع دون استثناء.

قد يعجبك ايضا